الحلقة الأضعف ..بين الأمنيات والواقعية السياسية

محمد الحموي كيلاني

القفز على الواقع يقع تحت مسمى الأمنيات، والأحلام البعيدة عن الواقعية السياسية والفوضى الموجودة على الأرض وواقع الارتباط بقوى خارجية، والحاجة للداعم، والتحرك ضمن المحاصصات والمخاصمات والمصالح ، واقع لا انفكاك منه في الراهن المزري .
فالشمال المحرر من قوات نظام الأسد والمغتصب  من القاعدة وأذنابها، والمكشوف بكل تفاصيله لأجهزة المخابرات في العالم، وسماؤه المفتوحة لطيران قوى عظمى، وميدانه المتاح لكل أنواع السلاح الثقيل والمحرم دوليا، لا يجعل الخيارات كثيرة وممكنة كما يتمنى أصدقاؤنا المحللون، المغيبون عن الحقيقة، المتمسكون بخطاب الأمنيات والعاطفة، البعيد عن الحسابات السياسية للدولة الحليف وصراعاتها الداخلية في تقبل اللجوء بهذا الححم الكبير وتبعاته الكثيرة والمربكة أمام المعارضة السياسية وإعلامها في تشويه صورة اللاجئ السوري في الإستخدام المقصود لأي خطأ وتعميمه ليشمل كل من يحمل جواز السفر السوري في تهييج مناصريهم ضد وجود اللاجئين وأدنى حقوقهم ، ثم استخدامهم كورقة ضغط لتحقيق مكتسبات سلطوية غالبا ما تنعكس نتائجها على اللاجئ المنهك والقلق غالبا .
وأمام المناكفات الدولية والتهديد المستمر في دعم حزب الاتحاد الديمقراطي العدو التاريخي لتركيا من قبل الولايات المتحدة والدول الوظيفية المساندة بالمال، ودعم نظام الأسد اللامحدود من قبل روسيا وايران الدولتين الأكثر أهمية في تأمين الطاقة والعلاقات التجارية والإقتصادية
الخيارات الضيقة التي تلعب عليها تركيا يبدو بأنها تزعج هؤلاء  الحالمين فعلى تركيا أن تلتزم بواجبها الأخلاقي في دحر نظام الأسد بعتادها وجنودها وإلا فهي شريك بالقتل والتدمير والإحتلال أيضا كما يزعمون ، وجلّ من يعبر عن استيائه لا يمكن لومهم على أي حال لكثرة الضغوط الإجتماعية والإقتصادية والحرب التي حصدت الأرواح والممتلكات والإرتكاء على حليف يطمئنون له ، ولا تعنيهم الظروف الدولية ، وإمكانية تحقيق الممكن كما هو التعريف الأقرب للممارسة السياسية .
فتركيا أمام معادلة كثيرة التعقيد أمام حافّة توازنات القوى الغربية والأمريكية على وجه الخصوص وكثيرا ما يصرح الطرفان حول العلاقة التاريخية والاستراتيجية لكلا البلدين .
فحلف الناتو الذي كان مظلة للدولة التركية فيما مضى باتت تركيا فيه اليوم القوة الأكبر بعد الولايات المتحدة ، دونا عن الأهمية الجيوسياسية والجيو استراتيجية للدولة التركية .
وعندما نقول بأن العلاقة إستراتيجية لا يمنع وجود خلافات في تاريخ هذه العلاقة وصل فيما مضى إلى قطع المساعدات الأمريكية بعد التدخل التركي في قبرص سنة 1974 ليستمر حتى عام 1981 ، وأزمة الصواريخ الكوبية سنة 1962 ، إلى خلاف اليوم الذي تدعم فيه الولايات المتحدة الأمريكية وحدات حماية الشعب الكردية السورية التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية تابعة لحزب العمال الكردستاني .
وبين روسيا الدولة الكبرى بعد انهيار الإتحاد السوفييتي والساعية بلا هوادة لوضع أقدامها كدولة عظمى ، الدولة الأكثر خطرا وتهديدا للغرب الذي يسعى للوقوف حاجزا أمام حلم روسيا في الوصول للمياه الدافئة منذ زمن طويل ، مع علمها بأهمية الدولة التركية في مواجهتها أمام تمددها في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى ، كما حققته سابقا في حماية الضفة الجنوبية والجنوبية الشرقية من الإتحاد السوفييتي سابقا .
صباح الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 2015 أسقطت المقاتلات التركية طائرة روسية من نوع سيخوي 24 بعد تحذيرها لعدة مرات من اختراقها للأجواء التركية ، مع علم روسيا بإبلاغ رئاسة الأركان التركية بان تركيا ستنفذ قواعد الاشتباك قبل ذلك التاريخ .
هذه الأزمة كانت نذير انفجار التوترات بين البلدين ، إلا أنَّ الدبلوماسية بين البلدين خلصت إلى ابتلاع الأزمة والتعامل معها استراتيجيا بما يضمن مصالح البلدين رغم الخلافات القائمة حول مستقبل سوريا ومصير نظام الأسد  .
لا تزال تركيا تمسك العصا من الوسط ، لكن إلى متى ستبقى قادرة على هذا الأمر وخاصة بعد توقيع أنقرة صفقة صواريخ نظام أرض – جو إس 400  والذي يمثل تهديدا للولايات المتحدة والغرب وحلف الناتو في ظل تنامي القوة الروسية .
العقوبات الأمريكية قرار لا يمكن للولايات المتحدة أن تتجاوزه بالرغم من العلاقات الطويلة وانتهاء بالعلاقة الودية والشخصية التي تجمع بين الرئيسين ترامب أردوغان بدأت ملامحها مع مطالبات البنتاغون إيقاف شراكة طائرات إف 35، وإبعاد وترحيل الطيارين الأتراك بعد الإصرار التركي على صفقة الصواريخ الروسية رغم كل التحذيرات والتهديدات الأمريكية .
وربما نشهد انفراجاً للعلاقات كما شهدناه العام الماضي  بتسليم القس الأمريكي الذي انتهى  بإنهاء العقوبات الإقتصادية في مضاعفة الرسوم الجمركية على الألمنيوم والصلب التركي ، وهذا لا يعني انتهاء الأزمة ، أو المشاكل المتعلقة فالسلاح خط أحمر والتجاوز فيه لا يمكن أن يمر بسهولة أو بدون عقاب ، وعلى تركيا أن تجد مخرجاً ، ربما يكون الحشد التركي المتصاعد على الحدود السورية المقابلة لتل أبيض أحد أدوات الضغط ،  ولا شك بان إجتماع الوفد التركي الأمريكي في واشنطن وعلى أعلى المستويات سيتناول الملفات المتعلقة بأزمة الصواريخ الروسية وملفي اتفاق خارطة الطريق في منبج والمنطقة الآمنة في سوريا .
إذاً هي خلافات وانفراجات لا يمكن بتصوري أن تصل للمعنى الحقيقي للأزمة، فهذا التحالف له أسس سياسية واقتصادية وأمنية مهمة جدا ، وبالتالي التضحية به ثمنه أيضا غال جدا .

إذا نحن نتعامل مع حليف يبدو قوياً لكنه لا يملك إلا أن يكون متوازناً بين طرفي كماشة على خريطة الصراعات الدولية والإقليمية وطموحات التمدد والسيطرة ، والتهديد المباشر للأمن القومي عند الحدود الجنوبية الشرقية من قبل حزب العمال والتنظيمات الأيديولوجية  المتطرفة ومعادلة الأسد ، وأيضا من صراعاته السياسية في الداخل والأزمة الإقتصادية التي بدت ملامحها  ، وبين تعهداته للواجب القيمي والأخلاقي تجاه شعب دمّرت الحرب كل سبل عيشه في استضافة ما يقارب أربعة ملايين لاجئ ، وتمهيد الحياة في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون في الداخل السوري ، والدعم بالمال والسلاح لفصائل المعارضة المعتدلة وتحقيق توازن القوة على الأرض في مواجهة روسيا ونظام الأسد ، بالتوازي مع العمل الدبلوماسي في تحقيق اتفاق ادلب ومناطق خفض التصعيد ثم المنطقة الآمنة  .
في ظل هذه الضغوطات الكبيرة داخليا وخارجيا واقتصاديا يجب أن ننظر إلى تركيا على أنها الخيار الأسلم في مراهنات القوة ومعادلات المصالح ، وأن نكون صرحاء في بيان الأخطاء والمطالبة بتفسيرها والتعاون على تصحيحها ، هذا إن أردنا أن نتعامل مع خياراتنا المحدودة بعقلانية وواقعية ما دمنا الحلقة الأضعف  .

محمد الحموي كيلاني – خاص بالموقع

المقالة تعبر عن رأي كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأي الاتحاد

اترك رد