( و خَلْفَ التصعيد العسكريّ على إدلب حربٌ خفيّة )


• د. محمد عادل شوك: ( الأيام السورية )

لقد باتَ السوريون يحملون أعباء تدخل قوى إقليمية و دولية كثيرة تضع مصالحها فوق مصالحهم، و أقحمتهم في حالةٍ من الاصطفافات الداخلية والخارجية، فعقّدت المشهد أكثر فأكثر.
فتركيا في سياستها المعتمدة في سورية منذ عام 2012، عانت من المواقف المتناقضة والقرارات المتباعدة، سواء في رسم الخطوط الحُمر للنظام، أو في تبنّي مواقف الفصائل، أو التدخّل العسكريّ لملء الفراغ في المناطق الحدودية، أو موضوع ضبط حدودها لمنع تدفّق العناصر الوافدة، التي تبيّن لاحقًا أنّ نسبة منهم تحمل مشاريع و أجندات شكّلت خرقًا في جدار الثورة.
و هو الأمر الذي تبيّن في تدخّلها في منطقتي درع الفرات و غصن الزيتون، بطريقة مغايرة لتدخّلها في إدلب، حيث كان عسكريًا فيهما، و استخباراتيًا فيها؛ الأمر الذي منحهما استقرارًا نسبيًا، تجلّى بحجم المشاريع التركية التنموية المقدمة لهما، في الوقت الذي تشكو إدلب من إهمال واضح.
صحيح أنّها تعاني في إدلب، و لكن ليس من قدرتها على بسط سيطرتها، بل من محاولات إحراجها باسم الحرب على الإرهاب و الجماعات المتطرّفة و من يدعمهم؛ كونها على علاقة مع تلك الجماعات الموجودة في إدلب، و في المقدمة منها هيئة تحرير الشام، التي تمسك بزمام الأمور فيها بشكل شبه كامل منذ مطلع 2019، من غير أن يكلف الآخرون أنفسهم في البحث عن علاقات الأطراف الأخرى مع تلك الجماعات، عبر الأشخاص الذين قدموا إلى سورية ليكونوا صلة الوصل مع أجهزة مخابرات بلدانهم، على الرغم من حالة النكران التي يصرّون على الظهور بها، بأنّ روابط الدين و العقيدة و الحمية هي التي أتتْ بهم لنصرة إخوانهم السوريين.
فما يجري في إدلب تحدٍّ واضحٌ لسياسة أنقرة ومصالحها هناك، وهو حلقة من المواجهة بينها و بين مناكفيها، و هو جزء من تصعيد إقليمي أوسع بين تلك الأطراف، و هو يخدم مصالحها بغض النظر عن مصلحة السوريين، و ينتظر أن يمنح تركيا في حال استمرت وتيرة الانتصارات لفصائل الثورة في جبهات إدلب و حماة و اللاذقية كثيرًا من الفرص والنفوذ، وعليه فإنّ تركيا تتحرّك على هذا الأساس.
لقد أشار إلى هذا عددٌ من المراقبين، ولاسيّما الأتراك، فكتبوا عن حجم التدخّلات الخارجية في ملف إدلب، لدرجة وَصْفِه بالحرب الحقيقية التي تدور في الخفاء.
ففي مقال له في صحيفة ” مِلّليت “، كتب ” تونجا بنغن ” مقالًا أشار فيه إلى الدور الذي تقوم به أجهزة الاستخبارات، المتعددة الجنسيات، المتموضعة في إدلب.
فللتوتر المتصاعد فيها ـ حسب رأيه ـ سببان، أولهما ظاهر والآخر خفي، فالسبب الأول: هو رغبة روسيا و النظام في تنفيذ عملية عسكرية تجاه الفصائل. و الثاني: هو مناورات أجهزة الاستخبارات، ومنها: CIA، و الموساد، و البريطانية، و الفرنسية، و الألمانية، و الخليجية، فضلًا على السورية، التي تقيم علاقات مع تلك التنظيمات.
لهذا أخذت تركيا على عاتقها مهمة شديدة الصعوبة في إدلب، على الصعد الدبلوماسية و العسكرية و الاستخباراتية، و على الأخص عند الأخذ في الاعتبار أن أيًّا من تلك الأطراف لا يؤيد الحل السلمي.
لهذا توجد إشارات استفهام حول كيفية خفض التوتر في إدلب، أو مدى ثباته في حال خفضه، وعلاوة على ذلك فإنّه من الوارد أن تحيك تلك الأجهزة الاستخباراتية، و على رأسها CIA، و الموساد مؤامرات قذرة في المنطقة.
يقول الجنرال المتقاعد إسماعيل حقي بيكين، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في الأركان التركية:
” إنّ الاستخبارات الأمريكية، و الأوروبية، و استخبارات بلدان المنطقة تستخدم التنظيمات في إدلب، و تسعى للربط بين تركيا والعناصر الراديكالية فيها؛ من أجل اتهام تركيا بدعم تلك التنظيمات الراديكالية، والتعاون معها، تمهيدًا للإعلان عن ذلك من الساسة الأمريكيين و الأوروبيين، إذْ من المتوقّع أن يقوموا بهذه الخطوة في وقت حرج لتركيا.
فبينما هي منشغلة بمعالجة مشكلة خطيرة كشرق المتوسط وقبرص، ستضطر للتعامل مع المشاكل التي تثيرها الأجهزة الاستخباراتية في إدلب، وتوجيه قوة أكبر إلى هناك، وقد تجبر على دخول القتال فجأة.
فقد ترغم روسيا على تنفيذ عملية عسكرية في المنطقة، في مسعى لإفساد ذات بينها مع أنقرة؛ الأمر الذي قد يتسبّب بتدهور العلاقات التركية ـ الروسية، و ناهيك عن العلاقة مع الغرب.
إنّ إدلب تشهد حربًا بين الأجهزة الاستخباراتية بكل معنى الكلمة، فجهاز الاستخبارات التركية Mit، لديه شبكة كبيرة من العناصر البشرية، و بواسطتها يزعم أنّه يسيطر على المنطقة.
فجميع أجهزة الاستخبارات، بما فيها التركي، على ارتباط مع بعضها، فهي تتواصل وتتبادل المعلومات فيما بينها، في الوقت الذي يسعى البعض منها للإيقاع بالآخرين.
فقد تجد جهاز استخبارات ما مع آخر من جهة، و يدفع به لفعل شيء ما من جهة أخرى، فالمنطقة ساحة صراع.
بطبيعة الحال هناك ما ينقص الاستخبارات التركية بالمقارنة مع CIA، لكنها تخوض هذه الحرب بشكل ممتاز من خلال عناصر الاستخبارات البشرية، و في الحقيقة إن هذه الحرب ستستعر أكثرَ مع مرور الوقت”.

اترك رد