( إلى أين سيمضي بوتين في سورية؟ )


• د. محمد عادل شوك: 26/ 7/ 2019. ( الأيام السورية )

بوتين الذي انغمس في الصراع في سورية، أواخر شهر: 9/2015، عقب خطاب الرئيس الأسد، الذي ألمح فيه إلى أنه بات يفقد سيطرته على أجزاء واسعة من سورية، و أنّه سيكون مضطرًا للانكفاء إلى سورية المفيدة؛ كان تدخله السافر تحت ذريعة مكافحة إرهاب داعش، و قد شكّل منعطفًا جديدًا في قلب الموازين الميدانية، إلى جانب تعزيز الوجود الروسي في الساحل السوري، و لمُدة غير محددة الأجل، بحسب الاتفاق الذي نشرته روسيا في: 14/ 1/ 2016 .
لقد كان من ملامح سياسته في هذا التدخّل اتّباع سياسة الأرض المحروقة، و بمعنى أوضح نقل تجربة غروزني، و هي سياسة لا تنمّ عن بعد نظر، و تحمل في طياتها الكثير من المخاطر و المحاذير.
و ذلك أنّ سياسة الإبادة المتوحشة، و إفناء الحرث و النسل، و تجريف المعالم الجغرافية، إذا ما اتبعت فإنّما تكون في الحروب الخارجية؛ لأنّ المتحاربين لا يعنيهم أمر العلاقات الاجتماعية، و إقامة جسور التواصل مستقبلًا.
أمّا أن تكون نهجًا و مسلكًا في النزاعات و الخلافات الداخلية، بين مكونات الدولة نفسها، فهذا أمرٌ في غاية الخطورة؛ فمن غير المحتمل عقلًا و سياسة أن تلتقي الأطراف في الدولة على رأي واحد، أو سياسة واحدة، أو حاكم واحد، بعد أن وصل النزاع بينها إلى العبث في الجغرافية، فضلًا على المصالح الاستراتيجية، و المستقبل المشترك.
يرى علماء الاجتماع أنّ العبث في الجغرافية من أخطر ما يقوم به الإنسان، و هو يفوق العبث في التاريخ بأشواط كثيرة؛ و ذلك أن الجغرافية عادة ما توصف بالثبات، في حين أنّ التاريخ رهنُ التغيّر و الانقضاء.
إنّ المعمورة ذاخرة بالأوابد و الشواخص حيثما اتجهنا، و إنّ الذاكرة البصرية تحتفظ بمئات منها في كل ناحية، في حين أنّ الذاكرة الذهنية لا تحتفظ إلّا بالقليل من حوادث التاريخ.
و إن علماء السياسة و الاجتماع يرون أنّ السلطان يرتكب خطأً جسيمًا حينما يقدم على سياسة التجريف الجغرافي، و إزالة ما بنته يدُ الإنسان من عرق جبينه، و قوت أهله و أولاده، و شقاء السنيين.
و يدللون على ذلك بأنّ الإرادة البشرية، قد أعادت إلى الحياة ثانية، ما أقدمت على تجريفه آلة الحرب الجهنمية، فور وضع اليد عن الزناد، و إعادة السيف إلى غمده.
و يذكر السوريون من فظائع فرنسا الشيء الكثير، ولاسيما أهل دمشق، الذين ذكر ما حدث لهم عبد العزيز العظمة في مذكراته بشيء من التفصيل.
من ذلك ما أقدم عليه المفوض السامي سراي الذي أمر بنصب مدافعه حول دمشق، وبدأ بقصف المدينة من قلعة المزة في عصر يوم الأحد: 18/ 1/ 1925، واستمر القصف حتى مساء الثلاثاء: 20 / 1.
و كان الخراب عامًا في دمشق، ولم توفر آلة الحرب الفرنسية من مدفعية وطائرات بشرًا ولا حجرًا ولا شجرًا، واشتعلت النيران بدمشق، حتى تحولت المدينة إلى “كومة حطب” كما وصفتها الفرنسية أليس بوللو: ” تظهر دمشق من قمم الجبال وكأنها كومة حطب مشتعلة، الخراب يعم كل أرجاء المدينة “.
فلقد دُمّرت قبة حمام الملكة لتشتعل النيران ولتمتد إلى البيوت والمتاجر المجاورة وتلتهم فرن جبران وزقاق المبلط الواقع وراء سوق الحميدية ثم زقاق سيدي عامود وبعضاً من سوق مدحت باشا.
لقد كان حي سيدي عامود الذي أصبح أثرًا بعد عين، من أغنى وأرقى أحياء دمشق، يقطنه أعيان ورجالات دمشق وسورية، وكان يقع في المنطقة الواقعة جانب سوق الحميدية من جهة الجنوب في دمشق، وسوق مدحت باشا من جهة الشمال، بين جادة الدرويشية غربًا وسوق الخياطين شرقًا، الذي ضم أجمل البيوت والقصور الدمشقية المبنية على الطراز العربي والسلجوقي والمملوكي والعثماني، الذي تعرض للقصف الفرنسي فدُمّر بالكامل ولم يبق منه سوى البيمارستان النوري، الذي يقع إلى الجنوب الغربي من الجامع الأموي.
ولم يكتفِ الفرنسيون بالقصف، بل إنهم أطلقوا جنودهم ومرتزقتهم للنهب والسلب، ولم يبق محل أو متجر أو بيت إلا سلبوا ما فيه، و بلغ عدد الضحايا والشهداء من المدنيين الذين قتلوا نتيجة هذا القصف بحسب بعض التقارير الفرنسية، 1500 شخص، بينهم كثير من النساء والأطفال. 
صحيح أنّ فرنسا لم تعترف حتى اليوم بمسؤوليتها عن تلك الجريمة، ولا غيرها من الجرائم التي ارتكبتها في سورية، خلال انتدابها الذي أقرّته عصبة الأمم بذريعة مساعدة السوريين على بناء بلدهم؛ لكن السوريين خلّدوا وحشية الفرنسيين وجريمتهم تلك حتى لا ينساها التاريخ، وأطلقوا اسم ” الحريقة ” على حي سيدي عامود الذي احترق بكامله.
و غير بعيدٍ عن ذلك ما يقوم به بوتين في سورية، و تحديدًا في مناطق إدلب هذه الأيام، بذريعة التدخل بطلب من الحكومة السورية، لن يكون أقلّ حظًا من ذاكرة السوريين، ممّا أقامت به فرنسا من قبل، فلن تمحى الجغرافية في إدلب عن الوجود، و ستبقى كغيرها من الشواهد على عظم الجريمة التي ترتكب بحقهم، و سيكون هناك وقفات طويلة في محاكم التاريخ، للوقوف على حقيقة ما جرى و يجري بحق السوريين.

اترك رد