المعارضة وأزمة الأداء والدور الوطني

بقلم : محمد علي صايغ


لم تكن المعارضة السياسية مهيأة لقيادة الحراك الشعبي السلمي في عام 2011 ، كما لم تكن المعارضة قادرة على ضبط إيقاع هذا الحراك عندما تحول الى العنف والعسكرة واتخذ من العنف المضاد وسيلة لمواجهة عنف السلطة .

وبعد مرور أكثر من ثمانية أعوام على انطلاق الثورة والمخاضات العديدة التي مرت بها  ، فإن ذلك يفرض على المهتمين والمتابعين للشق المقابل للسلطة أي المعارضة الوطنية ، تحليل وتقييم أدائها وآليات عملها وبنيتها وتكوينها ، وصولا إلى السؤال المركزي : لماذا لم تستطع أن تقود عملية التغيير بالرغم من أن الحراك الشعبي قد هيأ لها مناخا مهما في تأطير هذا الحراك وتوجيهه وأن تكون العقل المحرك والمخطط له ؟؟ ثم هل أحزاب المعارضة الوطنية هي بالفعل أحزابا لها وجودها وشعبيتها ؟؟ أم أنها مجرد مجموعات لا تحمل رصيدا ، وتعتاش على تاريخية النشأة الأولى لوجودها ؟؟. ولماذا وصلت الى حالة الضعف والجمود والتفكك ؟؟

وإذا كان للعامل الموضوعي دورا مهما ، ناتجا عن عوامل الاستبداد و القمع والملاحقات وتصحير العمل السياسي والمدني العام  دور وتأثير في وجود الأحزاب وقوى المجتمع المدني وإشكالياته ، فإن للعامل الذاتي دورا في انغلاقها وتكلسها ، سواء في طبيعة بنيتها غير المتجددة أو انغلاق رؤيتها ورؤاها على آليات عمل تقليدية حبست حركتها وحراكها في إطار قوالب تقليدية بدون أن تجري مراجعة نقدية حقيقية لبنائها وبنيانها ، وبدون أن تمارس فعلا تطويريا في هياكلها الحزبية وديناميكيات عملها . وعندما رأى البعض منها ضرورة التغيير في بنيتها وأنظمتها التنظيمية باتجاه التحول الديمقراطي في تركيبتها واختيار مواقعها وقياداتها ديمقراطيا إلا أن هذا التحول بقي في التطبيق العملي شكليا وغير جوهري ، فلم يفرز قيادات شابة جديدة وإنما أخضع العنصر الشبابي لعملية ” فلترة ” دائمة للحيلولة دون الوصول الى مواقع صنع القرار فيها ، ومنع إنتاج مناخا جديدا يحرك تفاعلا جديا للتغيير ، واستمرت القيادات التقليدية تهيمن على مواقعها والتحكم بالقرارات التنظيمية والسياسية فيها .

وكان لسيادة الأيديولوجيا في الأحزاب السياسية أثرها الهائل على البرامج السياسية لها . وبالرغم من أهمية وجود الأيديولوجيا على صعيد الأفراد والقوى ، إلا أنها بطبيعتها تشكل عاملا للفرز والتقسيم بين هذه الأيديولوجيات وحواضنها السياسية ، وتحول هذا الفرز الى حالة من الانغلاق والتعصب واتهام من لا يؤمن بأيديولوجيتها أو من يعمل على تطويرها بأنه عدو أو منشق ، وفي أنماط أكثر تعصبا إلى كافر ، خاصة إذا اتجهت عملية إكساء الأيديولوجيا بنهج التغيير الانقلابي القسري الذي يعمل على الحلول محل السلطة أتوماتيكيا في عملية إقصاء لقوى السلطة والمعارضة الأخرى معا ،  وهذا ما جعل عملية توحيد القوى حتى ذات المرجعية الواحدة في ظل تفوق الأيديولوجيا على السياسة عقبة من عقبات التجمع والتوحد .

هذه الوضعية أنتجت أيضا رؤى سياسية مطابقة لتلك المرجعيات تحكمت بالبناء السياسي وفي آليات إنتاج خطابها ومواقفها ضمن تكويناتها الداخلية فاعتاد خطابها السياسي على مخاطبة السلطة أكثر من مخاطبة الشعب والاقتراب من معاناته الاجتماعية والاقتصادية ، والافتقار الى عناوين وشعارات وبرامج خدمية تستجيب لمعاناتهم وطموحاتهم وتقترب من جموع الناس وعامتهم لا إلى محترفي السياسة ومنظريها ، وإلى القصور والتقصير في إعداد برامج سياسية واقعية للتغيير وحشد الشارع حولها بعملية تأهيل وتثوير تمهد لكسر ثقافة الخوف التي تحولت بالتدريج إلى ثقافة رعب لدى عموم المواطنين  

يضاف إلى ذلك ضعف الوطنية السورية عموما أو عدم تجذرها في عقل ووجدان القوى السياسية ، إذ لا زالت في العمق الباطن لأفرادها وقياداتها تعتمل داخلها النزعات القبلية والطائفية والجهوية … الخ  وتتحكم في طريقة التفكير والسلوك لديها ، في حين أن البعض جنح إلى اعتبار الحلم بالأمة أو القومية بديلا نهائيا عن الوطنية ، متجاهلا أن تقوية الوطنية والشغل على التغيير الوطني الديمقراطي هو الخطوة الضرورية لتحقيق الحلم القومي ، وإن عدم إدراك بعض الأحزاب لأهمية الدور الوطني وأهمية وحدة القوى الوطنية أدى إلى الارتداد في جوهر عملها إلى النزعات القبلية والعشائري وتكريس نهج ما قبل الوطني أو الجنوح إلى مافوق الوطني ذي النزوع القومي . واعتبار الدخول الى التكتلات أو التجمعات الوطنية وسيلة أو تكتيكا سياسيا مؤقتا وليس مشروعا استراتيجيا موحدا  للقوى أو الاحزاب الوطنية الذي يمهد الطريق للعمل القومي والوصول لوحدة القوى القومية .

وإلى جانب كل ذلك فإن غياب العقلية المؤسساتية عن تشكيلات الأحزاب , واعتمادها على رصيدها الرمزي والتاريخي , قد أوقعها في حالة من التكلس في بناها الفكرية والتنظيمية , وجرها إلى حالة من التراخي والسبات , وعدم تجديد قياداتها الهرمة و المتصلبة , وبالتالي العجز على تقديم مشروع اجتماعي اقتصادي ديمقراطي . وفي إطار غياب العقلية المؤسساتية تركز عمل الأحزاب على قيادات سياسية فردية ، أحدث تضخم الأنا لديها إنتاج عملية إقصاء متبادلة ، تقوم على إشاعة أو تعميم مؤهلات قياداتها الملهمة والقائدة ، والخشية او الوهم في حال تغييرها من حدوث فراغ لا أحد يسده ، فاستخدمت تلك القيادات خبرتها وتجربتها الطويلة في منع أي تغيير في الصف الأول لقيادة الأحزاب ، وانشغلت في تهيئة كل الظروف لتثبيت مواقعها .

هذه الوضعية التنظيمية للأحزاب المعارضة أوقعتها في حالة من الانكفاء على ذاتها والانغلاق على مشاكلها الداخلية , والإهمال لدورها في أوساط جماهيرها التي طالما نادت بالالتصاق بها . وحينما اكتشفت الأحزاب المعارضة بعد أن قررت اعتماد التغيير الديمقراطي أنه لا بد من عملية تغيير في بناها الحزبية  وتبني الديمقراطية نهجاً وسلوكاً , فإنها بقيت عاجزة عن ممارستها فعلياً واستمرت تتماهى في بنيتها وممارستها وطبيعة أمراضها مع شكل وبنية السلطة المسيطرة التي تحاربها , وبقيت الزعامات الحزبية ممسكة بالقيادة وممانعةً من وصول دماء جديدة الى رأس الهرم , وتقدمها إلى قواعدها بتاريخها الشخصي ودورها التاريخي في البقاء والاستمرار في قيادة أحزابها .
  وهكذا فقدت الأحزاب المعارضة القدرة على الإنجاز وتقلصت قاعدتها الشعبية والاجتماعية وزادت عزلتها عنها . وترافق ذلك مع غياب نضالات اجتماعية عبر برامج أو مشاريع اجتماعية واقتصادية أو عبر اقتحام منظمات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات ونوادي …. واكتساب خبرات في كيفية الإدارة والحكم التي لا تتطابق فعلياً مع نموذج إدارتها لأحزابها .

يضاف إلى كل ذلك ما أفرزته الأزمة السورية من قوى معارضة خارجية جزء كبير منها تسلق إلى الواجهة السياسية للعمل وفق أجندات خارجية واستثمار الحراك الشعبي في مكاسب مادية على حساب دماء الشعب السوري وتضحياته ، وعلى حساب الوطن السوري ووحدة أرضه .

ولا شك أن التحديات التي تنتظر المعارضة السورية كثيرةً ومعقدةً , وتحتاج منها الى جهود مضاعفة لإثبات دورها وقدرتها على تحمل المسؤولية التاريخية في إنجاز التغيير , وإقامة نظام مدني ديمقراطي تعددي , يكفل الحرية والعدالة والمساواة لكل أبناء الوطن . وفي مقدمة هذه التحديات قدرتها على المراجعة النقدية العميقة في نهجها وآليات عملها ، وإعادة التقييم لمرجعياتها الفكرية والايديولوجية التقليدية والبنى المعرفية النمطية لديها ، وفرز الثابت والمتحول في الفكر والممارسة . والقيام بإعادة الهيكلة لمؤسساتها الحزبية على قواعد ومعايير تتجاوز العشوائية والانتقائية وترسي أسس التخطيط الاستراتيجي في تنفيذ برامجها وأهدافها . وفق قواعد المشاركة وتداول السلطة دوريا وعدم إلغاء الآخر وإقصائه . وإعادة الاعتبار لشعار ” الهجرة الى الجماهير ” وتحويله من شعار نظري إلى تطبيق فعلي بنظرة جديدة تستوعب المتغيرات وتضع البرامج والخطط التنفيذية لتفعيله وحشد الجماهير وتثويرها وشد انتباهها ودفعها للاهتمام بالعمل الوطني العام .

فالمعارضة السورية اليوم أمام اختبار واختيار مصيري يرسم ملامح وطن المستقبل . خاصة في ظل الاحتلالات المتعددة على الأرض السورية ، واختراق الكيان الصهيوني سمائها بغارات متلاحقة ، تضع الجميع أمام مرحلة تحرر وطني بكل أبعادها  , وتتطلب اتفاق المعارضة على مشتركات وأولويات للعمل عليها , وإنهاء حالة الاستقطاب والتجاذب غير المبررة . وصولا الى تجمع وطني ديمقراطي يدفع ويناضل للتحول السياسي الديمقراطي ، ويساهم في رسم مستقبل جديد لبلدنا .

اترك رد