سيناريوهات محدودة بعد فشل المحادثات الأميركية التركية بشأن سورية

فشل الجانبان التركي والأميركي، أمس الأربعاء، في ردم هوّة خلاف مستحكم حول مصير منطقة شرقي نهر الفرات في سورية، إذ لم يتفقا على تفاصيل المنطقة الآمنة التي تطالب بها أنقرة من أجل تبديد قلقها من محاولات إقامة إقليم ذي صبغة كردية في شمال شرقي سورية، تعتبره أنقرة مساساً بأمنهاً القومي.
وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، للمبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، عقب اجتماع بينهما أمس الأربعاء، في المجمّع الرئاسي التركي في أنقرة، إنّ “إنشاء المنطقة الآمنة شرق الفرات لن يتم إلا من خلال خطة تلبي تطلعات تركيا”، وذلك بحسب ما ذكرت وكالة أنباء “الأناضول”. وأكد متحدث الرئاسة التركية، خلال اللقاء، على أولويات الأمن القومي لبلاده بشكل واضح.


جاووش أوغلو: الاقتراحات الأميركية الجديدة المتعلقة بالمنطقة الآمنة في شمال سورية لا ترضي تركيا

وفي السياق نفسه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، في تصريحات للصحافيين في أنقرة أمس، إنّ الاقتراحات الأميركية الجديدة المتعلقة بالمنطقة الآمنة في شمال سورية “لا ترضي تركيا”، مؤكداً أنّ البلدين لم يتفقا بشأن ذلك. وقال “لم نتفق مع واشنطن على عمق المنطقة الآمنة بسورية، ولا على من الذي سيسيطر عليها، ولا على إخراج وحدات حماية الشعب الكردية منها”، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة التوصّل إلى تفاهم (مع واشنطن) بشأن المنطقة الآمنة في أقرب وقت، ومحذراً من أنّ “صبرنا نفد”. وأوضح جاووش أوغلو أنّ تركيا تشعر بوجود نوع من المماطلة في المقترحات الأميركية الجديدة، كالتي حصلت في خارطة الطريق حول مدينة منبج.
من جهة أخرى، قال جاووش أغلو إنه قد يتم الإعلان عن تشكيل لجنة دستورية سورية في الأيام المقبلة، وهي خطوة طال انتظارها في الجهود المتعثرة لإنهاء الحرب الأهلية السورية المستعرة منذ أكثر من ثمانية أعوام. وأشار الوزير التركي إلى أنّه تمت إزالة الخلافات الحاصلة حول أعضاء اللجنة، وأنه يجرى الآن مناقشة النظام الداخلي لها وكيفية عملها.
وأدلى جاووش أوغلو بتلك التصريحات بعد محادثات أجريت على مدى ثلاثة أيام بين الوفدين التركي والأميركي، والتي من الواضح أنها فشلت في ردم هوّة الخلاف بين أنقرة وواشنطن حيال مصير منطقة شرقي نهر الفرات، ما يعكس تصدعاً كبيراً في العلاقة التي تربط البلدين.
غير أنّ السفارة الأميركية في واشنطن حاولت الإيحاء أمس بأنّ الأمور لا تزال على ما يرام، وقالت في بيان إنّ جيفري عقد اجتماعات إيجابية وبناءة مع مسؤولين أتراك. وبحسب البيان، فإن الجانبين ناقشا مقترحات تفصيلية لتعزيز أمن تركيا على طول حدودها الجنوبية. كما أشار البيان إلى أن “واشنطن وأنقرة ملتزمتان بعملية سريعة وملموسة في ما يتعلق بخارطة الطريق لمنبج السورية”.

وكشفت مصادر تركية رفيعة تحدثت لـ”العربي الجديد” عن مضمون المفاوضات التي جرت في الأيام السابقة بين جيفري والوفد المرافق له وبين الجانب التركي، وأسباب الخلاف.
وأفادت المصادر في الخارجية التركية بأن “الجانب الأميركي حمل مجموعة من المقترحات في جعبته كانت مخيبة جداً لآمال تركيا، وبعيدة عن استراتيجيتها وطموحاتها للمنطقة الآمنة، منها عمق المنطقة”. وأوضحت المصادر أن واشنطن اقترحت أن تكون المنطقة بعمق محدود يصل إلى 5 كيلومترات فقط في المناطق الريفية، وبدون أن تشمل البلدات الحدودية السورية مثل تل أبيض، ما يعني أنها ستكون خارج حدود المنطقة الآمنة. وأشارت المصادر إلى أن “من ضمن المقترحات عدم إلقاء السلاح بشكل كامل من قبل الوحدات الكردية، بل والتعاون معها في تشكيل هذه المنطقة”، مؤكدة أن “جميع هذه المقترحات غير مرضية للجانب التركي وبعيدة تماماً عن مطالب أنقرة، ما دفع وزير الخارجية للرد عليها بشكل غاضب”.
ولفتت المصادر إلى أن “زيارات جيفري دورية وتجرى كل شهرين، ولكنها هذه المرة اكتسبت زخماً إعلامياً مختلفاً، إلا أنها كانت فارغة من ناحية المضمون، ما خيب آمال الجانب التركي، حتى في موضوع تطبيق خارطة الطريق حول منبج”. وتحدثت المصادر عن أن “خلافات ظهرت في مفاوضات الأيام السابقة حول تركيبة المجلس المحلي للمدينة، وهي الأساس في تطبيق خارطة الطريق، التي كان يفترض أن يتم الانتهاء من تنفيذها منذ يونيو/ حزيران الماضي”. وبحسب المصادر فإن التقدم اقتصر على “بعض النقاط البسيطة جداً ولا تستدعي البناء عليها لحصول تقدم كبير، على الرغم من أن السفارة الأميركية في أنقرة وصفت المفاوضات المتعلقة بمنبج بأنها بناءة، ولكن الواقع ليس كذلك”.


أنقرة ترفض مقترحات أميركية بشأن عمق المنطقة الآمنة والتعاون مع الوحدات الكردية

وأكدت المصادر نفسها أن “المقترحات الأميركية هي مجرد مماطلة وكسب الوقت، وهي أفكار لا ترقى للتعاون، رغم أن اللقاءات التقنية ستتواصل قريباً في واشنطن، وهي تجرى بشكل دوري بين الطرفين”.
ولطالما شكّلت منطقة شرقي نهر الفرات نقطة خلاف مستحكم ما بين تركيا من جهة والولايات المتحدة الداعمة لـ”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) التي تشكّل الوحدات الكردية عصبها الرئيسي من جهة ثانية. ويبدو أنّ الجانب التركي قد ضاق ذرعاً بمماطلة الجانب الأميركي حيال حسم مصير المنطقة، إضافة إلى مصير مدينة منبج غربي نهر الفرات، التي تسيطر عليها هذه القوات.
وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ أنقرة لا تريد هدم العلاقة مع واشنطن بشكل كامل من خلال القيام بعمل عسكري في شرقي نهر الفرات من دون ضوء أخضر أميركي، يبدو أنه بعيد المنال، خصوصاً بعد التقارب التركي الروسي الذي تُوّج بشراء أنقرة منظومة صواريخ “أس 400” من موسكو، وهو ما أثار حفيظة الأميركيين إلى حد بعيد.
كذلك، من الواضح أنّ واشنطن لم تستطع تبديد مخاوف أنقرة حيال محاولات الوحدات الكردية الحثيثة إنشاء إقليم يحمل الصبغة الكردية في شمال شرقي سورية، وهو ما تعتبره تركيا مساساً بأمنها القومي. وسبق أن حشدت أنقرة قوات كبيرة على الحدود السورية التركية قبالة مدينة تل أبيض شمالي الرقة، في خطوة تعني نيّة الجانب التركي حسم ملف شرقي الفرات سلماً ما أمكن، وإلا اللجوء إلى الخيار الصعب وهو الحرب.
ويطالب الأتراك بمنطقة آمنة في شمال شرقي سورية، لا وجود للوحدات الكردية فيها. وفي السياق، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أيام، إنه يجب أن تصل هذه المنطقة إلى عمق 30 إلى 40 كيلومتراً داخل الأراضي السورية انطلاقاً من الحدود التركية، ما يعني عملياً السيطرة التركية على أهم المدن التي تسيطر عليها الوحدات الكردية حالياً، ومنها: عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي، وتل أبيض في ريف الرقة الشمالي، ورأس العين والقامشلي في ريف الحسكة أقصى شمال شرقي سورية.
وترفض الوحدات الكردية بالمطلق أي وجود تركي في مناطق سيطرتها ملوّحة بورقة شن حرب واسعة النطاق في حال دخول الجيش التركي وفصائل معارضة تابعة له إلى منبج أو منطقة شرقي الفرات.

العربي الجديد

اترك رد