معرفة الآخر المختلف مقدمة لاحترامه

عبدالباسط سيدا

تبادلتُ الأفكار مع صديق سويدي عن أهمية وحيوية موضوع اندماج المهاجرين في المجتمع السويدي، وذلك في سياق البحث عن أفضل السبل لمواجهة المشكلات المترتبة عن تنامي نزعات التشدد الديني والتطرّف القومي، ومشاريع الإحباط والنقمة، نتيجة البقاء على هامش المجتمع، بالنسبة إلى مهاجرين كثيرين. هذه المشاعر التي تتجسّد في حوادث قتل وصراعات مستمرة بين مجموعات أو عصابات الجريمة، وحالات تفجير، أصبحت بكل أسف جزءاً من المألوف اليومي السويدي في السنوات الأخيرة. من بين موضوعات توقفنا عندها موضوع تدريس مادة الدين، التي تدخل في مناهج مختلف المراحل الدراسية في السويد، وهي تبحث في تاريخ الأديان الخمسة الرئيسة في العالم (اليهودية، المسيحية، الإسلام، الهندوسية، البوذية)، تقدم للطلاب فكرة عن نشوء هذه الأديان وأنبيائها أو مؤسسيها، إلى جانب تعاليمها وكتبها المقدسة، وأهم طقوسها وأعيادها ومناسباتها. وافقني صديقي على أن الأديان بصورة عامة تركز على القيم النبيلة، كما تدعو إلى الخير، وتحرص على أن يكون السلوك الإنساني ملتزماً بالمبادئ الأخلاقية، فلا دين يدعو إلى القتل أو السرقة أو الكذب. ولكن المشكلة في مواقف الذين يخلطون بين الدين والسياسة، أو يحاولون استغلال الدين لتسويغ مزاعمهم التكفيرية أو العنصرية، بل يحاولون توظيف الدين لبثّ روحية الكراهية بين معتنقي الديانات المختلفة.
وكانت وجهات نظرنا متطابقة بشأن ضرورة احترام اتباع كل دين معتقدات أتباع الأديان 

“الدين لا يدرّس بوصفه مادة تخضع للفهم المعرفي، بل بوصفه مادّة توجيه تعبوية أيديولوجية”

الأخرى، لأن المعتقدات الدينية “حقائق مطلقة” في منظور المؤمنين بها، وهي في نهاية المطاف معتقدات إيمانية، لا يمكن إقناع غير معتنقيها على الإيمان بها بالأدلة العقلية الملموسة، فهي معتقداتٌ قد يأخذ بها المرء، وقد لا يفعل ذلك. وما دامت تنتمي إلى دائرة “الحقائق” المطلقة بالنسبة إلى أصحابها المؤمنين بها، فليس أمامنا من سبيلٍ لتحاشي الخلافات والصراعات والتصادمات الدموية، سوى الإقرار بضرورة احترام معتقدات الآخرين، وذلك على قاعدة احترام حرية الرأي والتعبير والمعتقد.
وأمر كهذا لا يستقيم من دون الفصل بين الدين بـ “حقائقه” المطلقة، وفق منظور معتنقيه كما أسلفنا، والدولة/ السياسة بحقائقها النسبية المتغيرة التي تتبدّل وفق حاجات مواطنيها، فهذه الأخيرة، ما لم تكن حيادية دينياً وقومياً وأيديولوجياً، لا يمكنها أداء دور الجهاز الإداري الذي يقوم بمهمة إدارة المجتمع، وتأمين حاجات الناس فيه من دون أي تمييز. واللافت في الأمر أن الغالبية العظمى من المسلمين القاطنين في السويد، وفي بقية المجتمعات الأوروبية، والغربية عموماً، يقرّون بأهمية مثل هذا الفصل في مجتمعاتهم الجديدة، لأنهم يجدون فيه ضمانة وتأميناً لحقوقهم، ولمستقبل أفضل لأبنائهم وأحفادهم. ولكن هذه النسبة تتضاءل بصور دراماتيكية، حينما ينتقل الحديث إلى موضوع الفصل بين الدول والدين في مجتمعاتهم الأم. حينذاك يغدو الدين من أوجه الهوية الوطنية، الأمر الذي يفسح المجال أمام المطالبة بالهويات المذهبية، والأخرى الما قبل وطنية، إذا صحّ التعبير. وهو ما يمكّن من استغلال الدين أو المذهب في ميادين التعبئة والتجييش لغايات سياسية، وهذا ما عانت وتعاني منه منطقتنا منذ مدة طويلة.
هذه الازدواجية في تعامل غالبية المسلمين القاطنين في الغرب، مع موضوع ضرورة الفصل بين نمطين متمايزين من “الحقائق” والمعطيات، تسهم في تعزيز مواقع المتشدّدين من جماعات الإسلام السياسي، فهؤلاء يقاومون سياسات الاندماج، ويدعون إلى مقاطعة الانتخابات والمؤسسات التي تقوم عليها الدولة الغربية، والقواعد غير المكتوبة التي تضبط العلاقات بين الأفراد ضمن المجتمع. ويساهم ذلك كله في تعزيز مواقع المتطرّفين العنصريين في المجتمعات المعنية، هؤلاء الذين يرون خطراً وجودياً في تزايد عدد المسلمين، يهدّد كيان مجتمعاتهم، وهويتها الثقافية.
وما لا شك فيه أن لمضامين مناهج التربية الدينية عندنا، في مختلف المراحل الدراسية قبل الجامعة، إلى جانب مضامين الموادّ التي تدرسها كليات الشريعة، دوراً محورياً في تكريس هذا التمسك بضرورة الربط بين الهوية الدينية والإسلامية والدولة في المجتمعات العربية، والإسلامية بصورة عامة، من قطاع واسع من المسلمين، غالباً ما يشكلون بصورة فاعلة، أو منفعلة، الحاضنة التي تستقوي بها جماعات الإسلام السياسي، فالدين بصورة عامة لا يدرّس بوصفه مادة تخضع للفهم المعرفي، ومعاييره ومناهجه، بل بوصفه مادّة توجيه تعبوية 

“عدد المسلمين في السويد، بغض النظر عن مدى التزامهم بالعبادات وإقامة الشعائر الإسلامية، يقارب اليوم المليون”

أيديولوجية، لا تقرّ في معظم الأحيان، بأي شرعية للمعتقدات المخالفة.
وتشعب الحديث بيني وبين صديقي السويدي الذي فاجأني بما لم أكن أتوقعه منه، وخصوصاً في مناخات التشنج والتوتر التي تخيّم على علاقات الجاليات المسلمة مع محيطها الغربي، وذلك بفعل وجود المتشدّدين والمتطرّفين على الضفتين، فقد دعا صاحبي إلى ضرورة الإقرار بواقع التغيير الديموغرافي في بنية المجتمع السويدي، فعدد المسلمين في السويد، بغض النظر عن مدى التزامهم بالعبادات وإقامة الشعائر الإسلامية، يقارب اليوم المليون. ولا توجد مدينة سويدية خالية من المسلمين، ولذلك لا بد من تعديل الأنظمة والقوانين، وحتى المفاهيم، ولا يزال الكلام لصديقي السويدي، لمراعاة هذا الوضع، فأيام العطل الرسمية ما زالت تحدد وفق الأعياد والمناسبات المسيحية، كما أن قائمة أسماء الأيام في التقويم السويدي ما زالت خالية من الأسماء الإسلامية، وحان الوقت لأخذ الأعياد والمناسبات الإسلامية أيضاً بالاعتبار. هناك متغيرات علينا أن نقرّ بها، ونأخذ الإجراءات اللازمة للتكيّف معها. مع العلم أن هناك جملة من الإجراءات السابقة التي تراعي الوجود الإسلامي في السويد، فالمدارس السويدية ملتزمة بتأمين خياراتٍ متعدّدة في وجبات الطعام المجانية، حتى يتمكّن تلاميذ المدارس الأساسية، وطلاب المرحلة الثانوية من المسلمين، من تناول الوجبات الخالية من لحم الخنزير، إذا أرادوا بطبيعة الحال. كما أن عملية بناء المساجد وحصولها على الدعم من البلديات والدولة، وحتى الإقرار بحق رفع الأذان عبر مكبّرات الصوت في أيام الجمعة. وعدم التمييز بين طالبي العمل بسبب ارتداء الحجاب. كل هذه الإجراءات، وكثير غيرها، باتت جزءاً من الروتين اليومي المقبول. ولكن الملاحظ ميل نحو الاستعداد لعمل المزيد، حتى ترتقي القواعد والقوانين إلى مستوى 

“تحتاج مناهج مادّة الدين أو الديانة عندنا لمراجعة جذرية، لتركز على تاريخ الأديان الكبرى وتعليماتها بحيادية وموضوعية”

المستجدات في الواقع المعاش.
فوجئت وسررت، في الوقت ذاته، بكلام صديقي السويدي، وخصوصاً أننا نعاني من الآثار السلبية التي خلفتها الجرائم الإرهابية التي طاولت بلداناً أوروبية عديدة، ولم تكن السويد نفسها بعيدة عنها. ولكنه صوت العقل الذي يدفع بصاحبه إلى التأمل والتمعّن في واقعه، ويعمل من أجل استنباط الحلول التي تستوجبها المعطيات والمشكلات الملموسة التي يعيشها واقعاً قائماً. وذلك على النقيض تماماً من أصحاب الذهنية النكوصية عندنا، هؤلاء الذين ما زالوا يعتقدون بضرورة العودة إلى ماضٍ ركّبوه في خيالهم، بعد إهمال الوضعية المشخّصة بتفصيلاتها التي كانت في يوم ما، مع أنها مغايرة تماماً لتلك الوضعية التي نعيشها راهناً، وهي وضعية لا تتقاطع، من قريب أو من بعيد، مع الصورة المتخيّلة التي تحرّكهم، سواء في مجتمعاتهم الأصلية أو الجديدة.
تحتاج مناهج مادّة الدين أو الديانة عندنا لمراجعة جذرية، لتركز على تاريخ الأديان الكبرى وتعليماتها بحيادية وموضوعية، حتى يتمكن أبناء مجتمعاتنا من أتباع الأديان والمذاهب المختلفة من فهم بعضهم. والفهم عادة يكون الخطوة الأولى على طريق الاحترام والإقرار بحق الاختلاف. كما أن الاطلاع على الأديان الأخرى سيسهّل عملية التواصل الحضاري عبر تبديد الهواجس، والقطع مع الأحكام المسبقة السلبية. أما الإصرار على التمسّك بالمناهج الحالية، ومنع طلبتنا من الاطلاع على الأديان الأخرى، فمؤداه الاستمرار في تجاهل الآخرين، وتجهيل الذات، وقديماً قيل: الإنسان عدوّ ما يجهل.

العربي الجديد

اترك رد