ضياع

ميشيل كيلو

عندما يكون هناك طرفان في غرفتين من سجن، وتمس حاجتهما إلى التعاون وتبادل المساندة، ثم يشتم بعض من ينتمي إلى أحدهما الآخر، ويلفق عنه أكاذيب تحول دون تفاهمهما، فإن هذا يكون دليلا يثبت عدم جدارتهما السياسية، وقدرتهما على الخروج من حالٍ لا يفيد منها أحد غير سجانهما.
أكتب هذا بسبب الحملة الظالمة التي تعرّضت لها من أشخاص يقبعون في الغرفة الأخرى من السجن الذي يتقاسمه الإسلاميون والديمقراطيون، بمناسبة “نصيحةٍ” تقدّمت بها بعد وفاة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، رحمه الله، ضمّنتها نصين، قلت في أولهما إن العقوبات التي أعلنت واشنطن رغبتها في فرضها على الإخوان المسلمين لن تكون خطيرة، إن كان وضعها الذاتي كفيلا بردع خصومها، والحؤول بينهم وبين الإقدام على تحدّيها، وبإجبارهم على التراجع عن أي حماقة قد يُقدِمون عليها. وذكرت في ثانيهما أن غياب الرئيس مرسي يمكن أن يكون مناسبة لمراجعة جدية لنهج الجماعة ومنطلقاتها، لاعتقادي أن مراجعة سياسات أي تنظيم لا تتطلب بالضرورة التراجع عن أسسه الفكرية التي تحتمل قراءاتٍ متنوعة، وتحتّم هجر أي قراءة تبين التجربة أنها لم تكن ناجحة، بل راكم التمسّك بها الفشل الذي يدعو إليه من يدافعون عن واحدية خطها، أمثال الذين انتقدوا ما لم أقله، وتحاشوا انتقاد ما قلته، وجعلوه حقدا علمانيا على الإسلام، متجاهلين تأكيدي، المتكرّر مئات المرات، أن خروج المنطقة من نظمها غير الشرعية محالٌ من دون تسوية تاريخية بين تياريها السياسيين والثقافيين الرئيسين: الاسلامي والديمقراطي. وأن عليهما كليهما مراجعة خياراتهما وأساليب عملهما وتجربتهما التاريخية، ليتقدّما نحو رؤية تحول مشتركاتها دون تلاعب سجانهما بهما، وبخلافاتهما التي لم تفد أحدا غيره، ولم يعد لها من مسوّغ، غير التوجس غير المسوّغ من الآخر، تارة لأنه علماني، وطورا لأن السياسة الإسلامية كافية وافية، وتتنافى حتما مع أي سياسةٍ أخرى، وأخيرا ، لان من مقومات انتصار احدهما التنكر لحق الآخر في الوجود داخل غرفة السجن الأخرى ، وهي في اوهام كثيرين محض اسلامية أو محض ديمقراطية، ومن غير الجائز أن يغطي نشاط نزلائها السجن بكامله، وبمفرداتٍ مخالفةٍ مفرداتهم، وأهدافٍ مجافية أهدافهم. ينطبق هذا على سجناء الغرفتين، بمن في إحداهما من ديمقراطيين يتهمهم بعض الإسلاميين بالعلمانية، لمجرّد أنهم ليسوا من جنسهم، أو لأنهم لا يعرفونهم على حقيقتهم، على الرغم من أن نموذجهم في حملة السباب الذي قيل إنه شخصي الضعيف احتج على ما ورد في وثيقة فيينا الأولى التي تحدثت عن نظام علماني، وكتب في مقالة في “العربي الجديد”: لا نريد العلمانية، لأنها موضوع خلاف بين شعبنا الذي لا تنقصه الخلافات، بل يحتاج إلى توافقاتٍ وتفاهمات من جهة، ولأن العلمانية ليست، ولن تكون، نتاج قرار سياسي يُتخذ فيصير الشعب علمانيا، بل هي مسألة تعليم وتربية وتسامح وانفتاح وتقدّم فكري وروحي، وسيادة أفكار ليست بعيدة عن منبت العدالة والمساواة الديني، وعن الحرص على الإنسان وكرامته وحريته … إلخ.
الغريب أن نزلاء الغرفتين يصرخون بصوتٍ يكاد يكون واحدا ضد الظلم، وإن كان بعضهم يدينه لوقوعه على المسلمين، وبعضهم الآخر على المواطنين. والغريب أكثر أن كل طرفٍ يحاول حجب صوت الطرف الآخر، لاعتقاده أن صوته يخدم الظلم، ومن واجبه إبعاده عن شعب هو “ناسه” وحده. وأغرب شيء، أخيرا، أن كلا الفريقين ينسى أنه سجين، وأن الجلاد يُصغي لما يقولانه، وأنه يبدأ، كلما صمتا، بإصدار أصواتٍ تدين كل طرف منهما بلسان الآخر ولغته، ليعتقد كل منهما أنها صادرةٌ عن الغرفة الأخرى، حيث يقبع حليفه المفترض الذي تجعله أصوات المنافقين من جماعته، وتفوهات السجانين، صوت من عليه اعتباره عدوه اللدود!.   

اترك رد