مجانين موسكو

ميشيل كيلو

أصدرت موسكو عام 2013 وثيقة عن سياساتها الخارجية، استجابة لوضعها الدفاعي، ثم أصدرت وثيقة ثانية عام 2017، حملت طابعا هجوميا، أعلن عنه الرئيس بوتين بالقول إن روسيا سترد مباشرة على من يعتدي عليها، وستستهدف المعتدي بالسلاح النووي. وبشأن بلداننا، أعلن رفض تغيير أو إصلاح أي نظام بوسائل غير شرعية، وقال إن روسيا ستعتبر الإصلاح بالقوة عملا إرهابيا. والتقى هذا الموقف الروسي مع تعريف الأمم المتحدة للإرهاب الذي يعتبره خروجا عنيفا على سلطة شرعية.
تفترض الوثيقة الروسية أن للعنف مصدرا وحيدا هو الشعب الذي يطالب بإصلاح سلطةٍ تكتسب شرعيتها من أنها حاكمة. وتتجاهل عنف هذه السلطة ضد شعبها، ولا تعترف بوجود إرهاب دولة، لأن شرعية نظام ما لا ترتبط بقبول شعبها الطوعي بها، بل تتوقف على اعتراف الأمم المتحدة القانوني بها، كما النظام الأسدي الذي أقلع المجتمع الدولي منذ سنوات عن اتهامه بممارسة الإرهاب، وإدانة عدوانه على الشعب السوري كإرهاب دولة، وقصر إدانته على الشعب السوري الذي اتهم بالإرهاب، على الرغم من أنه كان أعزل في بداية مطالبته بالإصلاح، وتعرّض منذئذ لعدوان إرهابي من جيشٍ يفترض أنه وطني، وعليه الدفاع عن حقه في المطالبة بحريته الذي يكفله الدستور.
تقول الوثيقة الروسية إن موسكو ستدعم أي إصلاح يتم بالتعاون مع المؤسسات الشرعية. يكفي إذن أن يطلق أي نظام النار على شعبه، حتى يعتبر الروس هذا الشعب غير متعاونٍ مع مؤسساته الشرعية. ترى، هل هذا هو سبب مشاركتهم الأسد في تجويع سكان المناطق غير المتمرّدة وترويعها، كذلك الخاضعة لحكمه، وتلك التي أعادوها إليه بالعنف مجرّدة من السلاح، ويفترض أنه صار لها الحق في العودة، في أقل تقدير، إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الثورة، ناهيك باحترام ضمانات روسيا الخاصة بأمنهم الشخصي، وبتحرير معتقليهم، والامتناع عن سوقهم إلى الحرب، وإجبارهم على القتال إلى جانب مليشيات الأسدية ضد شعبهم، وإعادة من فقدوا أعمالهم منهم إلى وظائفهم.. إلخ.
لم يطالب الروس النظام الأسدي باحترام تعهداتهم للأهالي، بل سمحوا للذي أنقذوه قبل سويعات من هلاكه بتصعيد كل ما هو سيئ في نظامه الإجرامي، مما ثار السوريون عليه، وضحّوا بالغالي والنفيس، ليتخلصوا منه، لكن الأسد أعادهم إليه بالصور الأشد فظاعةً التي يمكن تصوّرها، بشهادة الأمم المتحدة ومؤسساتها التي تقول إن 75% من السوريين الذين يحكمهم الأسد، أي ستة ملايين سورية وسوري، تعرّضوا لملاحقات واعتقالات واعتداءات رسمية طاولت جميع جوانب حياتهم، بعد إعلانه الانتصار، وقد وقع القسم الأكبر منها عند حواجز جيشه التشبيحي، أو في أثناء وجود الناس في شوارع قراهم وبلداتهم ومدنهم، أو وهم في منازلهم التي اقتحمها العسكر والشبيحة وعفشوها، وأخضعوا سكانها، إناثا وذكورا، لمختلف صنوف الإهانة والاعتداء، بما في ذلك ضرب الآباء والأمهات أمام أطفالهم، والتشبيح على بناتهم، بمن فيهن صغيرات السن، بينما يزجّ النظام عناصر المصالحات الذين تمنعه الاتفاقيات من تجنيدهم قبل مضي ستة أشهر في صف المعارك الأول، تاركا الصفوف الخلفية للجيش والشبيحة، فكأنه أصدر حكما بإعدام من صالحهم، ولسان حاله يقول إن موتهم في المعارك، وهم يقاتلون ويقتلون المدافعين عن بيوتهم وأهلهم، هو أفضل طرق الانتقام من السوريين، بالتعاون مع الروس وتحت إشرافهم.
غطّى الروس موقفهم المعادي للشعب السوري بأكذوبةٍ تدّعي أن رفض الأسد إجراء إصلاح بالتعاون معهم، يجعل منهم إرهابيين، لا علاج لهم غير توسيع قدرته على القتل، والعمل لإجبار المجتمع الدولي على إبقائه رئيسا لشعبٍ يرفضه، متناسين أن لعنة سورية ستطاردهم إلى أن يُطردوا منها، مهما فتكوا بشعبها كرمى لمجرم لما كان له أن يبقى في السلطة لولاهم، سيضمن مصالحهم إن نجح يوما في ضمان حياته.

اترك رد