يا له من نأي بالنفس

ميشيل كيلو

لا أعرف إن كان رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، يؤمن حقا أن لبنان ينأى بنفسه عن الصراع في سورية، أو إن كان موقفه (الحريري) متطابقا مع موقف الرئيس ميشيل عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل. ولكنني أعرف ما لا يستطيع أحد إنكاره، أن فصيلا لبنانيا مسلحا، اسمه حزب الله، يحارب في سورية منذ سبعة أعوام، وأنه تدخّل ليفرض على السوريين خيارا أعلنت ملايينهم رفضه، هو إبقاء بشار الأسد رئيسا لهم، لمجرد أن بقاءه مصلحة إيرانية. وأعرف أيضا أنه هجّر مئات آلاف من قراهم وبلداتهم إلى مناطق القلمون ويبرود إلى لبنان، لأن طرق هجرتهم إلى الشمال السوري كانت مغلقة، بقوات كانت بينها وحدات تابعة له.
لم ولا ولن ينأى لبنان بنفسه عن الصراع في سورية، بما أن إيران، وليس حكومة لبنان، هي الجهة التي تقرّر مواقف حزب الله من الصراع في سورية، والصراعات الحارّة والباردة في العراق واليمن والبحرين ولبنان وفلسطين.
لا يقرّر ساسة لبنان سياسة الحزب، رغم أنه يقرر مصير لبنان ومصيرهم، ويزج به في تشابكاتٍ تتخطى كثيرا سورية والصراع الدائر فيها، ويضعه في صف دولةٍ تحارب العرب، قبلوا ذلك أو رفضوه. ويرجّح أن يحمّلهم وزر نأيهم بأنفسهم عن سياسات حزب الله الذي يقول، بالفم الملآن، إنه سيخوض الحرب إلى جانب ايران، في حال تعرّضت لهجوم. ولن يسمح للبنان بالنأي بنفسه عنها، بل سيرغمه على خوضها، بعد أن ورّطه في تعقيدات الصراع السوري، الإقليمي والدولي الأبعاد، الذي يمكن أن تفلت خيوطه في أي وقت من يده ويد عون وباسيل، لتكون النتيجة ثمنا يصعب تصوّر فداحته، سيدفعه شعبه الذي يعلم أن عدم نأي حزب الله بنفسه عن الصراع في سورية لن يسمح لدولتهم أن تنأى بنفسها عن صراعات المنطقة، المرشحة للتصعيد، وتحذر جميعها شعبه مما ينتظره من أهوال، في حال انخرط فيها بالقرار الذي اتخذه، ويعلنه حزبٌ هو في حقيقته فصيلٌ من حرس إيران الثوري يرابط خارجها، لينفذ استراتيجيةً رسمتها قيادتُه هناك، تتجاهل أولوياتها مصالح الشعب اللبناني، وأمنه وسلامه، وحقه في تقرير مصيره بنفسه، وبما يتناسب والتزامات الدولة اللبنانية التي تغرّبت عنه، حياله.
لو نأى بنفسه عن الصراع في سورية، لأمكنه النأي بنفسه عما تعيشه المنطقة من إشارات مرعبة إلى صراعاتٍ مقبلة لا يستبعد إطلاقا أن تتحوّل إلى إقليمية ودولية، ليس للبنان مصلحة في خوضها، ولا تعني غير فريقٍ واحدٍ فيه، هو فصيل الحرس الثوري الذي يحتل لبنان، ويدفعه إلى الهاوية، باسم حماية لبنان من التكفيريين، وحماية زينب من السّبي (للعلم: السيدة التي يخاف الحزب عليها ميتة منذ ألف وأربعمائة عام!). وفي النهاية، لإنقاذ الأسد بأمر من خامنئي، أوصل عسكر الحزب إلى الميادين والبوكمال قرب حدود العراق، وريف حماه الشمالي قرب حدود تركيا، وحوران قرب الحدود الأردنية، والجولان قرب حدود فلسطين المحتلة، حيث الفتيل الذي يمكن أن يشتعل في أي وقت، ويشعل المنطقة، كرمى لإيران التي ما أن قرّر مرشدها إدخال حرسه الثوري اللبناني إلى سورية، حتى انصاع مرشدها المحلي السيد حسن نصر الله للأمر، وشرع يجد الأعذار لتدخله، متجاهلا استحالة إيجاد اعذار له، ما دامت سورية ليست جزءا من إيران أو لبنان!.
ليست مسألة النأي بالنفس قضية سورية، بل هي مسألة لبنانية بالدرجة الأولى، سيتوقف عليها مصير لبنان الذي يجب إبعاده عن حزب الله، إلا اذا كان حكامه مصممين على نحره بغفلتهم، وبؤسهم.

اترك رد