ضحك ولعب وعجل وكلب

ضحك ولعب وعجل وكلب

أحمد عمر

أحد شروط الإقامة الدائمة في ألمانيا هو تحصيل درجة من معرفة اللغة الألمانية تؤهل النازح الوافد؛ للسفر والحضر، ومن عرف لغة قوم أَمِن شرهم (وأَمِل خيرهم)، والفرنجة يقسّمون المعرفة إلى مراتب وطبقات، وقد غدت المعرفة نسباً مئوية، لا يخلو بحث عربي معاصر من ذكر النسبة المئوية، حتى إنّ قصائد الهايكو العربية احتوت مؤخراً على عبارات مثل: أحبكِ بنسبة 99 بالمئة. الواحد بالمائة خطأ حسابي في تجربة المخبر. الواحد بالمائة معارضة سورية ضد الرئيس الرمز الذي يرفض التخلّي عن المسؤولية في المخفر.

الامتحان أيضاً طبقات وأقسام وممرات وغرف ونوافذ، ثلث العلامة هي على حسن الاستماع وتمييز الكلمات، وربعها على الكتابة، وثلث العلامة على الحديث والحوار، والحوار أنصاف وأخماس وأسداس ليس فيه فيء، أهم أقسامه؛ الترجمة الذاتية أو تقديم الذات، الهوية، ويمكن حفظها عن ظهر قلب، والقسم الثاني من الحديث، أو الحكي، حوار بين شخصين، يمكنهما التعاهد على الحوار بين طالبين من غير مأذون ومهر ومؤخر صداق، ويفضّل أن يكون بين ذكر وأنثى من أجل التمكين العاطفي والإنشاء الاجتماعي، والقسم الثالث من الحديث الشفاهي هو: وصف صورة. تسلُّ اللجنة الفاحصة المبارِزة، صورةً فوتوغرافية من غمدٍ ورقي خفي، وعلى الممتحن وصف الصورة والنجاة بالنفس من السقوط في معركة الاندماج. وغالباً ما تكون اللجنة من امرأتين.

دائماً كنت أسقط كجلمود صخر حطّه السيل من علٍ، في السماع والكتابة، وأعبر صراط الحديث والحوار بنجاح، وكنت أنسى الكلمات الألمانية، فكل كلمة ألمانية لها وصيفات مساعدات وحاشية لا تخطو خارج خبائها من غير رعايتها، مثل الزي الكردي النسائي المعقد، لا يمكن التعبير بالكلمة إلا مع حروف جرّها ونصبها ورفعها وشدِّ نطاقها وجرِّ أذيالها. أبرزت ليَّ اللجنة مرّة من إحدى معاركي الخائبة في الاندماج اللغوي، صورة امرأة في سوبر ماركت، وعليّ وصفها وهي بثياب البرِّ، وقد قلّت الفروق الطبقية بين ثياب البرِّ وثياب البحر، والوصف الحسن يكون بوضع العنوان المناسب بادئ ذي بدء: شراء في سوبر ماركت، لكني نسيت كلمة شراء، ونسيت اسم سوبر ماركت، ونسيت امرأة أيضاً مع أنها لا تغيب عن خيالي ولا عن عيني ولا عن قلبي المعنّى، فقلت وقد نسيت اسم جنس المرأة وناحت بقربه حمامة: أرى أمامي كائناً، هو النصف الثاني من البشرية، وبعضهم يزعم أنه الأول، نصفه الخشبي الذي يخضّرُ في كل الفصول، ونحن نصفه الحديدي الذي يصدأ بسرعة، فاحتارت اللجنة، واللجنة تحافظ على الحياد، فقلما تظهر مشاعرها، إخفاءً للعلامة، أو حرصاً على العدل الأعمى، فسألتْ إحداهما على استحياء: من تقصد بالكائن؟ حمدتُ ربي أني تذكرت كلمة الكائن ولم أقل بدلاً منه: شيء، قلت: الكائن الرقيق، الكائن الذي يقبل بأربع ويدبر بثمانية، ويجعل الحياة القاسية طرية كأنها منقوعة في الماء منذ فجر الخليقة وانبلاج الكينونة، أظنُّ أني جعلت اللجنة في حيرة، واستطعت شق ابتسامة بمحراث كلامي في المناطق المحايدة، وتابعت: وهي تريد أن … أن.. لقد نسيت فعل الشراء، أن تعد طبخة اليوم للأسرة، وكان عليّ أن أذكر أسماء الخضروات والفواكه المصفوفة في سطور على مدرجات البيع، فتذكرتُ البندورة الحمراء، ونسيت اسم البندورة السوداء، ولا أعرف سبب التسمية الكردية للباذنجان بالبندورة السوداء، لعله الكسل، أو أن علّته تاجهما الملكي المشترك أو الموسم، فاستغربتا، ثم فتحتُ فتحاً مبيناً فقلت لهما إن الثمرة السوداء اسمها في بلادنا بيض العجل، وكنت نسيت اسم العجل، فقلت: ابن البقرة، والباذنجان اسم من فارس، جاء في لسان العربي، الأَنَبُ: الباذِنْجانُ، وَاحِدَتُهُ أنبه، عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. وأَصْبَحْتُ مُؤْتَنِباً إِذَا لَمْ تَشْتَهِ الطَّعامَ. وابن الأعرابي: القهقب، وفي لغة أخرى: الكهكب، والكهكم، ومن أسمائه بالعربية: الوغد والمغد والحذق.

فسألت الشابة منهما مصعوقةً: أيبيض ابن البقرة في دياركم؟

بلادنا بلاد ألف ليلة وليلة، بلاد المستحيلات الثلاث: الغول (الرئيس) والعنقاء (أمل عرفة) والخل الوفي (أدونيس الذي يريد المظاهرات خارجة من حسينية لا من جامع)، ابن البقرة يبيض ويحيض، وهو وزوج أمه البقرة فعلا بنا الأفاعيل وجعلانا نتكلم بلغة الإشارة في الوطن والمنفى.

وتابعت الطعن بالرماح في صدور الفاكهة وأنا على صهوة الأدهم: وهذه “بنانا”، وقد حفظته لأنّه من البنان، أي من أصابع الإنسان، أهم شرط في تعلّم الألمانية هو معرفة جنس الكلمة، كل كلمة يجب أن يفحصها المتكلم مثل حاجز سوري يائس، يتسلى بعورات الحرائر وذلّ الأحرار، فيرفع تنورة الكلمة ليعرف أهي ذكر أم أنثى أم خنثى بلا جنس، ويتهمنا الغرب بالذكورية، حتى نقرّ بالمثليّة صاغرين، وفي العربية كلمات مجازية يجوز تذكيرها ويجوز فيها التأنيث: وما التأنيثُ لاسمِ الشّمسِ عَيبٌ / ولا التّذكيرُ فَخْرٌ للهِلالِ.

كنت أصف المشاهد بطريقة جورج بوش الابن، الذي لم يكن يحفظ أسماء الرؤساء ولا يفهم في الجغرافيا السياسة، فيقول: على الرئيس الذي له شارب أسود أن يخرس، وعلى الرئيس الأصلع أن يحافظ على الاتفاقيات بيننا وهكذا.. وكنت أكتب على طريقة زميلة قديمة من أيام الثانوية، ترجمتْ كتاب مارغريت كان “أبناء الجن”، وكانت زميلتي غفر الله لها، تكثر من هذه العبارة: الشي الذي له خاصية كذا، الحيوان الذي له خاصية كذا.. كما في المعاجم.

عليّ أن أتذكر اسم الكمثرى “التي لها خاصيّة” شبه القرع أو الكمنجة والمشمش والتوت البري والسفرجل، وهي في ملتي واعتقادي عقاقير صيدلية، لقد خانتني الذاكرة خيانة عظمى، فوصفتُ طعومها، هذه فاكهة حارة الطعم وهذه رطبة، وهذه باردة، وهذه تصيب الإنسان بالغصّة، وهذه تشعر المرء بالاغتراب، وهذه تروي العطش، وهذه فاكهة الحنين، واللجنة محايدة تنظر إليّ كما لو أني أقدم فقرة من سيرك باللسان، “المرء بأصغريه لسانه وقلبه”، وقد حوّل شاعر الحكمة زهير بن أبي سلمى هذا الحديث الشريف فنظمه شعراً:

لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ/ فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ

استطعتُ أن أزحزحهما عن الحياد، والحياد نعمة، حتى إن إحداهما كادت أن تضع يدها على جبيني لتقيس حرارتي. وهناك يظهر كلب في الصورة، انبرت إحداهما وسألت: ما رأيك بصداقة الكلاب؟

كدت أسأل: الكلاب البشرية أم الكلاب الحيوانية؟ فما رماني في هذه العجمة سوى كلب، لكن خانني لساني خيانة عظمى، واللسان له “خاصيّة” الخيانة، والإنسان حيوان ناطق، فقلت: الكلاب حيوانات جميلة، والإنسان يحتاج إلى صداقة غير البشر، ثمة كلب ينبح، وكلب يموء (يعني قطة، التي نسيت اسمها)، كلب يخور (يعني بقرة، التي نسيت اسمها)، حمار، وحصان (قلت حمار كبير وصهلت)، عصفور وزقزقت، والوطن تعريفاً؛ هو صداقة الإنسان للمكان، بيت، حائط، مكتبة، عش، شجرة، صخرة في الحي.. طبعاً كنت ألفظ الكلمات معزولة من غير جسور ووصيفات وحاشية. لقد صرت إنساناً له “خاصيّة” الحنين.

فشققت ابتسامة على الوجهين المحايدين شقا، وحبّا وعنبا، بسكّة كلماتي الحادة التي “ليست كالكلمات”، كما قال نزار قباني وغنّت ماجدة الرومي.

هل سبق أن كان عندكم حيوان؟

قلت: سبع..

قالتا معاً: سبع، تقصد أسد؟

قلت: لا.. لست الزير سالم، هذا رئيس جمهوريتنا يا مولاتيي، ويا عين مولاية، وهو أسدٌ علينا وفي الحروب مع العدو نعامة، في سرّي طبعاً، والحقيقة كنت أقصد سبع هررة إحصاءً عدداً، الهررة ملكية جماعية للحي، الكلب حيوان فردي أو هو ملكية للأسرة، بلادنا تفضّل الهررة على الكلاب، ولم أدخل في مشاكل الكلب الفقهية بين كراهية الشافعية وتساهل المالكية، السبب ديني، لم أرد تقليب المواجع، فالإسلام غير محبوب في بلاد الفرنجة، شافعيةً أو مالكيةً أو حنفيةً أو حنبلية، هو دين الإرهاب واستعباد المرأة والزوجات الأربع والذبح الشرعي بالسكين والصندوق الفكري المغلق، وصندوق الانتخابات المزور وعداء المثلية وقوم لوط الفاضلين.

وهانت علي نفسي، واستعبرت، وقلت لها: أبلغ بك الهوان أن يشفع لك كلب، وتجير عليك سبيّة ليس عليها سوى ورقة توت، وقد كنت تقضي نهارك بين طعن القنا وخفق البنود ثم قالت لي نفسي: اخرس، واحمد ربك أنك نجوت من الموت تحت التعذيب وذلّ البطاقة الذكية.

كنت أنجح دائماً في الحديث والكلام الشفاهي بلغة الإشارة والصم والبكم والتأويل، أو أُزحزح عن السقوط، وأرسب في بقية معارك الاندماج التحريرية، والحصيلة هي الرسوب، زملائي الشباب ناجحون، سألت أمس سوريا عابرا عن الحال والصحة، فأجاب جوابا من الوطن وكأنه تحت الرقابة أو أنه في امتحان: الله يطفيها بنوره. هذا جوا ب وطني، لقد تشيّع سياسيا، ويتعهد لسانه بالكتمان، وهي “خاصيّة السوري” الجديدة، حَتّى تَنْفَرِدَ سَالِفَته أَوْ يُنْفِذَ اللهُ أَمْرَهُ.

المدن

Leave a Comment