ميت يصرخ: ادفنوني

عمر قدور

من يتابع مسيرة ائتلاف المعارضة السورية ينبغي ألا تساوره الدهشة أمام بيانه الأخير المتعلق بترحيل سوريين من تركيا، أو اتخاذ إجراءات مشددة حيالهم، مع ارتفاع خطاب الكراهية ضدهم والسماح بظهوره إلى العلن. البيان ينكر ما تناقلته وسائل الإعلام، وما تناقله سوريون متضررون على وسائل التواصل الاجتماعي، ليتبنى حرفياً الرواية الرسمية التركية التي يدّعي أنها نُقلت للائتلاف عبر المسؤولين الأتراك.

هذه ليست المرة الأولى التي يتبنى فيها الائتلاف السياسة التركية بحذافيرها، أو ليست المرة الأولى التي لا يصمت فيها الائتلاف عن سياسة نابعة من المصالح التركية الخاصة ولا تتوافق مع مصالح السوريين. وإذا تجاوزنا تسميته كائتلاف لقوى المعارضة السورية يجوز لنا، عطفاً على العديد من المواقف منذ بدء التقارب التركي الروسي، أن نسميه ائتلافاً يمثّل السياسة التركية، ومن يعملون فيه يتصرفون كأنهم موظفون في مكتب صغير القيمة من مكاتبها الدبلوماسية أو الإعلامية، بل يتبرعون بتقديم المبررات التي يضنّ بها المسؤولون الأتراك.

فوق تبريره الإجراءات ضد اللاجئين التي تحتج عليها منظمات تركية مستقلة، ما يلفت الانتباه في بيان الائتلاف تلك الإشارة إلى تركيا التي وِفْقه “احتضنت المظلومين في كافة مراحل التاريخ”! بلغة أكثر تخصيصاً، سيأتي بيان المجلس الإسلامي السوري لينص على أن “الأخوة التركية السورية في الماضي والحاضر والمستقبل، أخوة في الديانة والتاريخ والجغرافيا”. هكذا يجتمع البيانان على إعادة صياغة التاريخ كما يحلو لواضعيهما، إذ لم يأخذنا سوء الظن إلى التكهن بأنهما صادران عن جهة واحدة، أو بإيعاز منها.

يضرب بيان الائتلاف، عن تركيا “التي احتضنت المظلومين في كافة مراحل التاريخ”، السرديةَ التاريخية التي يتفق عليها سوريون من مواقع مختلفة، بما فيها تلك التي يتفق عليه سوريون في جهة الموالاة والثورة. مثلاً وفق الوجدان العام السوري، ثمة تواطؤ فرنسي أيام الانتداب مع تركيا أدى إلى منح الأخيرة لواء اسكندرون، وهناك نازحون سوريون من اللواء، بصرف النظر عن تقادم قضية اللواء وعدم تأثيرها على أي تقارب سوري تركي من قبل والآن. أيضاً يرى سوريون كثر “علناً أو ضمناً” أن أرمن سوريا قد لجأوا إليها من تركيا هرباً من المجازر، ولقد شهدنا اتهامات لهم بنكران الجميل لأنهم لم يقفوا مع الثورة. ما يبقى محل أخذ ورد وجدالات لا تنقطع يتعلق بالأكراد، فهناك سردية لدى العرب في سوريا مفادها أن نسبة ضخمة من الأكراد قد لجأت إلى سوريا من تركيا، والقول بأن تركيا تاريخياً احتضنت المظلومين يتعارض مع تصديرها مظلومين إلى دول مجاورة، ويتعارض مع نَسْب عدد كبير من أكراد سوريا إليها.

التذكير بالتاريخ القريب لا يهدف إلى شيطنة الطرف التركي، فقد شهد زمن الإمبراطوريات ومن بعده الحقبة الاستعمارية الكثير من المجازر في حق أقوام أخرى أضعف، كما شهد الكثير من الانتهاكات التي أدت إلى ترحيل أقوام وتغييرات ديموغرافية ضخمة. القوميون من كافة الأطراف هم الذين ينكرون ذلك، وينسب كلّ منهم لقومه سجلاً ناصعاً على مدار التاريخ، من دون أن يخلو السجل من مظلوميات تضع اللوم كله على أقوام أخرى. خروج المنطقة من دوامة الصراعات والعنف سيتطلب يوماً الاعتراف بالتاريخ كما هو، ثم دفنه وفتح صفحة جديدة من التعاون بين شعوب المنطقة بصرف النظر عن العوامل الدينية والإثنية، أما التبرع بتزوير التاريخ لصالح الغير فهي سابقة تُحسب للائتلاف حقاً، ويستطيع به المضاربة على غلاة القومية التركية.

في وسعنا القول أن بيان الائتلاف حول اللاجئين يضع اللبنة الأخيرة التي تفصله عن سوريته المزعومة، تتويجاً لسياق من الانفصال عن المصلحة السورية والدفاع عنها ضمن الممكن، إذ لا أحد يتوقع اجتراح المعجزات ضمن الظروف التي نعرفها جميعاً. في ما عدا لعب دور المبشر الإعلامية للسياسة التركية، لا يصعب القول أن الائتلاف ميت منذ سنوات، وإذا كان من جملة مضمرة مفيدة موجهة للسوريين عبر بيانه فهو كميت يصرخ بهم: ادفنوني.

دفنُ الائتلاف، وما يمثّله، يُفترض أصلاً ألا يتوقف على البيان الأخير. تلك مهمة مطلوبة منذ سنوات، أي منذ انكشاف ركاكته وتهافته وارتهانه للخارج، الارتهان الذي شهد عدة محطات قبل وصوله إلى النهاية التركية. خلال سنوات كنا قد شهدنا محاولات للانتقاص من القيمة التمثيلية للائتلاف، أتت بمعظمها في سياق التنافس الإقليمي والدولي، وأيضاً عبر تشكيل منصات سياسية يُراد منها خدمة الأسد وحلفائه من ضمن موقع المعارضة. محاولات الانقضاض تلك أدت إلى تعويم الائتلاف لدى قسم من جمهور الثورة لا يريد تمييع المطالب المحقة لها أولاً، ولا يريد تفككاً في المعارضة يُضعفها فوق ضعفها الأساسي الذاتي.

الفراغ المتعلق بالتمثيل السياسي للقضية السورية يستشعره كثر من السوريين، لكن قلة منهم تتحرك للتخلص من فداحته. المؤسف أكثر أن من يتحركون، ويريدون طرح أنفسهم والهياكل التي يشكلونها كبدائل للائتلاف ليسوا أفضل وعداً منه، لأن غالبيتهم لم تكن بعيدة عن المساهمة في هياكل المعارضة هنا وهناك، وقسم منهم يقف على مسافة تجعله أبعد عن القضية السورية من بعده عن الأسد.

الدلالة بالغة السوء في اللوحة إجمالاً أن جمهور الثورة، بمطالبها الأولى في الحرية والديموقراطية، عازف عن ممارسة السياسة وعن تشكيل إطار تمثيلي يليق به رغم النقد اللاذع الذي يقدّمه للأطر الموجودة. إذا شئنا أن نكون أكثر دقة، هناك قلة تسعى إلى المنافسة على المكاسب المحتملة من التسوية القادمة، وتريد طرح نفسها ممثلاً للمعارضة جديراً بالمشاركة في حصتها من التسوية. بينما ترى شريحة أوسع أن الثورة قد انهزمت، والتسوية القادمة ستعبّر عن موازين القوى التي تميل بشدة ضد السوريين، ولا تريد تالياً المشاركة في صفقة بعيدة كل البعد عما قامت الثورة لأجله.

الغائب الأكبر عن الفعل هم الذين يرون القضية السورية صارت أضخم وأعمق من اختصارها بثورة هُزمت، وبناء القضية يُفترض به مسبقاً تجاوز السقف الواطئ جداً المطروح للانتهاء منها، وعدم الانصياع لفرضية أن الثورة حدثت وانتهت وكأن التاريخ يتوقف عندها. يُفترض بهؤلاء أن يكونوا الأجدر بتلبية نداء الائتلاف عندما يصرخ: ادفنوني. ويُفترض أنهم الأجدر أيضاً بدفن منافسين له في المقبرة ذاتها. 

المدن

اترك رد