نيجيرفان البارزاني وهذه التحديات

خورشيد دلي

يوصف نيجيرفان البارزاني بأنه سياسي واقعي هادئ، وبابتعاده عن الشعارات القومية الرنانة، واعتماد الحوار خياراً وحيداً لحل القضايا الخلافية مع بغداد، ولعل هذه الصفات، إلى جانب مسيرته الحزبية، ومكانته العائلية والعشائرية، أوصلته إلى موقع رئاسة إقليم كردستان العراق، من دون منافس حقيقي، بعد أن ظل هذا الموقع حكراً على عمه مسعود البارزاني. وكان المأمول من انتخاب نيجيرفان رئيساً للإقليم، للمرة الأولى من داخل البرلمان، البدء بمرحلة سياسية جديدة، قائمة على توافق سياسي بعيد عن المحاصصة الحزبية القديمة (بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني)، وإطلاق عملية إصلاح واسعة، تشمل الجوانب الدستورية والقانونية في الإقليم، لكن مقاطعة الاتحاد الوطني وأحزاب أخرى جلسة انتخاب نيجيرفان، ومن ثم تلويح الاتحاد بورقة العودة إلى نظام الإدارتين في السليمانية وأربيل، وتأكيده وضع شرعية رئاسة نيجيرفان الإقليم على الطاولة، فضلاً عن تمسّكه بالعودة إلى الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبين لتقاسم المناصب والمسؤوليات.. كل هذه الأمور وغيرها تدفعنا إلى الاعتقاد بصعوبة احتواء خلافات الوضع الداخلي في المرحلة المنظورة، لا سيما أن الديمقراطي الكردستاني يرفض مطلب الاتحاد بالعودة إلى الاتفاق الاستراتيجي، ولعل ما يعمّق من نار الخلاف بينهما أكثر أن الديمقراطي بات يسيطر على الرئاسات الثلاث (الإقليم – البرلمان – الحكومة بعد ترشيح مسرور البارزاني لرئاستها)، في وقت يرى الاتحاد أن الديمقراطي لم يعد يقبله شريكاً استراتيجياً في الحكم والسلطة والثروات، وأنه يريد الاستفراد بكل ما سبق. وعليه، بات خيار العودة إلى نظام الإدارتين، كما كان قبل الاحتلال الأميركي 

“ما يعمّق من نار الخلاف بين الحزبين الكرديين الكبيرين أن الديمقراطي بات يسيطر على الرئاسات الثلاث (الإقليم، والبرلمان، والحكومة بعد ترشيح مسرور البارزاني لرئاستها)”

للعراق عام 2003، يهمين على خطابه، ما يعني أن كل إدارة سيكون لها برلمانها وحكومتها وقواتها العسكرية والأمنية الخاصة، إن سارت الأمور بهذا الاتجاه.  تعهد نيجيرفان، في بيانه الأول عقب فوزه برئاسة الإقليم، بأن رئاسة الإقليم ستكون مظلةً لوحدة الأطراف السياسية والمكونات الدينية والقومية في كردستان. ولكن كيف السبيل إلى ذلك، في ظل هذه الانقسامات المتجذّرة في الساحة الكردية؟ وفي ظل اختلاف المواقف من قضايا سياسية محلية وإقليمية كثيرة؟ وكان مسعود البارزاني قد اتهم مراراً قيادات فاعلة في الاتحاد الوطني الكردستاني بالخيانة في قضية خسارة كركوك، وعقد صفقة مع “الحشد الشعبي” والحكومة العراقية برعاية قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وفي الأساس اتهامات الديمقراطي للاتحاد الوطني بالعمل لصالح الأجندة الإيرانية، في مقابل اتهامات الاتحاد للديمقراطي بالعمل وفق الأجندة التركية قديمة ولم تتوقف، ووصلت، في أحيان كثيرة، إلى صداماتٍ دموية، راح ضحيتها آلاف من الطرفين، فضلاً عن تداعياتٍ على الساحات الكردية الأخرى، لا سيما في سورية، حيث يبدي الاتحاد دعماً وتعاوناً وتنسيقاً مع الإدارة الذاتية هناك، فيما علاقات الأخيرة يشوبها التوتر مع الديمقراطي، على خلفية الصراع بين الأخير وحزب العمال الكردستاني.
تعقيدات الساحة الكردستانية كثيرة ومتداخلة، على خلفية الصراعات والتحالفات الداخلية والعلاقات والمصالح مع الدول الإقليمية. وفي هذا السياق، تسجّل لنيجيرفان الذي كان أول رئيس لحكومة موحدة عام 2006 قدرة التحرّك على مساحات الخلاف، لصالح بعث دينامية العمل المشترك في الإقليم، إذ شهدت مؤسسات الإقليم، في عهد حكومته الأولى، تطوراً كبيراً في هذا المجال، وصل إلى حد دمج المؤسسة العسكرية (البشمركة). وفي الأساس، يقال إن لنيجيرفان جناحين: السليمانية على اعتبار أن والدته منها، والعائلة البارزانية التي كان لوالده 

“التحدّيات أمام نيجرفان تتعلق بمصير العملية السياسية الجاثمة فوق خلافات السلطة والسياسة والمصالح”

إدريس دور كبير فيها. وفي الحديث عن التجاذب، ليست العائلة نفسها في منأىً عنها، لا سيما بعد صعود نجم مسرور نجل مسعود.
أبعد من تحدي الانقسام الداخلي، يجد نيجيرفان نفسه أمام مسؤولية استحقاق كيفية حل القضايا الخلافية مع بغداد، لا سيما قضية كركوك وميزانية الإقليم، فخطابه الذي اتسم بالاعتدال، نجح في استيعاب تداعيات خسارة كركوك، ومن ثم فك الحصار تدريجياً الذي فرض على الإقليم ومطاراته ومعابره، من دون التوصل إلى حل نهائي لها، حيث تبدي بغداد تصلباً بمواقفها، كما أن علاقات الإقليم مع إيران في امتحانٍ في ظل العقوبات الأميركية على الأخيرة، والتصعيد الجاري بين الطرفين، من دون قدرة الإقليم على اتخاذ موقف حازم أو بعيد عن موقف بغداد. وفي الوقت نفسه، تشكل موازنة العلاقة بين تركيا ووجود معسكرات ومقار لحزب العمال الكردستاني في قنديل (شمال العراق) تحدياً لعلاقة الإقليم بتركيا، في ظل إصرار الأخيرة على القضاء على الوجود العسكري لهذا الحزب هناك.
التحدّيات الماثلة أمام الرئيس الجديد لإقليم كردستان العراق واضحة وكثيرة ومصيرية، وهي تتعلق بمصير العملية السياسية الجاثمة فوق خلافات السلطة والسياسة والمصالح، فهل ستكون واقعيته ومرونته السياسية كافيتين لتجاوز خلافات الماضي، أم أن ذلك أكبر من قدرة سياسي طموح يتطلع إلى النهوض بالإقليم، في ظل كل هذه التحديات؟

العربي الجديد

اترك رد