( مساعي تحاشي الانزلاق في مستنقع إدلب )

• د. محمد عادل شوك: ( الأيام السورية )

يذهب المراقبون إلى أنّ كلّ واحد من الأطراف المتدخلة في الملف السوريّ، باتَ و شغلُه الشاغل تحاشي الانزلاق في مستنقع إدلب؛ إدراكًا منه أنّ هناك من يدفع به نحو ذلك.
لقد أيقنتْ تلك الأطراف، ما عدا أمريكا، أنّ ثَمَّة هاويةً سحيقةً قد أُعدَّت لها في هذا الملف، و أنّ إدلب على وجه الخصوص منها، هي مستقرُّها و مستودُعها، فقد غدتْ اليوم اختصارًا لسورية، بكلّ تعقيداتها و منعرجاتها، و اتجهتْ الأنظارُ إليها من كلّ حدبٍ و صَوب، و باتتْ حديث الغرف المغلقة، و لسنا مبالغين إذا قلنا إنّها عقدة المنشار السوري، و بوابة الحل المرتقب.
فالثلاثي الضامن لتفاهم سوتشي، لا يجمع بينهم سوى الهاجس من مخططات أمريكا للدفع بهم نحوه، و كلّ واحد منهم يتربص بالآخر، ليجعله ينزلق قبله، فيكون أول من تغوص رجلاه في وحله.
و تحالف دول المنطقة يرقبون إيران، و يدفعون بها للغوص فيه أكثر فأكثر، مثلما ينتظرون زلة رجل تركيا، لتغوص هي الأخرى.
و الفصائل هي الأخرى لا تُكنُّ لبعضها كثير وُدٍّ، و ستكون سعيدة إذا انزلقت أقدام أيّ فصيل في هذا المستنقع، ولاسيّما المحلية منها، التي تنظر إلى الجهادية منها بكثير من الريبة و الحذر، و يسرّها أن تراها في وهدته.
لقد جاء التصعيد الأخير على إدلب في وقت تحاشى الجميع قدومه، فالحواضن الشعبية بذلتْ ما في جيوبها في هذا الموسم، الذي بدا حسب جميع التوقعات مبشرًا بالخير، فحرثت الأرض و أعدتها و نثرت البذور، و لما حان موعد الحصاد و قطف الثمار، شرّد بهم ما شهدته مناطقهم من التصعيد غير المتوقّع.
لقد أتى الأمر على آلاف الدونمات المزروعة بالحنطة و الشعير و البطاطا ، و مئات الألاف من أشجار الفستق الحلبي، ناهيك عن معدات الريّ، التي تمّ تعفيشها مع أثاث منازلهم في وضح النهار، دونما خشية أو رادع، فضلًا على قصفهم و قتلهم قبيل مدفع الإفطار في شهر الصوم الكريم.
و تركيا المنشغلة بمشاكلها الداخلية و المناكفات الخارجية، ليس لديها متسع من الوقت لتصرفه في الهمّ السوريّ، بعدما باتت أطرافه المحلية لا تنام على وسادتها فقط، و هي تعرف يقينًا حجم الضرر الذي سيلحق بها في نجحت الأطراف المناكفة لها في دفعها إليه.
أمّا إيران التي باتتْ في عين العاصفة، فإنّ عيونها غير مغمضة عن المخططات المرسومة، لإيقاعها في التهلكة، و لذلك بادرت مسرعة إلى مبادأتهم و مشاغلتهم، فجاءت أحداث ميناء الفجيرة، و تخريب مضخات النفط في عفيف و الدوادمي السعوديتين، كرسالة لتلك الأطراف التي لم تتوانَ لدفعها منذ سنوات نحو المستنقع السوريّ، مثلما جاء التصعيد العسكريّ في إدلب صرفًا منها للأنظار في الداخل الإيراني عن قبضة الحصار الاقتصادي و تداعياته.
و عليه فإنّ تلك الأطراف كلّها بادرت إلى اتباع سياسة الأبواب الخلفية، فقامت بإرسال الرسائل إلى بعضها عبرها؛ في مسعى منها للتهدئة ما أمكن، و إلاَّ فلتكن الواقعة عليها و على أعدائها.
فأردوغان يتصل ببوتين، و لافروف يتصل ببومبيو، و أكار يتصل بشويغو، و جاويش أوغلو يتصل بلافروف، و ترامب يمرر رقم هاتفه إلى روحاني، و جابر الباشا يزور الجبهات بصحبة المحيسني، و الجولاني ينفرد لوحده برفقة الإعلامي طاهر العمر بتفقّد الجبهة، و هلمّ دواليك.
إنّ استشعار الجميع خطورةَ الموقف، جعلهم يخطون خطوة نحو الأمام، بعدما مضى عليهم زمن مستندين إلى الجدار؛ خشية أن تكون إدلب قِدْرَ الطبخ الأعظم لمَنْ تزلق رجلُه فيه.

اترك رد