ألقاب ثورية كردية وعربية

ألقاب ثورية كردية وعربية

أحمد عمر

اللقب الجديد قد يعني حياة جديدة، وهجرةً في الهوية أو نزوحاً إلى هوية جديدة، وقد يعني قناعاً جديداً وخداعاً للنفس والناس وانعتاقاً وإصباءً. تبديل الاسم قد يحوّل الدودة إلى فراشة، وربما إلى دبّور. وكانت ألقابٌ مثل الباشا والدوق تشترى بالذهب، ونال سلمان رشدي لقب سير مكافأة وثواباً من بريطانيا على عدوانه على بيت النبوة في روايته “آيات شيطانية”. وقد كثرت الأقنعة بعد الثورات العربية المنكوبة. اكتظت الساحة السورية التي صارت ملعباً للسياسة العربية والدولية بكنى المجاهدين الدينية، وأطلقت أسماء أبطال “الفانتازيا التاريخية” على الشبيحة مثل الطراميح والغضنفر والفهد والنمر. كانت الأسماء الأصلية في الجهاد الأفغاني مثل بن لادن والظواهري هي المتداولة، ثم انتشرت الألقاب والكنى في الشيشان والبوسنة، مثل “خطّاب”، و”أبو حفص الأردني”، “أبو قتيبة المكي”، وهذا يحتاج إلى تحليل لعل سببه الانتقال للجهاد السرّي، فالجهاد الأفغاني كان علنياً برعاية أمريكية ورعايتها هي الشرعية. وأصبح التكنّي تقليداً عند التنظيمات الجهادية في العقدين الأخيرين؛ أبو مصعب الزرقاوي، وأبو حمزة المهاجر، وبطل الترسو وخليفة الأعماق وصليل الصوارم أبو بكر البغدادي خليفة تنظيم داعش، الذي حرص مثل الملوك العرب على وصف نفسه “بالقرشي”، فالأئمة من قريش، صاحب حرب الردة،. جُلّ ضحاياه من المسلمين الذين يرفضون دفع الزكاة ويمتنعون من البيعة. النسخة غير البعثية من الخليفة حافظ الأسد الذي كان يكنّى بكنية خالد بن الوليد أبي سليمان فطمس أباه ونقل مضارب كنيته إلى ابنه باسل من أجل تزييت عجلة التوريث. هناك أسماء ليس لها من اسمها نصيب مثل اسم عبد الفتاح في مصر والسودان. آخر خليفة عباسي كان اسمه المستعصم بالله، وكان لديه حوض من الذهب الأحمر، عندما اقتحم هولاكو بغداد قال له قولاً منكرا،ً وقتله رفساً أو خنقاً حتى لا يسيل دمه، فقد كان هولاكو يتطير من دم الملوك. 

ثمة معلومات مهمة في كتاب يوسف أسعد داغر: “معجم الأسماء المستعارة وأصحابها ولاسيما في الأدب العربي الحديث” والذي نشرته مكتبة لبنان سنة 1982، منها لقب “ابن العراق” لفاضل الجمالي، و”أبو فرات” للجواهري، و”أبو جهين” لجليل العطية و”إبليس” للطفي بكر صدقي. وقد يكون سبب الكنية التواضع والزهد ونكران الذات، وقد يكون الاسم المستعار سبيلاً لشهرة الكاتب أكثر مما يحققه الاسم الحقيقي، فأسماء بعضهم ثقيلة ومتشابهة، والفنانون أكثر من يبدّل الأسماء بنزع الصفة الدينية من الاسم؛ مثل فيروز وسميرة توفيق وصباح ونادين وايمان، إخفاءً للهوية الدينية وتودداً إلى الأمة المسلمة، ولدينا عبر تاريخنا العربي الإسلامي وحتى العالمي شخصيات اشتهرت بأسمائها المستعارة أكثر مما اشتهرت بأسمائها الحقيقية مثل الفرزدق ودعبل الخزاعي والحطيئة وسيبويه والسري الرفاه وديك الجن وجورج صاند.. 

من السنّة والبرّ أن يكنّى المرء باسم ابنه، والعرب يحبّون الكنية، وقد ذهبوا بعيداً إلى تكنية الحيوان وأجروا غير الأناسي مجراهم في ذلك، لمّا شارك الناس- في الولادة – باقي الحيوانات، كنّوا ما كنّوا منها بالآباء والأمهات، كأبي الحارث: للأسد، وأم عامر: للضبع، وأجروها في ذلك مجرى الأناسي.

قال ابن الأثير عن سنّة العرب في الكنى: فلما تجوزوا في إجراء الحيوانات العجم مجرى الناس في الكنى والأبناء، حملوا عليها بعض الجمادات فأجروها مجراها فقالوا: أبو جابر: للخبز، وأم قار: للداهية، وابن ذكاء: للصبح، وبنت أرض: للحصاة. وغرضها الإخبار عن نفس، كأبي طالب كنيّ بابنه طالب، والثاني؛ التفاؤل والرجاء، كأبي الفضل: لمن يرجو ولداً جامعاً للفضائل. الثالث: الإيماء إلى الضد، كأبي يحيى لملك الموت. الرابع: اشتهار الشخص بخصلة، فيكنّى بها: إما بسبب اتصافه بها في نفسه، أو انتسابه إليها بوجه قريب، أو بعيد، كأبي الوفاء: لمن اسمه إبراهيم، وأبي الذبح: لمن اسمه إسماعيل أو إسحاق. ومن هذا القبيل غالب كنى الحيوان. ومن فوائد الكنية وأغراض وضعها: التمييز بين الأشخاص بتعيين أحدهم بكنيته، بالدلالة عليه، فمنها: أن تكني عن اسم الرجل بالأبوة لتزيد من الدلالة عليه.

قال ابن قتيبة: أن تكني عن اسم الرجل بالأبوة لتعظمه في المخاطبة بالكنية، لأنها تدل على الحنكة وتخبر عن الاكتهال. وقال ابن الأثير: إنما جئ بالكنية لاحترام المكنى بها وإكرامه وتعظيمه ومنه قول أبي تمام: أَكْنِيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَهُ –

وَلاَ أُلَقِّبُهُ وَالسَّوْءَةُ اللَّقَبُ، وهذا مختص بالإنسان دون غيره، وهو الأصل. وقال – في وجه دلالة الكنية على الاحترام: كي لا يصرح في الخطاب باسمه، فإن بعض النفوس تأنف من أن تخاطب باسمها.

 وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكنّي حتى الصغار، مثلاً؛ يا أبا عمير ماذا فعل النغير، وفي الحالة المعاصرة قد يعني الانفصال عن الزمان والمكان والعروج الى التاريخ ويدرّ الشرعية الدينية وهو وسيلة للتسويق الاجتماعي بين المجتمعات المسلمة، وذلك من خلال محاولة ادعاء مقاربة الصحابة والعلماء والقادة التاريخيين وزمانهم الفضيل مثل كنى أبو قتادة وأبو طلحة عند المجاهدين.

  وكان شعراء الستينات قد حذوا حذو علي أحمد سعيد أسبر الذي اختار اسماً سوريّاً قديماً من أسماء الآلهة هو أدونيس، ونحا نحوه فايز خضور الذي اختار اسم إله الخمر باخوس، وصدر الدين الماغوط الذي اختار اسم زيوس رب الأرباب عند الإغريق. الثلاثة من أقليات دينية. السنّة يهاجرون إلى صدر الإسلام، العلوية ومن شاكلهم إلى الأولمب الإغريقي.

استنَّ الكرد بسنّة العرب بعد دخولهم الإسلام، سمعنا بأسماء المقاتلين الكرد الذين انتظموا في صفوف الفصيل الموازي للعمال الكردستاني الذي اختار اسماً جديداً حسب توصية من الأمريكان، حيلةً للالتفاف حول تصنيف العمال الكردستاني بالإرهاب، وشاعت ألقاب مثل بارين كوباني وألدار وأرين وأفيستا خابور. الألقاب الكردية بعد الربيع العربي ونزول جبل قنديل إلى السهل السوري نزحت إلى التاريخ البعيد الأسطوري والعرقية الزرقاء. مثل العلويين الذين يعيدون التذكير بأن التاريخ السوري العظيم يمتد إلى عشرة آلاف عام تبرؤاً من الإسلام أو إنكارا له.

قديماً كانت أسماء جلّ زملائي من الكرد عربية إسلامية؛ أحمد ومحمد ومحمود، قليلٌ منها كردية، وتشبه الأسماء العلوية والمصرية. الدنيا تبدلت فالإقبال كبير على تسمية المواليد بأسماء كردية في زمن البعث القومي. حروف اللقب هي حروف القلب، أي حروف الإبدال والتبديل.

وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يستحب الأسماء الحسنة، وغيّر رسول الله اسم العاص، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وشهاب، وحباب، فسماه هاشماً، وسمى حرباً سلماً، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضاً يقال لها: عفرة خضرة، وشعب الضلالة سماه شعب الهدى، وبنو الزينة سماهم بني الرشدة، وسمي بني مغوية بني رشدة، وكان يبدل القسم الخبيث من الاسم بالطيب ويحافظ على بقية الاسم، حفظاً للأنساب وحق الأب: “ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ” الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن الكريم هو زيد بن حارثة تكريماً له وتعويضاً عن سنوات اليتم والطلاق من زينب، وحرمانه من اسم النبي الذي نُسب إليه، فاسمه يتردد  في صلوات المسلمين إلى قيام الساعة. الأب معدوم في أسماء المقاتلين الكرد، الكردي ما يزال يتيماً ينتسب إلى العدم الثوريّ!

كان نظام البعث السوري الطائفي المتقنع بالعروبة على نقيض البعث العراقي الكريم يمانع في اتخاذ الأسماء الكردية. عرّب أسماء القرى الكردية، قرى مثل بريقا وموسيسانا وصوركا سُميت بأسماء مثل الفرزدق والحميراء وغزالة قبل أن تخلع الثورة أقنعته الطائفية. وكان بعض الأسماء الكردية يتسرب إلى البطاقات الشخصية بالنفوذ أو الحظوة أو الرشوة، قديماً اتخذ الشعراء الكرد ألقاباً مأساوية مثل؛ نالين (الأنين) وهوار (النجدة) وكوني رش (الخيمة السوداء) وآهين وهي من التأوه، وزِك أيش (الوجع). انتبه كردي وافد من إيران في أحد المؤتمرات الثقافية إلى السمة المشتركة بين ألقاب الحضور، فقال ساخراً: أسماء نواح وسواد، أيها السادة اطلبوا سيارة الإسعاف لتسعفكم إلى المشفى للعلاج.

  تأسّى قادة الكيان الكردي الستاليني الوليد برعاية القابلة الإمبريالية، بالبعث العربي حذو الحافر بالحافر، فأطلق على القرى والقصبات العربية أسماء كردية. ألقاب المقاتلين والمقاتلات حربيةٌ، عنيفة، مطلقة، نازحة إلى العرق الصافي، والديانة الزرادشتية، والتاريخ البعيد. الأسماء الحزينة نزحت إلى أوروبا وازدادت حزناً واستغاثة، وهي في غالبها منكرة للآباء والأجداد، منقطعة ومنبتّة. نسينا إطلاق كنية بافي آزاد على جورج بوش، أما أبو ايفانكا فهو للتعريض والسخرية.

 الشوارع في الكيان الكردي الجديد هي نفسها، الضرائب كبيرة، الرقابة زادت. الجوع هو نفسه، التعليم زفت، لكن والحق يذكر، الألقاب ثورية خلابة، سكوب بالألوان، والقبور رخامية، مجصصة، شديدة الجمال، ومنارة بالشموع. تدوين اسم السكر على كيس الملح لن يجعل النحل يحط عليه.

Leave a Comment