مسيحيو سورية؛ بين الهوية الوطنية والهوية الكنسية (2 ــ 2)

يتناول القسم الثاني من هذا البحث ما يلي:

  • موقف المكون المسيحي من نظام حافظ الأسد
  • دور رجال الدين المسيحي في مرحلة الأسد الأب
  • مرحلة بشار الأسد والثورة السورية
  • موقف المسيحيين من عسكرة الثورة وأسلمتها
  • دوافع هجرة المسيحيين إلى خارج سورية
  • أهمية المكوّن المسيحي السوري في ترسيخ المواطنة

موقف المكون المسيحي من نظام حافظ الاسد

استطاع حافظ الأسد القفز إلى السلطة في تشرين الثاني عام 1970 م وقدّم نفسه على أنه معارض للتشدد السياسي اليساري الذي كان ينتهجه رفاقه الذين انقلب عليهم. وكان يُدرك أن الخطر الحقيقي، على استمراره في الحكم, لن يأتي من غير المؤسسة العسكرية (الجيش) ولهذا عمل على تعطيل قوة هذه المؤسسة وفعاليتها من خلال تعطيل أجهزتها القياديّة, وربط كل الفرق العسكرية التابعة لهذه المؤسسة بشخصه. كان حافظ الأسد يحتاج، لتحقيق ذلك الأمر، إلى توسيع دور أجهزة الأمن المختلفة (الأمن العسكري- الجوي – أمن الدولة..) وتعميقه في حياة المؤسسة العسكرية وحياة المجتمع. ويسعى لبناء دولة أمنية, على حساب الهوية الوطنية, إذ يتاح له التحكم بحركة المجتمع السياسية من خلال أجهزة الأمن. وقد عملت، هذه الحالة، على تعطيل الاندماج الاجتماعي بين المكونات السورية, ما دفعها إلى التقوقع ضمن انتماءاتها الدينية والطائفية والقبلية العشائرية.

ولفهم هذه الحالة, ينبغي تشخيص طبيعة السلطة, التي نهض بها نظام حافظ الأسد. فهذه السلطة لا يمكن رؤيتها على أساس كونها سلطة عسكرية مجردة. بل هي تعبير عن درجةٍ محددةٍ من التطوّر الاجتماعي في البلاد فالاحتلال الفرنسي لسورية كان لديه رؤية استشرافية للبنية الاجتماعية السورية, إذ تعامل مع الشعب وفقاً للمكونات الدينية والطائفية والمذهبية, ولعب كذلك على موضوع المدن الإقليمية من سورية الحالية. أي انتهج سياسة تفتيت الهوية الوطنية”[1].

وقد سمحت هذه الحالة ببقاء الطبقة البرجوازية السورية في حالة ضعف على صعدها الاقتصادية والسياسية, ما جعلها غير مؤهلة لحمل مشروع التنمية الوطنية الشاملة. وهو أمرٌ فتح الباب لجنرالات الجيش السوري للقفز الى السلطة ما أدى لاحقاً إلى عدم تطوير الروابط الوطنية بين المكوِّنات السورية. وعلى ذلك، فقد ساهمت تلك السياسة بإيجاد قاعدة لقيام نظام حافظ الأسد الذي أصرّ على تغليب مصلحة بقائه في الحكم, على حساب تمتين الروابط الوطنية. وهو أمرٌ ارتد بالبنى والمكونات الاجتماعية السورية إلى حالتها ما قبل الوطنية, كالطائفية, والدينية, والقبلية العشائرية.

إذاً لم يكن نظام حافظ الأسد نظام مشروع تنموي وطني حقيقي, ولذلك عمل على ربط المكونات السورية بعجلة دولته الأمنية, وهذا استدعى تغييب كل نشاط سياسي, أو نشاط لمجتمع مدني, وحتى النشاطات الاقتصادية خارج عجلة سيطرته الشاملة على الحكم. ولم يكن المكوّن المسيحي خارج هذه المعادلة. لذلك ظهر أن “انتصار حافظ الأسد عام 1982 على الإخوان المسلمين مستغلاً لتحقيق انتصار أكبر على المجتمع السوري ككل, عبر القضاء على كل التنظيمات السياسية بما فيها العلمانية اليسارية, وعلى الحركة النقابية والطلابية, أي القضاء على السياسة بوصفها مغالبة تعكس مصالح الناس واختلافاتهم ومطامحهم”[2].

دور رجال الدين المسيحي في مرحلة الأسد الأب

ذلك التقييد أدخل المجتمع السوري في حالة فراغ عاكست تطوره الطبيعي, ولم يكن المكوّن المسيحي خارج هذه الحالة, إذ وجد نفسه خاسراً لاستقلاليته الدينية, التي كان يتمتع بها. ووفق ذلك الترتيب, غدت الكنائس المسيحية كلها تحت رقابة أجهزة السلطة الأمنية. وبخسارة المكوّن المسيحي لهامش حرياته الدينية تكون العلاقة بينه وبين الكنيسة التي تمثله قد تبدلت. ولعب رجال الدين دور الوسيط بين مجتمعاتهم المحلية وبين السلطة, التي رغبت بذلك إن دور الوساطة الممنوح لرجال الدين المسيحي, أو غير المسيحي, بدا كامتياز لهم. وبذلك يمكن القول:

إن نظام حافظ الأسد استطاع امتصاص فعاليات المكون المسيحي خارج جدران الكنائس. وتحديداً فعاليات السياسة, وتداول الأمور بالشأن العام.

وتنبغي الإشارة إلى أنه “لم يعد سراً أن الكنيسة تم اختراقها من قبل عناصر المخابرات. تماماً كأي مؤسسة أخرى. فكان يتم تشجيع الكهنة, شأنهم في ذلك شأن أئمة المساجد على كتابة تقارير عن رعاياهم, ومجتمعاتهم, ويتم مكافأتهم على ذلك. وتم إصدار الأوامر إليهم بتسليم خطبٍ محددةٍ مطبوعة مسبقاً, أثناء إقامة شعائرهم في أيام الآحاد, وفي الأعياد الدينية”[3].

إن سياسة حافظ الأسد التي تقوم على بقاء التنازعات, اتجهت إلى تمكين أبناء الريف السوري في حكم المدن السورية. وتهميش الفئات المدينية. وهذا ما فعله أيضاً مع المكوّن المسيحي, إذ كان يختار في وزاراته وزيراً مسيحياً واحداً, وسيكون هذا الوزير في الأغلب من حوران أو من اللاذقية. وبذلك يستبعد حافظ الأسد الأخطر عليه, أي ما يتعلّق بحاجة المجتمع السوري إلى هوية وطنية واحدة تضيّق أو تلغي الهوّة بين النمو المجتمعي الطبيعي والقطع مع الانتماءات ما قبل الوطنية. ما يشكل قاعدة اجتماعية, تقوم على مصلحة وطنية محددة, لا ترتبط بمكون محدد, بل بكل المكونات. إذ تنتقل تبعية أفراد هذه المكونات من صيغتها الطائفية والإثنية إلى صيغة المواطنة الحقيقية. وهذا ما كان يريده المسيحيون السوريون. إذ إن: “نشوء الهوية السورية الوطنية كان رد فعل من قبل المسيحيين العرب تحت وطأة حاجتهم إلى هوية جديدة, تعيد تعريف موقعهم ضمن مجتمع ذي أغلبية مسلمة عقب الحرب الأهلية عام 1860 م”[4].

إن سياسة حافظ الأسد التي قامت على منع السياسة عن المجتمع بكل مكوناته, واحتكارها عبر سلطته, التي حوّلت الدولة والمجتمع إلى ملحقات بالسلطة. وهو ما دفع بالبنى الاجتماعية السورية إلى محاولة استعادة الدولة, وأن تكون البنى المجتمعية الثقافية والاقتصادية والسياسية فاعلة لمصلحة المجتمع. ولذلك عمد حافظ الأسد على تأطير البنى الاجتماعية ضمن حيّز انتمائها ما قبل الوطني, وهو الطائفي, والديني, والقبلي. وهذا ما أزعج المكوّن المسيحي بصورةٍ عامة, ونخبه الثقافية والفكرية والعلمية بصورة خاصة. فمسيحيو سورية لم ينظروا إلى أنفسهم أبداً على أنهم طارئون في المجتمع, فهم ينتمون الى الجذر التاريخي لسورية, وشركاء في صناعة تاريخها وإبداع ثقافتها. ومن هنا يمكن القول: “ليست المسيحية العربية شأناً عقدياً أو طائفياً تعني المسيحي دون المسلم, بل هي قدر تاريخي وثروة روحية لمن انتمى إلى الفضاء الحضاري العربي”[5].

ولذلك فإن ما فعله حافظ الأسد يندرج تماماً في إعاقة التطوّر الطبيعي بمكونات المجتمع السوري, التي كانت ذاهبة إلى الاندماج الوطني, أي إلى اعتبار المواطنة بكل حقوقها وواجباتها عتبة ومناخاً للوطنية السورية. من هنا نفهم أن ترسيخ الطوائف ورموزها الدينية لم يكن مجرد ظواهر دينية مضمونها الاختلاف المعتقدي بين أبناء الوطن الواحد. وإنما تحوّلت الطائفية إلى أن تكون عجزاً بنيوياً معيقاً لتطور المجتمع باتجاه إنجاز وطنيته المتكاملة.

هذا العجز البنيوي سمح للفئات التي تقود العمل الكهنوتي, أن يكون لها مصالح في تثبيت الحالة, وتحويل مجريات الصراع مع الاستبداد من سكّته التاريخية إلى سكّة ليست سكّته. ولذلك تبدو الرموز الكهنوتية أذرعاً لدى النظام لمنع الاندماج الوطني.

وقد غاب عن ذهن حافظ الأسد, أن المسيحيين السوريين والعرب, لعبوا دوراً كبيراً في نهضة البلاد نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. فمن لا يذكر فارس الخوري, ودوره في مقاومة الاحتلالين العثماني والفرنسي.[6] فلقد لعبت هذه الشخصية دوراً متميزاً في مرحلة بناء الدولة السورية, بعد انتهاء حكم الدولة العثمانية من بلاد الشام وسورية. ودوره اللاحق في بناء سورية بعد رحيل الاحتلال الفرنسي عن البلاد. وبرزت شخصيات مسيحية سورية أخرى, كان لها دور ثقافي وتعليمي كبير في البلاد. ولعلّ الشخصيات المهمة في هذا الباب شخصية المطران (ملاتيوس صويتي), الذي “أسّس مع شقيقه الأستاذ فارس صويتي مجلة (الإيمان) في دمشق عام 1954. وكان من مؤسسي جمعية خريجي المدارس الأرثوذكسية الدمشقية في 7/9/1929 م. وأسس نادي الفنون الجميلة في أنطاكية عام 1930”[7]. وفق تلك المجريات والوقائع والتطورات لا يستطيع أحد أن يتغاضى أو يغمض العين عن دور المكون المسيحي السوري عبر تاريخ البلاد عن أنهم شركاء حقيقيون في الارتباط بتراب هذه المنطقة منذ القدم. ولذلك تبدو عملية ترسيخ الطائفية, التي انتهجها حافظ الأسد, وكأنها تريد أن تلغي هذه التاريخية وفعلها في بناء المجتمع السوري. وقد “عمل المسيحيون في الشرق مع شركائهم من الديانات الأخرى على بناء الحضارة العربية الإسلامية, وحافظوا على تراثها, وأغنوا اللغة, وتقاسموا مع المسلمين القضايا الوطنية الكبرى. بقي المكوّن المسيحي على الرغم من نزف الهجرة المتفاقمة في العقود الأخيرة جزءاً لا يتجزأ من ماضي المنطقة وحاضرها”[8].

مرحلة بشار الأسد والثورة السورية

لم يكن وصول بشار الأسد إلى قمة هرم السلطة في سورية حدثاً طبيعياً. فهذا الوصول أتى على قاعدة لَيّ الأنظمة والقوانين في البلاد, وعلى قاعدة والده حافظ الأسد, الذي بنى دولة ديكتاتورية أمنية بامتياز. فليس من الطبيعي أن يصل بشار الأسد إلى منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة بعد انضمامه إلى سلك الجيش مدة ستة أعوام. وهو أمر قطع الطريق على منافسين محتملين, عبر تعديل المادة المتعلقة بسن رئيس الجمهورية, وهي المادة /83/ من الدستور السوري, التي تنص على أن سن رئيس الجمهورية, ينبغي أن تكون /40/ سنة وما فوق. فأصبحت هذه المادة, تنص على أن الحد الأدنى لسن المرشح لرئاسة الجمهورية هو /34/ عاماً.

ويمكن الرجوع إلى الوراء قليلاً, والقول: إن نظام البعث استخدم المكون المسيحي لمصلحته من أجل فرض سيادته, قاصداً تضليل المجتمع الغربي, بأنه نظام يحمي “الأقلية المسيحية” وباقي الأقليات في البلاد.
إن طرح مفهوم “الأقلية المسيحية” يعني سلخ هذا المكوّن الاجتماعي الطبيعي عن نسيجه الوطني, الذي عاش فيه عبر التاريخ. وهو تكريس لحالة عداءٍ مضمرةٍ بين مفهوم (أقلية واكثرية) بدلاً من تكريس (الجميع سواسية أمام قانون واحد في البلاد). وينبغي تذكّرُ أن المسيحين السوريين, كانوا يشكلون نسبة 15% من الشعب السوري عشية انطلاق الثورة عام 2011.

في وقت يحاول النظام, الذي دمّر أواصر العلاقات, وحياة الاستقرار في البلاد, أن يعطي أرقاماً غير صحيحة عن نسبة المسيحيين الحالية في ظل الصراع العسكري والسياسي المحتدم بينه وبين مكونات الشعب السوري المختلفة. هذه النسبة تقل الآن عن 5% من عدد السكان. فهجرة المسيحيين السوريين ازدادت كثيراً, وهو ما ينفي ادعاءه بأنه يحمي المسيحيين السوريين.

إن تدخل النظام الأسدي في الشأن المسيحي ظهر عبر تدخله في تعيين الأساقفة، ورجال الدين من بقية الديانات (المسيحية والإسلامية). فالتعيينات تتم بموجب موافقة السلطات الأمنية، وأجهزة المخابرات. وبهذا تحول الأساقفة ورجال الكهنوت المسيحي إلى مجرد موظفين إداريين. وانعكس ذلك على حياة المتدينين الروحية، وانعكس على اهتمام رجال الدين بقضايا الناس. وحين انفجرت الثورة السورية عام 2011, شارك رهط كبير من الشباب المسيحي في المظاهرات السلمية. لكنهم لم يتلقوا أيّ دعمٍ من رجال الدين لديهم.. فالنظام كان لا يحتمل وجود أي صوت يدعو إلى الحوار, وتغليب مصلحة الوطن والمواطنة, وخير دليل على ذلك ما جرى للأب باولو داليوليو اليسوعي[9] وهو الكاهن الإيطالي الأصل الذي أسس دير مار موسى الحبشي في سورية. وقد اختطف في 29تموز/يوليو 2013 في مدينة الرقة.

لقد كان موقف المسيحيين السوريين متبايناً من الثورة السورية, ولعلّ اندفاع مجموعات من الشباب المسيحي إلى المشاركة في المظاهرات السلمية خلال المرحلة الأولى من الثورة كانت غايتها التحرر من الاستبداد والدكتاتورية, والدفع بعربة مكونات المجتمع السوري إلى اتخاذ طريق واحدة, هي طريق بناء الدولة السورية الحديثة, التي تقوم على أسس ديمقراطية, يكون الجميع فيها مواطنين على قدر واحد من المساواة أمام القانون الواحد. ويمكن القول: “إن قطاعاً من المسيحيين، من ضمنهم جُلُّ قيادات الكنائس السورية، يدعمون نظام الأسد بسبب تشابك مصالحهم السياسية والاقتصادية مع رموزه, كما يدعمه آخرون باعتباره الضمانة لأمن المسيحيين في سورية”[10].

ولعلّ هذه الحالة تتضح بصورة جليّة عند الطائفة الأرمنية. فالأرمن الذين تعرضوا لمذابح في مطلع القرن العشرين لم تغب عن ذاكرتهم الجمعية تلك المذابح, التي يقولون إن النظام العثماني قام بها ضدهم. وهذا ما دفعهم إلى الوقوف ضد الثورة السورية نتيجةً لطابعها الإسلامي المسلّح, ونتيجة دعم الأتراك لها.

إن موقف الشباب المسيحي من الثورة السورية بعد عسكرتها, وبعد صعود التيارات الإسلامية للهيمنة عليها, جعل موقف هؤلاء الشباب المسيحي في حالة تراجع حقيقية عن مناصرة هذه العسكرة والأسلمة. ولم يكن لدى هؤلاء الشباب أو ممن يتفق معهم من باقي المكونات السورية أية إمكانية للمحافظة على الثورة ووطنيتها الحقيقية. ولكنهم لم يتخلّوا فعلياً عن دعم الثورة باعتبارها تريد بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية. ولهذا ذهبوا إلى التعبير عن موقفهم المؤيد للتغيير في البلاد عبر قيامهم بأدوار تتعلق بالمساعدات الإنسانية والدور الإعلامي.

وقد كان مثل هذا النشاط واضحاً في حيّ دمشقي: “ففي حي باب توما المسيحي في العاصمة دمشق, نشطت مجموعة من الشباب والشابات المسيحيين في توزيع البيانات والملصقات, لحشد الدعم لمطالب الثورة, ولمواجهة الخطاب الإعلامي الرسمي, الذي سعى إلى بثّ الخوف في نفوس المسيحيين. ورفَض هؤلاء الشباب خطاب القيادات الكنسية المؤيد للنظام”[11].

إن نظام بشار الأسد كان يسعى لتقديم نفسه للغرب على أنه حامي الأقليات الدينية والعرقية في سورية. لذلك عمل على التقرب من هذا المكون السوري, لاستخدامه لاحقاً كورقةٍ رابحة أمام الغرب, ولإظهار نفسه على أنه يحارب التطرّف والإرهاب ولا سيما الديني منه.

موقف المسيحيين بعد عسكرة الثورة وأسلمتها

لكن الحقيقة يجب أن تقال في هذا الاتجاه, فأسلمة الثورة، ودفعها إلى انتهاج صراع مسلح مع النظام الأسدي, قلّص مؤقتاّ مساحة التشارك المسيحي/الإسلامي. فالمسيحيون كمكوّن سوري كانوا في غالبيتهم يريدون بناء قاعدة توافُق وطني لجميع السوريين. هذه القاعدة لن تأتي, ولن تتشكل في ظل مربعات طائفية دينية أو قومية. ولعلّ هذه الرؤية تعكس حقيقة درجة التطوّر الفكري المرتكز على تطوّر مادي تاريخي, أي تطوّر مادي في بنية وتكوين الفئات الاجتماعية, التي تشكل رافعةً حقيقية لاندماج الحياة عن طريق إتاحة سبل التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وفق هذا التطوّر الذي كان موجوداً لفترةٍ قصيرة في مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين في سورية, حيث كانت البلاد تنتهج نظاماً ديمقراطياً ذا طبيعة ليبرالية, لا يزال هو الأنموذج الأقرب إلى الذاكرة الجمعية المسيحية خصوصاً, وسورية عموماً. ولهذا يمكن فهم الإحجام المسيحي العام عن دعم طرفي الصراع المسلح في سورية (النظام+المعارضة المسلحة). “إن مخاوف مسيحيي سورية أخذت منحيين, الأول خوف من الدكتاتورية اللادينية, والثاني هو خوف من التطرف المتمثل بجماعات دينية متشددة. وأن الدكتاتورية والتطرف وجهان لعملة واحدة بالنسبة للسوريين على اختلاف طوائفهم, وأن مخاوف المسيحيين من الجماعات الإسلامية المتطرفة مبررة, كون المخاوف نفسها موجودة لدى المسلمين المعتدلين, ولدى جميع أطياف السوريين”[12].

أما المكوّن المسيحي الآشوري الذي يستوطّن في منطقة شمال شرق سورية( الجزيرة أو محافظة الحسكة) فقد وجد نفسه أمام قوتين مسلحتين هو الطرف الأضعف أمامهما, لذلك انقسم الموقف الآشوري إلى قسمين أحدهما كان أقرب في الموقف من نظام الأسد, والثاني أقرب إلى الإدارة الذاتية الكردية. لكن فكرة الرحيل عن البلاد كانت فكرة مطروحة لدى فئات واسعة من مسيحيي سورية. وقد نشأت الفكرة على أرضية طبيعة الصراع الجاري في البلاد, ومحاولة النظام تصويره حرباً على الإرهاب, في وقتٍ وجد فيه المسيحيون أن هذا الصراع هو صراع سياسي طائفي بامتياز.

إن حالة التصوّر الفكري والسياسي هذه لدى المكوّن المسيحي, عززتها المعارضة بغياب دورها الفكري والسياسي الفاعل والإيجابي. فلو كانت المعارضة على ارتباط جذري ببرنامج وطني ديمقراطي, كانت أتاحت مساحات لتشغلها بقية المكونات الدينية والطائفية والإثنية السورية. وكانت تعمل على تنفيذ هذا البرنامج الوطني الديمقراطي, الذي أخذ أشكالاً أخرى. فهذه الرؤية تعمل على تفكيك بنى المؤسسات الدينية لكل الفئات, لأنها مؤسسات توافقت مصالحها مع مصالح النظام السياسي في البلاد. وفي الوقت نفسه كانت تتيح وفق آليات العمل الجديدة أن يختار كل مكون أو طائفة قيادته الدينية بطريقة ديمقراطية تخدم اندماجه الوطني, وتكون قيادة روحية، وليست سياسية أو اقتصادية.

لهذا فإن تغييب النظام البعثي بكل مراحله للحياة السياسية العامة في سورية, أضعف فعلياً الحركات السياسية ذات الطابع الوطني والعلماني وفتح الباب للقوى والتمثيلات السياسية ما قبل الوطنية كـ “الطائفية, والقبلية, والدينية..” ويمكن القول:

“إن إضعاف الحركات العلمانية, والتخلي عن التجارب الديمقراطية, وفشل محاولات التنمية الاجتماعية والاقتصادية, زاد في وجود الحركات التكفيرية المتطرفة, ما أخاف المسيحيين في سورية كما مجمل المواطنين”[13].

ورغم ذلك لن يبقى المكوّن المسيحي على الصعيد السياسي بعيداً عن مجريات الصراع الجاري في البلاد منذ عام 2011م. “فقد انخرط بعض المسيحيين في صفوف الانتفاضة، وهناك من كان من أعمدتها وعلى رأسهم المفكر ميشيل كيلو الذي لم يقدم نفسه يوماً على أساس مسيحي إنما على أساس وطني”[14].

دوافع هجرة المسيحيين إلى خارج سورية

تُعد مرحلة استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي مرحلة استقرار وازدهار للبلاد, وقد شمل هذا الازدهار والاستقرار المكون المسيحي السوري. إذ توقفت خلال هذه المرحلة المحدودة هجرة هذا المكون إلى خارج البلاد. ولكن يمكن تلمّس بقاء مفهوم “أقليّة” و”أكثريّة” لدى المكونات السورية الدينية والطائفية والقومية خارج مكوّن “السُنّة” الغالب..

هذا المفهوم تحوّل إلى اعتقاد تعيشه غالبية المكونات, وهو اعتقاد زرعته القوى الاستعمارية الغربية وروّجت له دولها الكبرى في القرن التاسع عشر, وكانت غايتها اختراق هذه المجتمعات عبر هذه البوابة, بغرض إلحاقها بمشاريعها الاستعمارية, سواءً كانت بأذرع عسكرية أو أذرع اقتصادية أو أذرع دينية. إذاً الاعتقاد المتشكّل لدى المكونات السورية حول مفهوم “أقلية” وأكثرية” ساهم فعلياً في بقاء الرابطة الوطنية الوليدة ضعيفةً. إذ يمكن القول إن الدول الخارجة من الاحتلال لم تستطع أن تشكّل دولها الوطنيةً بالمعنى الحقيقي والمعاصر. فظهرت هذه الدول وكأنها وعاء تجمّعي لمكونات لم تنشأ بينها روابط المواطنة الحقيقية, التي تتقدم على كل الروابط الأخرى بهذه المكونات.

لذلك لعبت درجة التطوّر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المتدنيّة دوراً في بقاء هذه الحالة المعيقة للاندماج الوطني واستمرارها. وفاقم الإسلام السياسي هذا الدور وأزَّمه ما ساهم في تفكيك بدايات الروابط الوطنية بين المكونات. فالإسلام السياسي له مشروعه السياسي والفكري والثقافي الذي يقوم على اعتبار الآخر مشمولاً بحمايته السياسية مقابل ولاء وثمن مادي مدفوع يسمى “الجزية”.

لكنّ النخب السياسية القادمة إلى السلطة عبر مؤسسة الجيش كانت فعلاً تمثّل قاعاً اجتماعياً ذا طبيعة زراعية ريفية, هذه الطبيعة الزراعية لنمط الإنتاج السائد بصورته المذكورة, لا يستطيعُ خلق وعي وطني متماسك. لأنه يقوم على وعي مبني على مفهوم “الحيازة الزراعية الصغيرة”.

إذاً قام نظام البعث على هذه الرؤية, ولذلك لم يكن لديه مشروع سياسي يتعلق بتنمية اقتصادية وسياسية وثقافية شاملة. ولذلك تهددت مصالح المكوِّن المسيحي, الذي كان في مراحل متتالية يقوم على أساس النشاط الاقتصادي والتجاري والصناعي الحر. وكذلك على الإنتاج الزراعي الكبير. ومع ذلك يمكن ذكر أنَّ استبداد نظام البعث عموماً أدّى إلى تناقص عدد المسيحيين بسبب الاستبداد السياسي لنظامٍ يوصف بالعلماني, حتى بات المسيحيون السوريون، ومنذ عقودٍ طويلة, من أكثر مسيحيي الشرق الأوسط هجرةً”[15].

ولكن أسباب الهجرة الحقيقة للمكون المسيحي السوري لا يمكن ردّها إلى الأسباب الأمنية فحسب. فالأمور قبل 15/3/2011 وتحديداً بعد انتهاء الصراع بين النظام والإخوان المسلمين, التي انتهت لمصلحة نظام حافظ الأسد, لم تكن لمصلحة المكون المسيحي. إذ جرى في هذه المرحلة تركيز على النشاط الاقتصادي بما يخدم أجندة النظام وأذرعه الأمنية والسياسيّة وتعبيراته الاقتصادية, ولهذا غابت الحقوق عن غالبية السكان السوريين ومنهم المكوِّن المسيحي. فساءت الأوضاع الاقتصادية, واكتشف المسيحيون في البلاد أنهم مهمشون اقتصادياً, إضافة إلى اشتداد القبضة الأمنية لأجهزة مخابرات النظام, وتدخلها بكل أمور الناس اليومية. ولهذا كان ثمة مبرر للهجرة المسيحية عن البلاد في هذه المرحلة, إذ أراد بعضهم تصوير الهجرة بغير الأسباب التي دفعت إليها, ويمكن القول:

إن “هجرة المسيحيين التي جرى اختزالها في انعدام الأمن واستهدافهم من قبل الجماعات المسلحة في بعض المناطق, تدلّ على تغاضي رؤساء الكنائس المتعمّد عن الأسباب الأكثر تأثيراً وتأصلاً, ولم يجرِ علاجها, وأهمها سوء الأوضاع الاقتصادية, وانتشار الفساد, وحالة التهميش التي يعيشها المسيحيون وغيرهم, وتغييبهم عن المشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي في بلد تغيب فيه حقوق المواطنين وضمانات القانون”[16].

إن هجرة المكون المسيحي السوري تقف وراءها دائماً شروط سياسية واقتصادية، وهذا المكون التاريخي لم يكن يوماً على خلافٍ مع شركائه من المكونات السورية الأخرى. ولذلك بقيت العلاقة بين المكوّن الإسلامي والمكون المسيحي ثابتةً عموماً. وهذا يتضح من خلال أنه و”برغم تطييف الحرب في سورية دينياً، ظلّت العلاقات الإسلامية المسيحية عصيّةً على الاهتزاز”[17].

وينبغي الاعتراف بأن العلاقة بين المكوِّن المسيحي وشروط الواقع السياسية واستمرار الصراع في سورية هي علاقة لا تخدم عملية اندماج هذا المكوّن الوطني عموماً، ولا تخدم عملية بناء علاقات مواطنة متساوية للجميع. فبالإمكان معرفة واقع الحال في سورية وتلمسه، سيما وأن النظام أدخل ميليشيات طائفية غير سورية إلى البلاد لغاية تثبيت حكمه. وهذا ما جعل من الأحياء المسيحية في دمشق وحلب وحمص أحياءً بدأت تفقد هويتها الثقافية، وطابعها الاجتماعي “فلم يعد باب توما حيّاً مسيحياً، بل هو (مستباح أخلاقياً) لميليشيا جيش الدفاع الوطني، تحرسه ميليشيات إيرانية وعراقية ولبنانية شيعية، وأن صور زعيم ما يسمّى “حزب الله” وأعلامه الصفراء تحتلّ جدران الحي إلى جانب صور القديسين والرموز المسيحية”[18].

وظهرت أصوات مسيحية داخلية وخارجية تحذّر من التغيير الديمغرافي في هذا البلد. فسورية، وعبر تاريخها حافظت على طابعها الاجتماعي المتسم بالتعايش والتعاون بين مكوناتها المختلفة. إذ إن هجرة المسيحيين وتناقص نسبتهم في البلاد تدّل على أن نظام الأسد ليس جاداً ولا صادقاً في أنه نصيرٌ للأقليات وحامٍ لها. فكيف يكون هذا النظام نصيراً للمسيحيين ونسبة هذا المكوّن أو غيره من المكونات تخضع للتهجير الممنهج، وهذا التهجير يقوّض أساساً ادعاءات نظام الأسد بهذه الحماية. وقالت منظمة “سوريون مسيحيون من أجل السلام”: “إنّ التجاهل لقيم المناطق ذات الأغلبية السكانية المسيحية في دمشق وأخلاقياتها متعمَّد، وخصوصاً في منطقة باب توما”[19].

إنّ نظام الأسد يدفع إلى مزيدٍ من تهجير من بقي من المسيحيين السوريين، ودفعهم إلى بيع بيوتهم وأملاكهم في المنطقة القديمة من دمشق التي تحتوي على مقدساتهم أيضاً، كـ: (كنيسة حنانيا)، أو (الكنسية المريمية)، نتيجة تجاهله المتعمّد إلى انتشار الميليشيات المختلفة بين سكان هذه المناطق. ويمكن القول إن نظام الأسد لعب بورقة الطائفية لإجهاض الثورة ضده، والمسيحيون السوريون في هذه الحالة ليسوا في حالة حماية من النظام كما يدعي، بل إنهم مهدّدون، في كلّ لحظةٍ، يرفضون فيها الظلم. لذلك ليس صحيحاً أن يقال: إن المسيحيين السوريين هم استثناء لدى نظام الأسد، وإنّ تعيين وزير دفاعٍ مسيحياً هو العماد أول “داود راجحة” جاء لجهة منح المسيحيين دوراً في حياة البلاد. لكنه في الحقيقة لغاية توريط المسيحيين بدماء باقي المكونات السورية المعارضة للنظام.

إن المكوّن المسيحي تعرّض مثل غالبية الشعب السوري إلى عمليات تهجير داخلية، فهناك قرابة مليون ونصف من المواطنين المسيحيين السوريين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، ومع ذلك يجب رفض المشروع الداعي إلى إفراغ الشرق الأوسط عموماً وسورية خصوصاً من المكوّن المسيحي، فهذه المنطقة المهمة من العالم أخذت وجهها المشرقي والحضاري من خلال تآلف مكوناتها المختلفة وتعايشها ومن ضمنها المكون المسيحي، وقد لعبت دوراً بارزاً في تنمية العلاقة بين الحضارتين العربية والغربية.

أهمية المكوّن المسيحي السوري في ترسيخ المواطنة

مسألة المواطنة كمفهوم سياسي اجتماعي فلسفي يعني بالضرورة مساواة بين أفراد مجتمع ما على مستوى الحقوق والواجبات، في ظل قانون اجتماعي ينظّم العلاقات فيما بينهم، ويحتفظ لهم بحقوقهم دون تمييزٍ إثني أو ديني أو طائفي أو فئوي أو مناطقي. هذه المواطنة تفترض وجود درجة من التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمكونات المجتمع. ونقصد بدرجة التطور طبيعة العلاقات الإنتاجية عموماً في مجالات (الصناعة والزراعة والتجارة والثقافة) التي تنعكس على وعي الناس ومصالحهم العامة. وقد درج مفهوم المواطنة وهو مفهوم معاصر مع بروز الدول القومية التي تقودها أنظمة ليبرالية. ولهذا لا يمكن أن يتسق مفهوم المواطنة مع بقاء الأطر والنماذج ما قبل الوطنية، كالانتماء للطائفة أو لمجموعة دينية مغلقة، أو للعصبيات القومية وغيرها. لذلك يمكن القول:

إن معنى المواطنة يتضح بحقوق متساوية لكلّ الأفراد والمجموعات المختلفة أيديولوجياً أو دينياً أو طائفياً، وهذا لن توفره الأطر ما قبل الوطنية.. إنّ المكونات الاجتماعية السورية هي مكونات متعددة ومختلفة طائفياً ودينياً وإثنياً، وبالتالي فهي بحاجة إلى قاسم مشترك يتوسط فيما بينها. إذ يحتفظ كل مكوّن منها بخصوصيته الثقافية والدينية، ويجتمع بباقي الحقوق والواجبات مع الآخرين على قدم المساواة، وعبر آليةٍ سياسية ينظّمها دستور البلاد المتوافق عليه. وهنا نستطيع القول:

إن المسيحيين السوريين هم جماعة بشرية لا تجانس بين مكوناتها الداخلية على الصعيد الاجتماعي، أو السياسي أو المذهبي، ولكنهم يتجانسون في طموحهم لبناء دولةٍ وطنية ديمقراطية. فمثل هذه الدولة تلغي الفروق بين المكونات الاجتماعية، وتمنح الجميع فرصاً متساويةً في الاقتصاد والثقافة والسياسة.

إنّ المكون المسيحي مثله مثل باقي المكونات على صعيد الموقف من النظام والصراع في سورية. فلقد “انقسم المسيحيون إلى ثلاث فئات، فئة أولى تقف قلباً وقالباً مع النظام، ومع الأسد حتى النهاية، وهي قليلة في الشارع المسيحي. وفئة ثانية تدعم الثورة بشكل علني وواضح، وهي فئة قليلة أيضاً. أما الفئة الثالثة، فيمكن تسميتها الفئة الراكدة، ولها رأي واضح من قيم الثورة السورية (الديمقراطية والحرية والعدالة والإصلاح والتمدن ونهاية الفساد[20].

كذلك فإن المكوِّن المسيحي في سورية يدفع باتجاه دولة مواطنة حقيقية، فمثل هذه الدولة التي تحكمها قوانين لا شرائع سماوية هي من يحدّد الحقوق والواجبات، وهي التي تتحقق بالنضالات السلمية دون اللجوء إلى العنف والحرب. ولكن يمكن القول: إن المواطنة في الدولة السورية قبل تفجّر الصراع السياسي والعسكري فيها هي غير ناجزةٍ. بل هي معطلة بنظام الاستبداد، ومع ذلك يبقى مفهوم المواطنة فضفاضاً، ويحتاج إلى تعريف واضح ومحدد.

إن مصلحة المكونات الاجتماعية السورية كلها تقوم على قاعدة خلق التقاطعات في العيش المشترك في ظلّ دولةٍ علمانية ديمقراطية. وهذا الأمر نادى به مؤتمر “حاضر المسيحيين في سورية ومستقبلهم” وقد جاء في بيان المؤتمر “إلّا أن إجماع المشاركين ذهب باعتماد مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية التعددية. دولة المواطنة المتساوية. دولة المؤسسات والقانون التي تكفل منظومة الحقوق والواجبات المتساوية لجميع أبنائها. وتضمن مشاركتهم في صنع حاضرهم ومستقبلهم”[21].

هذه الدولة المنشودة لا يمكن أن تقوم بإنجاز كيانها قوى ما قبل وطنية. بل تدفع إليها القوى الاجتماعية ذات الصلة التاريخية (اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً). بحيث تتوفر شروط واقعية ومادية ملموسة للدفع بهذا الاتجاه.

إنّ بحث المسيحيين عن هوية وطنية، وقناعاتهم بضرورة توفر هذه الهوية الوطنية كان يعتمد أساساً على حاجتهم لها. وهي هوية تحقق مفهوم المواطنة السورية، إذ تساعدهم على تعريف موقعهم وعلى مواقع المكونات الوطنية الأخرى في صيرورة التطور التاريخي للمجتمع السوري.

“إنّ عدم تطور سورية إلى دولةٍ ديمقراطيةٍ حديثة له أسباب تاريخية واجتماعية واقتصادية ودينية كانت تعيق مثل هذا التطور. من هذه الأسباب ركاكة البنية التجارية للمدينة في عصر اندماج السوق السورية بالسوق العالمية في القرن /19/. وغلبة مالكي الأرض على الحياة الاقتصادية ودور رجال الدين وبينهم كثير من مالكي الأرض والتجار”[22].

هذه التركيبة الاجتماعية الاقتصادية هي ما أعاق بالمعنى التاريخي طريق تطور الدولة السورية الحديثة. وبالتالي هي ما أفسح في المجال للجيش والقوات المسلحة كي يملأا الفراغ السياسي والاقتصادي لاحقاً. هذه التركيبة الاجتماعية لا تزال لها أذرع في البنيان الاجتماعي السوري. وباعتبار أن الواقع السوري لم يمنح دوراً تاريخياً لهذه الطبقة التجارية والصناعية السورية (التي لم تستطع أن تلعب دور البرجوازية الوطنية) في الدفع باتجاه دولة المواطنة، على اعتبار أنها شريكة اقتصادية وسياسية لنظام الاستبداد. وبالتالي يمكننا القول:

إن هذه الفئات ليست الجهة التي تنهض بالتنمية الشاملة للبلاد. إنّ دولة المواطنة الجديدة التي يمكن أن تتقاطع مع ازدهار المكون الاجتماعي المسيحي السوري هي دولة يجب أن تتسم بصفة الدولة الديمقراطية وفق رؤية بسام اسحق رئيس المجلس السرياني السوري ” فالمسيحيون بتوجهاتهم العلمانية الداعية لدولة مدنية ديمقراطية تنضوي تحت خيمة الشرائع  الدولية دون مواربة”[23].

خاتمة

يمكننا القول في نهاية هذا البحث:

إنّ مسيحيي سورية جزءٌ لا يتجزأ من البنية المجتمعية التاريخية في البلاد. وهم مكون أضاف إلى الحضارة السورية ذات الطابع العربي الإسلامي غنى ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً. ورغم التحولات والتطورات المختلفة التي طرأت على البنى السياسية الحاكمة لهذا المجتمع،  تبقى المسيحية ديانةً ولدت في هذه المنطقة ومن حاجاتها الروحية والاجتماعية، وبالتالي تشكّل جزءاً حقيقياً من إرثها الفكري والديني، وإن محاولات تهجير المسيحيين عن هذه البلاد هي محاولات لتعطيل عمل الروافع التاريخية لعجلة تطور المجتمع السوري، وتطور مكوناته الذاهبة إلى مجتمع المواطنة المتساوية المتآلف المتعايش عبر تاريخه وحاضره ومستقبله.

المراجع

[1]https://harmoon.org/archives-15629 في اشكالية الهوية السورية الملتبسة- عمار ديوب

[2]https://www.aljumhuriya.net/content مسيحيو سورية 15 أيلول 2017 أوراق عبدو أمين – إياد العبد الله

[3]https://washigtoninstitute.org/ar/fikraform/view/syrias-chrifains-a-personal-story-of-a-stolen-legacy  المسيحيون في سورية قصة شخصية عن افرث المسلوب لميس خليلوفا

[4]jusoor.co/details/474 صناعة هوية سورية 21/1/2019 باسل وطفة

[5]www.siyassa.org.eg/news/2510.aspx أوضاع المسيحيين العرب والصعود الاسلامي بعد الثورات

[6]https://alarab.co.uk السوري فارس الخوري المسيحي الوطني ورجل الدولة والسياسة مفيد نجم 16/آذار/2014

[7]https://www.orthodoxlegacy.org/?p=916 المطران ملاتيوس صويتي 5/8/2012 الياس جرجي خباز

[8]https://www.almesbar.net191 المسيحيون في الشرق 26/9/2014

[9]https://www.almodon.com/arabworld الأب باولو على قيد الحياة 8/2/2019

[10]https://carnegie-mec.org/ar-pub-63425 المسيحيون والثورة في سورية 25/4/2016 جورج فهمي

[11]– المصدر السابق

[12]https://www.enabbaladi.met/archives/195068 من يخنق أجراس المسيحيين في سورية رهام أسعد 31/12/2017 الجريدة المطبوعة رقم 306

[13]https://www.youm3.com/options/389 المصالحة الوطنية السورية والدور المسيحي  ميرنا داود 8/8/2018

[14]https://www.aljazeera.net/news/presstour مسيحيو سورية ونظام الأسد 28/9/2011

[15]https://www.alaraby.co.uk/society/8-6 المسيحيون السوريون من الهجرة الطوعية إلى التهجير زهير هواري

[16]https://www.alaraby.co.uk ما مصير المسيحيين في سورية ما بعد الحرب 3/9/2018 هوازن خداج

[17]www.almayadeen.net/episodes/922755 حوار الساعة  باسل قس نصرالله مستشار مفتي سورية 6/12/2018

[18]https://aawsat.com/home/article/751551 مسيحيو سورية يحذّرون من تهجيرهم خارج دمشق القديمة 3 أكتوبر 2016 رقم العدد 13824

[19]– المصدر السابق

[20]https://www.aljumhuriya.net/content مسيحيو سورية 15 أيلول 2017 أوراق عبدو أمين – إياد العبدالله

[21]https://www.alwakeenews.com/section_1/90810 مؤتمر حاضر المسيحيين في سورية ومستقبلهم 26/3/2014

[22]www.france24.com/ar/20130211 أعيان الشام حالوا دون تحول سورية إلى دولة علمانية ديمقراطية

[23]https://arabi21.com/story/894659 مسيحيو سورية بين الفيدرالية وثنائية النظام والتنظيم حسين الزعبي 15 آذار/مارس 2016

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

اترك رد