حوادث الجنوب السوري المتواترة… مرآة عثرات المرحلة الانتقالية الأسدية- بالصور

حوادث الجنوب السوري المتواترة… مرآة عثرات المرحلة الانتقالية الأسدية- بالصور

نجم عن كثرة أقطاب النفوذ والمراجع والمصالح والغايات في الجنوب السوري، إلى الآن، فتح باب التحكيم والموازنة والمفاوضة بين القوى. وذلك في أمور هي في صلب الأركان الأمنية والسياسية الأسدية، شأن التجنيد، والتأطير الإقليمي وعلاقة المركز بالأطراف وجماعات سكانها، والرقابة على المواصلات والسكان، وتوزيع الخدمات لقاء الولاء، والمفارقة الرمزية (إقامة التماثيل على سبيل المثل). فإذا ضعف التحكم في هذه الأركان، واختل توزيع النفوذ والسلطة على الشاكلة المنفردة، ولو صورياً، المعهودة، كثرت الفروع والاستثناءات والشواذات على نحو لا تتحمله البيروقراطية البوليسية المركزية. فمسائل مثل 1) تمييز الطرق الفرعية من الطرق الرئيسية، 2) وتمييز أطراف البلدان والمدن من شبكتها الداخلية وقلبها، و3) تصنيف من وجبت عليهم الخدمة الإلزامية والخدمة الاحتياطية على مراتب متباينة من الإلحاح والمصلحة، و4) النزول لبعض الناس عن الحق في اقتناء السلاح، و5) الإقرار لبعض أهل الوجاهة برأي في قضايا حملها النظام على “أمن الدولة” أو أمنه، و6) الإغضاء عن ملاحقة “مطلوبين” يعدون آلافاً تكاد تكون مؤلفة بناءً على ترجيح قطب محلي أو غير محلي- هذه كلها تصدِّع استواء الإطار السياسي والبوليسي السوري وتماسكه.
فمنذ منتصف حزيران (يونيو) المنصرم، تقريباً، تدور أخبار “الجنوب السوري”، على ما استقر القول تيمناً بالجنوب اللبناني واستمراراً لفظياً على صيغة قول مألوفة- على صنف من الأعمال العسكرية المحلية يختلف عن الأعمال “المجيدة” التي تدك من الجو الروسي والأسدي قرى الأرياف الغربية المحيطة بشمال حماة واللاذقية وجنوب إدلب وسهل الغاب وجبل الأكراد، وتدمر الأسواق والمرافق الصحية والأبنية التحتية، وتحاصر البلدات الكبيرة وتجيع سكانها وتحملهم على النزوح إلى مخيمات مرتجلة في العراء، وإلى حدود إقليمية ترفضهم وتلفظ بعض أمثالهم بفظاظة مشهودة.

“التسوية الروسية”
والسبب في التأريخ بمنتصف حزيران هو مضي سنة على “تسوية” أو “مصالحة” أعادت معالم الدولة السورية المفترضة والمتبصرة، وهي أجهزة الاستخبارات و”الأفرع” الأمنية ودوائر التجنيد أولاً وبعض الإدارات والخدمات العامة والمواصلات ثانياً، إلى القرى والبلدات والديرات والمدن الجنوبية. وقضى الشق الأول من التسوية بإمهال المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والخدمة الاحتياطية والمنشقين عن الجيش النظامي (جيش النظام) ستة أشهر يلتحقون في أثنائها، بحسب ظروفهم واحتياجاتهم، بالمرافق العسكرية والأمنية المناسبة.

الأجهزة الكثيرة
وأوكلت “الدولة” البوليسية رعاية “المصالحة” إلى حواجز الأجهزة الكثيرة، أي إلحاق شباب الجنوب بالأجهزة، على طرق المواصلات الداخلية، وأبرزها طريق درعا- دمشق. وأوكلت إليها مراقبة من يسمون حكماً، وعلى رغم المصالحة أو التسوية، “المطلوبين”، شأنهم شأن المجرمين والمهربين (وهؤلاء على مراتب) والخارجين على القانون. وجددت مدة السماح، وهي الاسم الآخر لمنة الأجهزة، ستة أشهر فأتمت السنة في أواخر الشهر السادس من السنة الجارية. ويترتب على ضبط المخالفين، وهم من لم يلتحقوا طوعاً بعد بوحدات التجنيد والخدمة وأخرّوا التحاقهم إما تملصاً أو في انتظار الفراغ من دراسة جامعية أو عمل، هؤلاء المخالفون والمتخلفون يرسلون فوراً إلى الوحدات الأمامية التي تقاتل منذ نيسان (أبريل) على جبهات اللاذقية وإدلب وجبل الأكراد وحماة والغاب.

فالتخلف عن الالتحاق بدولة الاقتتال الأهلي يلقى جزاءه وقصاصه، على رغم المصالحة، على صورة الزج بالمتخلفين في مواقع القتال الخطرة و”سوقهم” إليها. ويخاف المتخلفون المصالحون أمراً آخر هو مدة الخدمة العسكرية في ظروف الحرب المترجحة والنصر المعلق. فمن سنة ونصف السنة كان في وسع الطلاب ومعيلي أهلهم التعويل على قصر خدمتهم العسكرية عليها، على قول بعض المتخلفين والهاربين، بلغت مدة من سرحوا أخيراً 8 سنوات كاملة. فالقيود على آماد الخدمة علقت كلها، وأطلقت يد دوائر التجنيد في تسويغ تجديدها. وعودة القتال إلى جبهات الغرب السوري في الوسط والشمال أجج الخوف من السوق الفوري إليها، تلبية لاحتياجات النظام، وثأراً من تمرد الجنوبيين وخروجهم على الدولة البوليسية. والحق أن الجنوبيين، أو هيئاتهم الأهلية، رضخوا للمصالحة تلافياً للترحيل إلى إدلب ومهجرها القسري ومنفاها.


وفي الأثناء، يحصي الأهالي وربما تحصي الإدارة الأمنية ما لا يقل عن 100 ألف متخلف عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية من 1.5 مليون نفس هم عدد سكان المحافظة (رياض الزين، الشرق الأوسط، 24/7/2019). وهؤلاء هم مجموع من وسعهم الإحجام عن الالتحاق بصفوف دولة منسحبة ومنكفئة طوال الأعوام السبعة الخالية (2011-2018). ولم يتح للدولة “العائدة”، في أثناء الاشهر الستة المنصرمة، الاستدراك على ما فاتها، وهو يفوق طاقتها على “السيطرة”. فملاحقتها المتخلفين لم يتجاوز صيدها، أي عدد الشبان الذين أوقفتهم الحواجز والدوريات والمداهمات، الـ500 شاب، على قول رياض الزين (وتقدر مصادر مراسل لوموند الفرنسية العدد بـ700 شاب). وقلة العدد قياساً على المتخلفين، خمسة إلى سبعة أعشار من واحد في المئة، لم تحل دون سريان الاضطراب في الجنوب السوري، وتجدد الاغتيال ونصب الكمائن والثارات وتحريك الجماعات الإرهابية. فلم تمسك الأخبار (الحرسية – “اللبنانية”) عن إعلان الخشية من “ترنح” التسوية في الجنوب السوري (3/8/2019).

نهج بوليسي
وفي مثل هذه الحال، يتوقع عادة أن تبادر “البيروقراطية البوليسية المركزية” السورية إلى تأديب المخالفين والمتخلفين على طريقتها ونهجها المعروفين والمجربين في طول الأراضي الاقليمية وعرضها. ويؤازرها عليهما السند الروسي بطيرانه وصواريخه المجنحة والموجهة، وينجدها راعيها الإيراني بمشاة فيلقه الكثير الهويات. ورجح هذا التوقع حسبان الأجهزة أن استعادتها الجنوب، قبل سنة تقريباً، تخولها استئناف تسلطها على أهاليه على صورة هذا التسلط السابقة على آذار (مارس) 2011. فأعدت العدة لإقامة “احتفال” بمقتل 260 ابناً من أبناء السويداء على يد “داعش”، في 25 تموز (يوليو) 2018. وكان ذلك في غارة أغارها بعض مقاتلي التنظيم الذين أطلقتهم الأجهزة قبل أيام قليلة، عمداً، على أهالي المدينة الدرزية الكبيرة. وأعقبت الغارة حملة نظامية، تفادى الأهالي والوساطة الروسية عواقبها المدمرة بمصالحة معقدة البنود, وحال تهديد “قوات الفهد” المحلية والأهلية دون الاحتفال “التشبيحي”، على وصفها الأمر. وأرادت الأجهزة إحياء صورة تسلطها، وبعث تمثال حافظ الأسد في الموضع الذي نسفه فيه الأهالي بدرعا المحطة حين قاموا على نظام الطاغية المؤسس.

ولكن سياسة الأجهزة، هذه المرة وفي هذه المحافظة، لم تنتهج، مضطرة، هذه الطريقة في القمع والرد، وفي إقرار النظام بواسطة قوة نار هائلة يصب معظمها على الأهالي والمرافق والتجهيز المدني. وترمي هذه الطريقة إلى قطع أضعف الروابط التي تربط المنظمات والفصائل، على اختلافها، بالأهالي، وإلى المساواة بين هذه الروابط وبين الموت والدمار الأسودين.

ولم تعد أجهزة الأسد البوليسية إلى الجنوب على هذا النحو أو هذا المثال، على خلاف عودتها (“فتحها”، على قول نوري العامري العراقي) إلى حلب والغوطة الشرقية، وقبلهما إلى حمص. فاضطرت إلى القبول بسيطرة جزئية ومختلطة. وتضمر هذه تعدد مراكز القوة ومراجع البت والتوسط والتحكم. وتضمر فوق هذا، أصنافاً من الأماكن والديرات ومناطق النفوذ الأهلية والسياسية. فلا ينفذ فيها “قانون” (سلطان) واحد يسوّي الأماكن والديرات والمناطق على مستوى واحد. والتعدد والتباين هذان يؤذنان بالمشكلات التي تعترض “عودة” النظام البوليسي العامة إلى حكم سوريا. فما جددته “الثورة” (على المعنى الحرفي، أي القيام والخروج على السلطان القاهر) من فروق سياسية قديمة وطارئة، يبدو غمطه أو محوه وإهماله، في ضوء المرآة الجنوبية، أمراً مستحيلاً وممتنعاً.

صيغة حميميم
فالتسوية التي استأنفت الأجهزة من طريقها بعض سيطرتها على أهالي مثلث درعا-السويداء- القنيطرة وأراضيها، تولى صوغها طاقم حميميم الروسي. واشتركت في صوغة وتشترك في تنفيذه أجهزة سورية كثيرة، مثل الفرقة الرابعة والفرقة السابعة والدفاع المدني والاستخبارات المتفرقة (الجوية أبرزها)، وأجهزة مختلطة، مثل قوات الدفاع الوطني الإيرانية- السورية والفيلق الخامس السوري- الروسي الذي التحقت به “فصائل التسويات”، إلى القوات الحرسية الايرانية وأبرزها “حزب الله”. فدائرة المصالحات الروسية بحميميم فرضت على النظام أن يقتصر جهازه العسكري في بصرى الشام وطفس ودرعا البلد على الشرطة المدنية وحدها، وعلى ألا تتولى هذه مهمات عسكرية، من حصار ومداهمة وقتل. وضَمِن الروس ألا تتجاوز القوات العسكرية مداخل القرى والمدن ومخارجها إلى داخلها.

ويقضي الإجراء الروسي بالتزام المفارز السورية حصانة القرى والمدن وإحجامها عن ملاحقة “المطلوبين” إلى حاراتهم وطرقهم وبيوتهم. وأدى هذا فعلاً إلى استباق متخلفين كثيرين عن الخدمة الاعتقال على الحواجز، فلجأوا إلى أحيائهم ولزموها وأمنوا، إلى أجل، المداهمة البوليسية و”السوق” الفوري إلى جبهات “الدولة”. وحين عملت الأجهزة العسكرية، في أعقاب نيسان واندلاع الحرب على الجبهات الغربية، إلى اعتقال المطلوبين، بعد الاغضاء عنهم، فر مجندون جنوبيون، مهددون بسوقهم إلى الحرب، من صفوف الجيش التي التحق بعضهم بها ولجأوا إلى مناطق يسري فيها التحكيم الروسي، وتخلو من مقار قوات النظام أو لا تتمتع فيها هذه القوات بـ”سلطة فعلية”، على ما يكتب رياض الزين. وأفضى ذلك، فيما أفضى إليه، إلى صراع نفوذ روسي – سوري (- إيراني) محلي خلف اغتيالات طاولت أنصاراً للسياسة الروسية معظمهم من المعارضة سابقاً، من وجه، وأنصاراً للجماعات الحرسية ووجهاء محليين يناصرون النظام، من وجه آخر. ولعل أبرز الاغتيالات الأخيرة هو اغتيال مشهور زيدان، في 24/7، خالف سمير قنطار على قيادة منظمة محلية منشئها الحرس بواسطة الحزب الخميني اللبناني- في سياق إيراني -إسرائيلي هذه المرة. وداوى الحزب الخميني الاغتيال بتحريض قبائل البدو على الدروز الممتنعين منه.


وتعزو الأخبار الأعمال الأمنية المحترفة، و”خروجها عن السيطرة” في حوض اليرموك إياه، إلى “سلب الدولة السورية عنصر المبادرة على 3 جبهات: الخلايات الأمنية (فصائل “الموك” أو خلية التنسيق الأردني والأميركي والسوري الأهلي التي حُلت في 2016)، وخلايا “داعش”، والخلايا المتعاونة مع اسرائيل. وتوحد الصحيفة الجبهات الثلاث في واحدة، وتغفل أعرضها وأعمقها: “الجبهة” الأهلية التي تعد 100 ألف متخلف متضرر من استئناف “الدولة” سننها الأسدية. وتغفل الصحيفة عمليةَ “فصائل التسويات” في مزرعة بين الحراك ومليحة العطش في 27/7. ويتولى من لا يسمون، وهم الروس، حماية الناشطين على الجبهات. فهؤلاء يتمتعون بـ”الأمان بفعل التسوية (…) واحتموا بالتفاهمات التي عقدوها مع الجانب الروسي الذي وفر الغطاء لهم، وتركت أسلحتهم الفردية في وضع ملائم لإعادة تفعيل جهودهم بحسب متطلبات المرحلة”.

الطرق الفرعية… والجانبية
وبعض الوحدات السورية النظامية، على شاكلة الفرقة السابعة (ويصفها مراسل المدن، أحمد الشامي، بالأكثر نفوذاً، 25/7)، تحذو حذو التحكيم الروسي. فحين أراد اللواء 90 في الفرقة الرابعة تثبيت حواجزه على الطرق بين جباتا الخشب وأوفانيا وعين البيضا وطرنجة والحرية، تجمع أهالي البلدتين الأولين، وتصدوا للانتشار على “الطرق الفرعية (…) التي يستخدمها المطلوبون”، وهددوا بنسف الحواجز واقترحوا الاحتكام إلى ضباط الفرقة السابعة الذين قاسوا على “المذهب” الروسي: فحكموا برفع الحواجز عن الطرق الفرعية مع مترتباته: تمكين المطلوبين من الالتجاء إلى قراهم وأهاليهم، وتيسير الهرب من السوق العثماني إلى أسوأ من سفر برلك بما لا يقاس. وتوسيط الوجهاء المحليين في الملاحقات والاعتقالات وبروزهم طرفاً ثالثاً في منازعات اعتادت الأجهزة حسمها من دون مراجعة (أو اعتادت الترويج لحسم من هذا الصنف، على خلاف الوقائع)، قرينة على مجابهة القمع البوليسي التقليدي معضلات لم يعتد عليها، والأرجح أنها وجهٌ جديدٌ من وجوه المرحلة “الانتقالية” القادمة والحبلى بحوادث ووقائع لم تعد لها الأجهزة العدة.

المدن

Leave a Comment