تعديلات جديدة لقانون الأحوال الشخصية تمنح مكاسب صغيرة لحقوق النساء

أسامة آغي

النظام السوري علماني بالاسم فقط، لكن مقاربته لحقوق المرأة عكست منذ زمن طويل حاجته إلى التوصل لتسوية مع القوى الدينية التقليدية التي تتماشى معه وتعزز شرعيته.

يتجسد هذا التناقض في قانون الأحوال الشخصية الذي يحكم الحقوق القانونية للرجال والنساء في إطار الزواج، وقد جرى تعديل القانون الذي أُقِرَّ أصلاً في عام 1953، لكن أوجه القصور في هذا التعديل تُظهر أنه على الرغم من أن النظام مهتمٌّ بصورته الدولية بشأن قضايا حقوق المرأة، إلا أن التزامه يفتقر إلى المصداقية حول المساواة في الحقوق في الممارسة.

تشمل التعديلات الجديدة قوانين الزواج والطلاق، بما في ذلك تعديل قوانين حضانة الأطفال والوصاية لتشمل استخدام الحمض النووي لتحديد نَسَب الطفل، وكذلك توسيع الوصيّة الواجبة لتشمل البنت التي تموت قبل والديها. كما عُدِّلَت لغة عقد الزواج، حيث تنص الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشرة الآن على أنه “لكل من الزوج أو الزوجة أن يقيد عقد الزواج بشروطه الخاصة التي لا تخالف الشرع والقانون”.

بمعنى آخر، يحق للرجل والمرأة كتابة متطلبات معينة في عقد الزواج بشرط ألا ينتهك أي منها أحكام الشريعة الإسلامية أو قانون البلاد. وأصبح من حق المرأة الآن الحصول على نصوص مكتوبة في عقد الزواج إذا رغبت، وذلك من قبيل حقها في السفر دون إذن زوجها، وأن يترك رباط الزواج بيدها الحق بالطلاق، وأن يكون لها الحق في العمل خارج المنزل، وألاّ يعيش زوجها مع زوجة ثانية في المنزل الذي تقيم فيه.

ومع ذلك، لم تسمح التعديلات بحق المرأة في رفض تعدد الزوجات لأن هذا سيكون مخالفاً للشريعة الإسلامية، وبالتالي فإن شروط العقد ستكون متناقضة مع نظام الزواج في الشريعة.

كان تعديل محتويات الفقرة (2) من المادة 21 مُربِكاً وضعيفًا في آن، إذ ينصُّ هذا القسم الآن على أنه “إذا زوّج الولي الفتاة بغير إذنها، ثم علمت بذلك كان العقد (عقد الزواج) موقوفاً على إجازتها صراحةً.”

تُبيّن هذه اللغة القانونية التردد في إعطاء المرأة الحق في الزواج ممّن تشاء، ولا تنصّ النسخة المعدلة على أن هذا حق للمرأة، بل تمنع الوصي من تزويج المرأة دون علمها وموافقتها الصريحة.. وبالتالي فإن هذا التعديل لا يعزّز بصوة تتسم بالمصداقية حقّ المرأة في اختيار شريك الحياة، بالنظر إلى أنَّ المرأة قد تختار الصمت بدافع العار أمام إرادة والدها، وهو الوصي القانوني عليها.

كما توضح الفقرة (2) من المادة 23 أنه بموجب قانون الأحوال الشخصية، لا يزال أقرباء الدم الذكور يتمتعون بوضع متميز من ناحية الوصاية، وتنص على أن الوصاية على الزواج لا تنتقل إلى الأم إلا إذا لم يكن هناك “ولد ذَكَر”، وإذا استوفت شروط الوصاية والكفاءة والمهر. والعاصب الذكر هو الأب أو الشخص الذي يتصرف نيابة عن الأب وفقًا لخط الميراث القانوني بين الأقارب غير المتزوجين.

هناك بعض العناصر في التعديلات الجديدة تعزز حقوق المرأة بشكل إيجابي، يتعلق أحدها بقيمة المهر في وقت توقيع عقد الزواج، إذ يجب قياس قيمة المهر وفقًا للقوة الشرائية للمهر في ذلك الوقت، وليس على أساس قيمته الإسمية. تنصُّ الفقرة (3) من المادة 54 على أنه “عند استيفاء المهر كلاًّ أو بعضاً تكون العبرة للقوة الشرائية للمهر وقت عقد الزواج على ألا يتجاوز مهر المثل يوم الاستحقاق ما لم يكن هناك شرط أو عرف خلاف ذلك.”

يبدو أن التشريع يدرك الحاجة إلى حماية المرأة في حالات الطلاق الإبرائي (حيث لم تعد تحتفظ بحقها في المهر) ثم طلقها زوجها لأسباب تعسفية، إذ يمنحها التعديل القانوني الجديد الحق في التراجع عن الطلاق الإبرائي، لأن الأساس المنطقي وراء هذا الطلاق هو الحصول على الاستقرار لعائلتها وحالتها الزوجية، وتنص الفقرة الثانية من المادة 57 على أنه “يحق للزوجة أن تعود عن إبرائها وتستحق مهرها إذا طلقها زوجها طلاقا تعسفيا.”

ويعزّز التشريع حقوق المرأة التي تعمل خارج المنزل، ويشترط على الزوج أن يدعمها مالياً حتى لو كان غير راضٍ عن عملها، شريطة أن ينص عقد الزواج بينهما على السماح للمرأة بالعمل، كما تُعامِل المادة 87 المرأة على نحو أكثر إنصافاً فيما يتعلق بمسألة إنفاق المرأة المال على أطفالها، فإذا لم يتم توثيق النفقات، يمنح القانون المرأة الحق في استعادة ما أنفقته خلال العامين الماضيين، وقبل التعديل الأخير، كان القانون يسمح لها القانون باستعادة ما أنفقته ولكن فقط من فترة مدتها أربعة أشهر،

بالإضافة إلى ذلك، تنص المادة 117 ، التي تحدد حق المرأة في التعويض في حالة تعرضها للطلاق التعسفي، على أنه “إذا طلق الرجل زوجته بإرادته المنفردة دونما سبب معقول ومن غير طلب منها استحقت تعويضاً من مطلِّقها، بحسب حاله وبما لا يتجاوز نفقة ثلاث سنوات لأمثالها فوق نفقة العدة وللقاضي أن يحكم به جملة أو مقسطاً بحسب مقتضى الحال.” ويجوز للقاضي منح [النفقة المذكورة] كمبلغ إجمالي أو على أقساط وفقًا لمتطلبات الوضع. ‘

سيؤدي تعديل المادة 257 من القانون السوري بشأن الوصية الواجبة إلى توسيع الحق في الاستفادة من الوصية لبنات الابن (في حين كان قبل ذلك يقتصر على أبناء الابن). وتنص المادة 257 على أن “من توفي وله أولاد ابن أو أولاد بنت وقد مات الابن أو البنت قبله أو معه وجب لأحفاده هؤلاء في ثلث تركته وصية.”

ولكن على الرغم من هذه الجوانب الإيجابية، تقدم التعديلات تغييرات تجميلية إلى حد كبير على قانون ما يزال لا يُقرُّ بحقوق متساوية للمرأة. وفي الواقع، يبدو أن هذا لم يكن الهدف، فقد قال نبيل صالح، وهو نائب مؤيد للنظام في مجلس الشعب السوري إن “التعديلات الأخيرة على قانون الأحوال الشخصية السوري لا تستهدف المجتمع السوري، بل هي رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي” – أي أن النظام يريد تقديم نفسه رائداً للعلمانية والحداثة في مواجهة التطرف الإسلامي. ولتحقيق هذه الغاية، يبدو النظام راضياً عن تقديم جبهة للنهوض بحقوق المرأة في حين أنه ليس معنيّاً بتحسين الواقع بالنسبة للمرأة السورية.

Chatham House المصدر

اترك رد