“اختراق” بتشكيل اللجنة الدستورية السورية بعد ضغوط أميركية


يبدو أن ملف تشكيل اللجنة الدستورية السورية يتجه إلى حلحلة في وقت قريب. فبالتوازي مع إعلان وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، في مقابلة تلفزيونية أمس الخميس، أن “الخلاف حول 6 من أعضاء اللجنة تم حله”، رجحت مصادر روسية حصول “اختراق مهم” في تشكيل اللجنة الدستورية نتيجة اجتماعات المبعوث الدولي إلى سورية غير بيدرسن، مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم في موسكو.

وفي حين أبدى خبراء روس “تفاؤلاً حذراً” بشأن الانتهاء من تشكيل اللجنة، وأشار بعضهم إلى أن القرار النهائي بيد النظام السوري، لم يستبعد مصدر قيادي في المعارضة السورية حصول تغير “اضطراري” في موقف موسكو بعد فشل “مقارباتها التكتيكية”، مؤكداً أنها قادرة إن رغبت على فرض ما تريده على النظام السوري.

تجاوز عقدة الأسماء الستة

وأكد مصدر روسي مطلع على المفاوضات بشأن سورية، لـ”العربي الجديد”، ما تحدث عنه وزير الخارجية التركي أمس، عن أن الخلاف على الأسماء الستة المتبقية في اللجنة الدستورية تم تجاوزه عملياً. لكن المصدر لفت إلى أن الإعلان عن ذلك سيكون على الأرجح بعد زيارة بيدرسن المنتظرة إلى دمشق في العاشر من الشهر الحالي. وأكد المصدر الروسي معلومات، حصلت عليها “العربي الجديد” من قيادي في المعارضة السورية، تفيد بأن الاتفاق ينطلق من أن “النظام وموسكو سيسميان شخصيتين للجنة الدستورية، فيما يسمي بيدرسن الشخصيات الأربع الباقية، نتيجة مشاوراته مع أطراف مسار أستانة والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن”. وأوضح المصدر الروسي أن “الانتهاء من عقدة اللجنة الدستورية يأتي في إطار مقاربة روسية للتسوية السياسية في سورية، تتضمن المضي نحو صوغ الدستور، وبحث الفترة الانتقالية وقضايا الحكم المستقبلي، مع ضمان عدم قيام الأطراف الخارجية بمحاولة تغيير النظام بالقوة، وضمان وحدة الأراضي السورية والوصول إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية من سورية”. وأشار المصدر إلى أن “التغير في اللهجة الروسية كان واضحاً في تصريحات نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فلاديمير سافرونكوف، أثناء جلسة لمجلس الأمن الدولي، نهاية الشهر الماضي”. وقال سافرونكوف: “نعول (روسيا) على أن يتسنى لنا في أقرب وقت تحقيق اختراق في مسألة إطلاق اللجنة الدستورية”. وأكد أن “المسؤولين الروس أجروا خلال الأيام الأخيرة مشاورات حثيثة حول هذا الموضوع، ليس مع السلطات السورية فحسب، بل أيضاً مع المعارضة واللاعبين الآخرين الذين لهم علاقة بالنزاع السوري”.

ولفت المصدر إلى أن سافرونكوف أكد أن “الهدف الاستراتيجي لا يزال بلا تغيير، وهو إطلاق عملية سياسية كاملة في جنيف برعاية الأمم المتحدة”. وعزا التغير في الطرح الروسي إلى أن “الولايات المتحدة لوحت بأنها سوف تغلق باب التفاوض بشأن اللجنة الدستورية، وستطلب من بيدرسن البدء في مسار سياسي مستقل بعيداً عن مقررات مؤتمر سوتشي الذي رعته روسيا في يناير/كانون الثاني الماضي، بعدما ضجرت مما تعدّه مناورات روسية لكسب الوقت وتغيير الواقع على الأرض طوال 17 شهراً”. وختم المصدر الروسي بالقول إن “الاتفاق قد ينضج في موسكو غداً (اليوم)، لكن الدخان الأبيض لن يخرج إلا بعد لقاءات بيدرسن في دمشق”.

ومعلوم أن مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري، الذي رعته روسيا، خرج بتوصيات، منها تشكيل لجنة دستورية من 150 شخصية لصوغ دستور جديد في البلاد بإشراف الأمم المتحدة. وقدّمت المعارضة قائمة من 50 شخصية، وكذلك فعل النظام، لكن الخلاف تركز على الثلث الأخير المؤلف من شخصيات مدنية ومستقلة تقرر أن يوكل تشكيلها إلى المبعوث الأممي (حينها) ستيفان دي ميستورا، الذي أخفق في التوصل لاتفاق حولها بعد خلاف على ستة أسماء طلب النظام تغييرها.

مدخل نحو عملية سياسية شاملة

واستبق بيدرسن زيارته الثانية إلى موسكو بالتأكيد أنه يسعى لتحقيق تفاهم أعمق “بين روسيا والولايات المتحدة لدفع عملية التسوية السورية”، مشدداً، في لقاء صحافي، على أن “تشكيل لجنة دستورية في حد ذاته لن يغير الكثير، لكن إذا تم التعامل مع الأمر وفق الشكل الصحيح، وإذا توافرت الإرادة السياسية، فقد يفتح ذلك الباب لعملية سياسية أشمل”. ولم يستبعد المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية المعارضة يحيى العريضي، حصول اختراق للتوافق على الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية لأن “روسيا باتت مضطرة لذلك”. وأوضح، في اتصال مع “العربي الجديد”، أن “موسكو ليست جادة في تسريع التسوية السياسية اختيارياً أو طوعاً، وفي حال تجاوبها فهي تفعل ذلك مضطرة، لأنها باتت تدرك أن ما فعلته عسكرياً لا يثمر سياسياً، وأنه حان الوقت للكف عن المقاربات التكتيكية والبهلوانية، والحديث عن تسوية سياسية وفتح المعارك العسكرية في الوقت ذاته”. وتابع أنه “في ظل الرفض الأوروبي لعودة اللاجئين، ورفض دعم إعادة الإعمار، من دون حل سياسي شامل، وصل الروس إلى أن مقارباتهم غير مجدية وبدأوا عملياً الضغط على النظام”. ولفت العريضي إلى أن “بيدرسن لن يكون أسيراً لطرح روسيا حول اللجنة الدستورية، وهو مُقتنع بأن تشكيلها وإطلاق عملها لن يكونا كافيَين، وإنما كمدخل لتنفيذ القرار الدولي 2254 والوصول إلى انتقال سياسي حقيقي وانتخابات برعاية أممية”.




وفي اتصال مع “العربي الجديد”، أشار الدكتور في العلوم السياسية والخبير في شؤون الشرق الأوسط رونالد بيغاموف إلى أن “بعض القضايا المهمة الأخرى ستكون حاضرة بقوة أثناء مباحثاته (بيدرسن) في موسكو، أهمها التسوية السياسية، بالإضافة إلى سبل تهدئة الأوضاع الملتهبة في إدلب، لكن أصعبها هو التوافق على الأسماء الستة ضمن قائمة الدستور”. ورأى بيغاموف أن “الجانب الأميركي ينطلق من أن النظام يؤخر إطلاق عمل اللجنة الدستورية، ويسعى إلى مواصلة الحل العسكري في إدلب؛ ولذلك تأمل واشنطن أن يتوصل بيدرسن إلى تفاهمات مع الروس للضغط على النظام من أجل إتمام لجنة الدستور ووقف العملية العسكرية في إدلب وشمال حماة”، مستدركاً أنه “من الطبيعي أن ترفض موسكو الربط بين هذين الأمرين، لأنه غير مناسب لها، نظراً لعدم رغبتها أو ربما عدم قدرتها على الضغط كثيراً على دمشق”. وشدد على أن “الأمل بحدوث اختراق ينطلق من أن دمشق وصلت إلى قناعة بأن حل الأزمة السورية عسكرياً مستحيل، وأنه يجب الجلوس حول طاولة التفاوض وبحث مستقبل سورية. وهنا فإن الكلمة الأخيرة حول تشكيل اللجنة الدستورية هي لدمشق أثناء زيارة بيدرسن المقررة الأسبوع المقبل”. وتوقع الخبير الروسي أنه “في حال موافقة النظام السوري على قائمة الأعضاء النهائية، فإن الجلسة الأولى للجنة الدستورية يمكن أن تعقد في سبتمبر/أيلول المقبل، وإلا فإن التسوية في سورية ستتأخر كثيراً”. وخلص بيغاموف إلى أنه “على الرغم من تصريحات الجانب الروسي حول الانتهاء قريباً من تشكيل اللجنة الدستورية، فالأفضل أن ننظر إليها بتفاؤل حذر، لأنه لا توجد مؤشرات واضحة على أن دمشق تريد تليين موقفها بشأن الأعضاء المختلف عليهم في تركيبة اللجنة الدستورية”. لكن العريضي سخر من أن روسيا ليست قادرة على إجبار النظام على القبول بتشكيل اللجنة الدستورية والمضي بالحل السياسي.

الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في معهد “كارنيغي”، ماريانا بيلينكايا، أشارت، في اتصال مع “العربي الجديد”، إلى أنه “في غضون نصف عام تعرف بيدرسن على مواقف جميع الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية، وأعد رؤيته للحل، ويبدو أنه جاهز للقيام بخطوات عملية مستقلة”. وتوقعت أن “الاختراق الأساسي والوحيد المنتظر من الزيارة هو الإعلان عن انتهاء عمل اللجنة الدستورية، والكلمة الأخيرة هي للنظام مع توجه بيدرسن في العاشر من الشهر الحالي إلى دمشق”. وأضافت أنه “من الممكن أن تكشف مباحثات المبعوث الأممي في موسكو عن الآلية الأفضل للحديث مع القيادة السورية من أجل حل حقيقي لعقدة اللجنة الدستورية. وبحسب تصريحات الروس والنظام، فإن الوصول إلى حل وسط بات قريباً بالفعل”. ولفتت الخبيرة الروسية إلى أنه “بعد زيارة مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سورية ألكسندر لافرنتييف، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشين إلى دمشق نهاية الشهر الماضي، بدأت موسكو تتحدث عن حل عقدة تشكيل اللجنة”. وتوقعت بيلينكايا أن “يبحث بيدرسن في موسكو فكرته لتوحيد منصات التفاوض المختلفة: أستانة، والمجموعة الصغيرة، وأعضاء مجلس الأمن لدعم المضي بالعملية الدستورية”. وقالت إنه “من غير المرجح أن تتخلى موسكو عن مسار أستانة، ولكن عندما يدور الحديث عن حلول سياسية فالواضح أن القرار يجب أن يقر على مستوى أعلى، ولهذا لا ضرر في اتخاذ قرارات ضمن المسارات القديمة مثل مسار جنيف”.

وحول تأثير الاجتماع الثلاثي، الروسي- الأميركي- الإسرائيلي، في القدس المحتلة الشهر الماضي، وقمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب الأخيرة في مدينة أوساكا اليابانية، في دفع التسوية السورية، فقد استبعدت بيلينكايا توصل الطرفين إلى اتفاق شامل، مشيرة إلى إمكانية “وجود تفاهمات مشتركة تنطلق من أن التسوية يجب أن تتحرك إلى الأمام مع المحافظة على سورية موحدة، وعدم تغيير السلطة فيها بالقوة”. وفي ما يخص الوجود الإيراني، قالت الخبيرة الروسية إنه “لا توجد رؤية موحدة بشأن إيران، والأطراف متفقة على أن إيران مثل باقي القوى الأجنبية يجب أن تخرج من سورية، ولكن لا توجد استراتيجية موحدة حول كيفية فعل ذلك”. واتفق بيغاموف مع طرح بيلينكايا، على أنه “لا يمكن تأكيد الوصول إلى اتفاقيات محددة أثناء اجتماع القدس الغربية أو قمة اليابان”. أما العريضي فأشار إلى أن “موسكو وواشنطن حريصتان على التوصل إلى توافق حول سورية، كلٌّ على قياسه ومصالحه، وهو أمر صعب التحقّق”، لكنه أكد أن “لقاء القدس وقمة أوساكا ساهما في كسر الجليد”.

العربي الجديد

اترك رد