حرائق سورية: خطف لقمة الجياع

شفان إبراهيم

مرّت بضعة أسابيع على ليلة احتلال أرزاق الناس، أسابيع من الحزن والترقب والخوف والقلق والآمال الضائعة. شربت الأراضي الصفراء دماً يكفي لخنقها، وها نحن اليوم نقف على أطلال سواد حقولنا، نُنادي كما نودي من قبل “لن يسلم منها أحد”.
يدرك السوريون حجم مآسيهم، فينتقلون من أزمة إلى أخرى أسوأ، حتى بات بعضُهم يدعو إلى البقاء على الأزمات السابقة، عوضاً عن الدخول في أزماتٍ جديدة، مجهولة القواعد والترتيبات، فما أعطاه الله شتاءً أخذه غدر البشر صيفاً.
المشكلات المقبلة أكبر وأعمق من مشكلة الشعور بالحزن والأسى على فقدان المحاصيل، فكل واحد يتحسر على مشاريعه الصغيرة التي ارتهنت بنجاح موسمه الزراعي، وثمّة المشكلة الأكبر والأكثر تعقيداً على ثلاثة مُتغيرات مُتشابكة، موحية بالأزمة الخانقة التي ستعصف بالمنطقة، أولها: الأمن الغذائي للمنطقة، ففقدان قرابة 300 ألف دونم حتى تاريخ 13/6/2017 من أصل ثلاثة ملايين دونم مزروعة، وبخسائر قُدرت بــ11 مليار ليرة سورية، يوضح المشكلة المقبلة للنقص الحادّ في مادة الطحين، سواء للاستعمال المنزلي أو الأفران أو المطاعم. وماذا لو عمدت الدولة السورية إلى منع إرسال الطحين إلى محافظة الحسكة، ومع الشحّ الكبير في القمح المستورد للإدارة الذاتية من أساسه نتيجة فرق الــ 25 ليرة سورية لسعر الكيلوغرام بين تسعيرة الطرفين، وإرسال مؤسسات النظام للقمح المورد إليه، إلى دمشق، الساحل السوري، أو أي منطقةٍ أخرى تحت سلطته المُطلقة، فإن الإدارة الذاتية ستكون أمام امتحان وضعها على المحك، فهي غير مرغوبة من تركيا لأسباب معلومة، ولا أعتقد أن تفتح الأخيرة حدودها لأجل إنقاذ عدوتها، ولن يبقى أمام الإدارة سوى الإقليم الذي تفننت الإدارة بإحداث الأزمات وصناعة العداوات وحياكة التهم له، وخصوصا للحزب الديمقراطي الكُردستاني، ومع زيادة المساحات الزراعية المحترقة في الإقليم والمناطق المتنازع عليها، فإنها الأخرى ستسعى إلى تأمين خُبز مواطنيها، وتقديم يد العون للمنطقة الكُردية، لكنها سئمت من المبادرات لإيجاد حالة حسن التعامل ووحدة الحال مع الكُرد في سورية.
ثانيها: الأمن المجتمعي، خلال ثماني سنوات من الأزمة، على الرغم من مشاهد العنف والدمار المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون و.. إلخ وتأثيرها على المتلقي. يُمكن 

“احتراق آلاف الهكتارات أوجد ظرفاً جديداً لأصحاب المواشي، سواء التُجار أو المربين”

وصف القاعدة المجتمعية بالمسالمة وامتلاكها الوعي الأخلاقي والرؤية لاختيار المكان المناسب لها. وجدت حالات كثيرة للخطف، القتل، السرقة، الاحتيال، النصب، إنشاء أحزاب لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة مُستعدة للكذب والرياء وبيع الضمير لقاء راتب وضيع، لكن القاعدة الثابتة بقيت أن بعض القرى والمناطق عُرفت بمبايعتها “داعش” وجبهة النصرة، والبقية الباقية ظلت بعيدة عن الانتماءات المُشجعة للتكفير أو دحرجة الرؤوس. لكن انتهاء المواسم قبل حصدها سيدفع إلى خلط الأوراق من الجزر والعمق، وسيسبب ردة فعل عنيفة، عدا عن استعداد فئات للانخراط في أي جهةٍ تؤمن لهم قوتهم اليومي، وبالمطلق ستكون بالضد من الإدارة الذاتية والمصلحة الكُردية، ما لم يكن المُعوّض كُردياً.
أما ثالثها: الثروة الحيوانية، احتراق آلاف الهكتارات أوجد ظرفاً جديداً لأصحاب المواشي، سواء التُجار أو المربين، فكلاهما سيضطر لشراء العلف، ما يؤثر على سعر بيع الدواب ومشتقاته، عدا عن عدم توفر مساحات غير محترقة كافية للرعي في البرية.
مهما فعلت الإدارة الذاتية من إرسال قوات وعناصر البلديات والإطفائيات الموجودة لديها لمساعدة الأهالي والمشاركة في إطفاء النار، لا تستطيع التهرب من المسؤولية بشأن أمرين مُركبين: مسؤوليتها عن نتائج ما بعد الحريق وتعويض المتضرّرين، وهو مستبعد الحدوث. ومسؤوليتها حول عدم تمكنها من التنبؤ بالمشكلات، وهي المُعضلة التي لم تتمكن الإدارة من تلافيها. إذ يُخال للمرء أنها إدارة تفتقد للعقول المُدبرة والمفكِرة. وكأنها تنتظر الواقعة للتدخل والحديث و.. إلخ. سبق وأن أعلنت الإدارة بدء مرحلة جديدة لحربها مع “داعش”، وإعلانها وجود خلايا نائمة كثيرة، كيف تصل تلك الخلايا إلى مناطق كُردية صرفة، وتعود إلى بيوتها؟ هذه الأحجية صعبة جداً!
وضمن السياق نفسه، صفعت شمس حزيران الوجوه المتوردة، فأردتها كاحلة مقيتة مريضة، وبل ميتة، فقد الجميع ترف النوم هانئاً. هؤلاء الذين كانوا يرتشفون الشاي مرمراً على أطلال بيادر ذهبهم الأصفر، باتوا اليوم يلفحون شايهم مرّاً زقوماً يوم فقدوا رمز معيشتهم، وما أصعب أن يموت المرء أمام تجربة جديدة بعد جبل من الآمال. وقف الأهالي عاجزين أمام سواد النهار، غيومٌ ضخمة تكشف أنيابها الساعية إلى الارتقاء من على تخومِ قرىً بأكملها، فلا مئات الدونمات، ولا آلاف الهكتارات شفت غليل غيوم الانتقام، لتُعلن للجميع أن عام الفقر والقحط والمجاعة قد بدأ.
أتت النار على غالبية حقول القمح في معظم المحافظات السورية، إدلب، السويداء، الرّقة، دير 

“القناعة السائدة في الوسط المجتمعي تصر على وجود أيادٍ لأيتام الإرهاب في نشر رذائلهم”

الزور، الحسكة. في القامشلي مشاهد تجعل الدمعة تغسل الوجوه، فبعد المُشاهدات والمقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أكاد أجزم أن المجتمع في شمال شرقي سورية ينقسم على نفسه، ما بين السياسيين، وخصوصا الحاكمين للمنطقة والمكتفين بإصدار بعض البيانات، من دون النظر إلى أنفسهم مسؤولين أمام الله والشعب عن عدم تمكنهم من حماية أرزاقهم من الدمار والحريق. عدا تبني تنظيم داعش الحريق، لا وثائق أو أدلة دامغة، إلى اللحظة، حول جهة مُحددة لضلوعها في وأد أبناء المنطقة أحياء، لكن القناعة السائدة في الوسط المجتمعي تصر على وجود أيادٍ لأيتام الإرهاب في نشر رذائلهم.
وما بين من يبكي على قارعة الطريق، كالعجوز الكُردية التي تعبت من لطم جسدها، بعد سقوط آخر آمالها عَقِبَ هجرة جميع أبنائها. في الطرف الآخر من المدينة، كان أنس أبو زيد، المصور الصحافي لقناة روداوو الإخبارية، يتجول رفقة شريكه “الكاميرا” لينقل آهات من تقطعت أنفاسهم جرّاء هذا السواد في حياتهم، في لحظة فصلت بين الدهشة والحيرة، رغبت الكاميرا أن تلج الحقيقة.. ذاهبة مع صديقها لرصد أوجاع الناس، فعادا بمشاهد تختزل بؤس الكردي خلال ثماني سنوات. في بحثهما عن بارقة أمل تُعيد للمُتعبين آمالهم، عبر رصدهما أوجاع من صمد قرابة عقد على تيهه، في لحظة واحدة، كانت الكاميرا تشرح انضمام شريكها لقافلة المكلومين.
كوباني وعامودا ودعتا قلبين مِمن فزعا للنجدة، عدا عن الوجوه والجلود المحترقة، فإن رائحة الفؤاد المشوية تُشبه إلى حد بعيد رائحة القمح المحترق. .. مشهدُ اللطم ما كان له من ظهور في وسطنا، إلا حين فقدان قريب من الدرجة الأولى، ولكن أصبح له دور آخر. لا تقل دموع العجوز على بضعة دونماتها الصفراء، القوت الوحيد لها، عن الدموع الغزيرة على الوطنية التي ألقيت على قارعات الطرق، من دون اكتراث لأولياء الأمر، والأسوأ أن تكون الوطنية مرتبطةً بحدود جغرافية فقط، رائدة اللطميات الكُردية امتازت بحملها نظرات خاوية فارغة من أي مشاعر أو استحياء من المارة، فقط حركات راحتي يديها شرحتا عوضاً عن لسانها ووجهها.
قال أحدهم، وأعتقد أنه اندهش من لحظة انكسار الرجال، وما أصعب أن يُكسر الرجل أمام

“أسابيع من الأوجاع المموّلة بنيران الحقد على البشرية”

 “المصاري”: ألم تهربوا من المعارك، وتفضّلوا النظام علينا، وأصبحتم عملاء لتركيا، ألستم من رفضوا الخضوع لسلطة الإدارة الذاتية، لماذا تشعرون بكل هذا الحزن الآن؟ وهذا الحجم من المهانة وأنتم تتأملون التعويض؟ أجل عزيزي، مثلك لا يشعر بالغبن، ولا بتراكم الكرب في قلوب من انتظر سنة بأكملها كي يتزوج، أو يُزوج أحدهم، أو يشتري بضع قطع من الثياب، أو يزور الطبيب خارج المحافظة، هؤلاء البسطاء الذين ليس لهم سوى تلك السنابل التي أريق بريقها على يد الكاذبين ولصوص الأحلام.
بضعة أسابيع مرت.. أسابيع من الأوجاع المموّلة بنيران الحقد على البشرية، والقلوب المهترئة، حتى المقابر باتت تنوح على الأحياء، أصبحت الأيام المقبلة مزاحمة لرغبات الموت، أسابيع لم ينم فيها الجزراويون، يحصون سنابلهم المحترقة ويتداولون آليات العيش ما دون الشظف والفقر بأقصى درجاته، ويتساءلون بمرارة الشاي المُرّ، حتى شاي المقاهي لم يعد بإمكاننا شربه، يجتمع أصحاب السنابل المحترقة يُرسلون بأعينهم أسئلة تبحث عن أجزاء من الجواب، هل من بارقة أمل، لتحفر الدموع خدودهم، يُخفضون رؤوسهم نحو أحذيتهم التي يُشبهونَ الحياة بها، ليتفقوا معاً: الفقراء لا مُعيل لهم سوى أمنية الموت.

العربي الجديد

اترك رد