لقطاء المعارضة السورية …

 بقلم:  مرهف الزعبي /خاص

لقد كشفت الثورة السورية طيلة السنوات الثماني الماضية حقيقة دول, و حكام, و مؤسسات, و أحزاب, و أفراد. حتى ظهر لكل عمٍ و بصيرٍ بأن المعارضة السورية لم تكن منذ تاريخ نشأتها رافداً للثورة, أو مكملاً لها وسنداً. بل كانت بعيدة كل البعد عن هذه الأخيرة. و عن أهدافها. فلم تكن إلا عبارة عن أشخاص ارتزاق يبحثون في فضاء الثورة السورية عن حيزٍ يحقق أحلام أسيادهم, كما برهنت أفعالهم بأنهم لم يكونوا إلا مزيج غير متجانس من مناهل متعددة, و ارتهانات, و تبعيات مختلفة, و ولاءات عمياء لأجهزة استخباراتية يستقوون بها, و بدولها لمحاربة أهداف الثورة, و نسف تضحيات الثوار, و النيل من الرموز الثوريين, و حماية أنفسهم من السقوط. بالإضافة إلى شرعنتهم, و تهيئتهم للقيام بما يلزم حالياً و مستقبلياً.

فبان هدف المعارضة الحقيقي لكل السوريين و لثورتهم. بتبعيتهم للخارج, و ارتباطاتهم بأجندات تعادي مصالح الثورة, بالإضافة إلى التفريط بمكتسبات الثورة التي حققها أبطالها على الأرض, و ازاحة اي جسم ثوري حقيقي تمثيلي يولد من رحمها, و حرف مسارها عن الأهداف التي انطلقت لأجلها. كل ذلك من أجل توطيد, و تأسيس نظام حكم لا يقل فساداً, و إفساداً عن نظام الأسد الطائفي, و ارتهاناً, و إذعاناً خارجيين لإعادة هيكلة سورية من جديد فيما لو تم ذلك. لتبق هذه المعارضة التي يعدونها لاستلام حكم سورية ما بعد المجرم بشار من دون معارضة وطنية مستقبلاً.   

    حيث لم تكن الأولى في أحسن أحوالها أفضل للسوريين من نظام المجرم بشار بجميع المقاييس. فظهرت عينات كثيرة من إنجازاتها ( و هي المحسوبة على الثورة ) تمثلت بالتوقيع على اتفاقيات الذل, و العار, و الخيانة. سوتشي و الأستانة. و الشخصيات التي اختيرت لوفدي الرياض 1 و 2 و لأعضاء اللجنة الدستورية, و ليس انتهاءً بترويج سياسة الأمر الواقع, و الالتفاف على قرارات جنيف 1. و استبدال الانتقال السياسي بالعملية السياسية التي يتشارك فيها الطرفان على السلطة.

إنَّ إنجازات المعارضة السورية لم تكن بنظر للسوريين سوى الوجه الآخر لنظام الحكم في سورية. فكانت الأشد تعطشاً للإمساك بالحكم, و الأكثر اتجاراً بقضية الثورة السورية, و ارتهاناً, و ارتزاقاً, و وفاءً, و خدمةً للأجهزة الاستخباراتية المتعددة التي قامت بتوظيفهم لخدمة دولهم, و تحقيق أهدافهم, و أطماعهم. و كانوا الأبعد أثراً عما يحقق مطالب الثورة, و تطلعات الشعب السوري الثائر, و تطلعات من هم أيضاً تحت وصاية نظام الحكم؛ في سورية المستقبل الخالية من آل الأسد, و مؤسساتهم البوليسية الطائفية.

لهذا؛ فإنَّ إسقاط المعارضة السورية سيكون بوابة لإسقاط النظام, و إفشالاً للمشاريع التقسيمية, و ضرباً للإرتهانات الإقليمية والدولية. لتكون الخطوة اللاحقة للثوار؛ هي تحرير سورية, و تحررها من كل ما ذُكر أعلاه بوقت قصير, و تكاليف بخسة.

لا نغالي إذا قلنا أنَّ المعارضة السورية بجميع أطيافها, و تكتلاتها, و تحزباتها, و أفرادها ابتعدت عن الهدف الرئيسي للثورة السورية, و لشعبها. و لم تحقق يوماً هدافاً واحداً لكلاهما, رغم الاعتراف الشرعي بهم عن طريق من وضعوهم أوصياء للتحكم بمصير الثورة, سعياً لحرفها عن مسارها, و تشويهاً لصورتها. فتظاهروا بعجزهم عن تحقيق أبسط أهدافها, و أبدوا استعداداً للرضوخ للواقعية السياسية, و ترويجاً لها.

فتمزقت راية الثورة إلى رايات, و إئتلافها إلى إئتلافات, و جيشها إلى جيوش, و ولائها إلى ولاءات, و قرارها إلى قرارات. و لم يبق منها موحداً سوى أشخاصها الذين لم يغادروا يوماً كراسي تحكمهم لتمزيق الثورة, و تناهشها من قبل ضباع البشرية, و ما زالوا يتماشون مع الحلول الاستسلامية, و الاذعانية للدول المحتلة, و يروجون لهذه الحلول, و يعملون على تحقيق أهداف, و مشاريع من وضعوهم أوصياء على الثورة. و لم ينتهي بهم الأمر بإدخال الوهن, و الضعف في نفوس ثوارنا و حاضنتهم, بل فرض سياسة الأمر الواقع التي رفضها السوريون منذ سقوط أوائل شهدائهم في الثورة, و لا يزالوا يرفضون هذا التحكم, و الإملاء المفروض عليهم, و يتابعوا أعمال التحرير, رغم غطرسة, و إرهاب, و إجرام نظام الحكم البعثي, و حلفائه الإرهابيين بحق أهلنا المدنيين, و ثوارنا الأبطال. و رغم الآلام التي يتعرض لها السوريون الأحرار في الشمال السوري من قتلٍ, و تدميرٍ, و تهجيرٍ. و رغم وقوف العالم بشرقه و غربه مع الطائفي بشار, و مع مشاريع المعارضة الاستسلامية التي تسعى لفرضها على الثوار.

فأصبحت الأسلحة و الذخائر بيد قادة الفصائل محظورة من الاستخدام, و كل قرية يسيطر عليها فصيل عسكري هي ميكرو – دويلة. يفرض سيطرته, و هيمنته عليها قائد الفصيل, ملجوماً باتفاقات, و تفاهمات قامت بها المعارضة السورية لفرض واقعٍ جديد على السوريين, و تأسيس حياةٍ جديدةٍ بعيدةٍ عن أحلام العودة, و الاستعداد للعمل لأجلها, و إشغالهم عن العمل لتحرير سورية بسلةٍ إغاثيةٍ , أو بناء مخيمٍ اسمنتيٍ, أو افتتاح مستوصفٍ كما حصل مع الفلسطينيين لمنعنا من التفكير بتحرير مدننا, و قرانا. و ليس انتهاءً بالعمل على حرف المسار السياسي للثورة.

و في الحقيقة؛ لم تقصر المعارضة جاهدةً لبلقنة الثورة, و صوملتها, و شيشنتها, و عرقنتها, و طيفنتها, و حزبنتها, و شيطنتها, و أفردتها. و بقائها بأيدي أعدائها يسرقون ثرواتها, و يستنزفون دماء أبنائها.

لهذا؛ و بعد تضحيات أهلنا السوريين, و أخوتنا الثوار, و الصمود الأسطوري بمجابهة, و مواجهة آلات الحرب العسكرية المتعددة, و منها المحرمة دولياً, التي تنهال عليهم من كل حدبٍ و صوبٍ؛ فإننا كثوار لم نعد نؤمن بالحلول السياسية, و لا الاتفاقات و التفاهمات الدولية, و لا بالقانون الدولي ذو الإزدواجية العوجاء. فهي لم تعد تعنينا كثوار.  فعهدنا لمن سبقونا, و لمن لا يزالوا يأملون بنا نصراً و فتحاً؛ أن نتابع مسيرة ثورتنا, و أن نصون تضحياتها, و نقدس دماء شهدائها, و نرفض كل إملاءٍ, و استعبادٍ, و ارتهان. رافضين كافة الضغوطات الإقليمية, و الدولية علينا, ساهرين على تصويب مسار الثورة, ضاربين بعرض الحائط كل اتفاقٍ, و تفاهمٍ, نال, و ينال من ثورتنا و ثوارنا.

عازمين على إسقاط النظام الطائفي البوليسي, و تحرير سورية من الاحتلالات المختلفة, بادئين بعدم الاعتراف بهذه المعارضة بكل مؤسساتها و أفرادها. لتنعم سورية, و شعبها مستقبلاً بنظام حكمٍ حرٍ بعيدٍ عن كل تبعية جهوية, إقيليمة, أو دولية.

المقال يعبر عن رأي الكاتب

اترك رد