قبل أن تسقط إدلب


المسكوت عنه في التفاوض مع روسيا حول إدلب.
أحمد الرمح: باحث وكاتب. مرصد مينا الإعلامي للبحوث والدراسات
يعيش المجتمع السوري والأمم المتحدة وكذلك تركيا قلقاً متزايداً مما سيحدث في إدلب؛ خصوصاً بعد حشد النظام والميليشيات الإيرانية قواتهم البرية على تخوم إدلب؛ وتهديدهم باقتحامها؛ إضافة إلى فاعلية الطيران الروسي في هذه المعركة إنْ وقعت لا قدّر الله.
والسؤال هنا: بعيداً من الرغبات والأماني وبيع الوهم؛ هل ستقع معركة إدلب أم لا؟.
للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نعرف مسوغات وقوع المعركة من عدمها؛ ولنرجع إلى الخلف قليلاً؛ عندما جرى التفاهم دولياً على إنهاء الحرب في سوريا؛ كي تبدأ التسوية السياسية المتوافق عليها دولياً من خلال ثلاث سلال هي:
سلة محاربة الإرهاب: وهي قائمة وتستهدف التنظيمات الإسلاموية الرافضة للتسوية ولديها مشروع عابر للوطنية.
السلة الدستورية: وهي في طور بدء مهماتها في الشهر المقبل.
السلة الانتخابية: وستنفذ على مرحلتين الأولى: تهيئة البيئة الانتخابية. والثانية: انتخابات بإشراف أممي.
أوكل المجتمع الدولي إلى روسيا وتركيا مهمة إنهاء الحرب من خلال خطة (خفض التصعيد) في المناطق الأربعة الساخنة التي كانت تسيطر المعارضة المسلحة عليها؛ تضمنت خطة خفض التصعيد شروطاً ونتيجة ومن يخرق أي شرط من هذه الشروط فإنه سيتعرض لعملية عسكرية تقودها روسيا؛ أما الشروط فهي:
1ـ توحد الفصائل العسكرية المتفرقة في مجلس عسكري موحد في كل منطقة من المناطق الأربعة.
2ـ انتخاب إدارة محلية لتلك المناطق مستقلة غير خاضعة للفصائل العسكرية؛ تقدم الخدمات المدنية للمواطنين ما يساعد في تحقيق الاستقرار والأمان لهم على أن يجري دعم كل منطقة بحاجاتها من دولة معينة ( مثال: درعا تدعمها بريطانيا).
3ـ تشكيل جسم سياسي لكل منطقة للدخول في عملية التفاوض نحو الحل السياسي يكون المجلس العسكري خاضعاً لقراراته.
4ـ فتح طرق الأوتوستراد مع النظام والدول الإقليمية.
5ـ نشر نقاط مراقبة روسية وتركية لمراقبة تنفيذ البنود.
وأما النتيجة: تنفيذ هذه الشروط يتبعه بعد انتهاء مرحلة خفض التصعيد إعلان وقف إطلاق نار نهائي بين النظام والمعارضة المسلحة. وقد أبلغت تركيا وأمريكا المعارضة السياسية بتلك الخطة لكن المعارضة لم تبلغها للفصائل العسكرية.
كذلك فإن لكل منطقة من المناطق الأربعة ضامناً يرعى حق المعارضة؛ فكانت أمريكا ضامناً للمنطقة الجنوبية؛ وتركيا ضامناً للمنطقة الشمالية؛ لكن لا يسمح للدولة الضامنة بدعم المعارضة المسلحة ولا مساعدتها في حال خرقت شروط الخطة؛ وهذا هو سر عدم تدخل أمريكا في درعا. لا أريد الحديث عن أخطاء المعارضة العسكرية في الغوطة ودرعا التي جعلت المجتمع الدولي يوافق على العملية العسكرية ضدهما وإنهاء الوضع بالقوة هناك؛ لأن مساحة الحديث مخصصة هنا لإدلب وحدها.
شروط خاصة
إضافة إلى تلك الشروط المتفق عليها ولها دول ضامنة، هناك شروط إضافية تتعلق بطبيعة كل منطقة من المناطق الأربعة وخصوصيتها. فلإدلب من الشروط المضافة ما يأتي:
1ـ حل هيئة تحرير الشام المصنفة بقرار أممي على قوائم المنظمات الإرهابية.
2ـ حل حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب.
3ـ وقف الهجوم بالطائرات المسيرة عن بعد التي تقوم بها الهيئة ضد قاعدة حميميم.
في حال الإخلال بأي شرط من هذه الشروط مجتمعة فإن لروسيا الحق بحملة عسكرية على المنطقة حتى إنهاء الفصائل فيها، يساندها في ذلك جيش النظام والميلشيات الإيرانية. وهذا ما حصل في الغوطة ودرعا.
سأتناول هذه الشروط تباعاً كي نعرف هل ستقع الحرب أم لا؟
الشرط الأول: توحد الفصائل العسكرية
سارعت الفصائل العسكرية إلى الاندماج في مجلس عسكري موحد أُطلق عليه اسم (الجبهة الوطنية للتحرير) لكنّ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) و(حراس الدين) و(الحزب التركستاني) و(جيش العزة) رفضوا الانضمام إلى المجلس العسكري، ما يعني أن الشرط الأول لم ينفذ؛ وهذا يعني أن شبح الحرب قائم في نهاية مهلة خفض التصعيد في 15 أيلول/ سبتمبر المقبل. علماً أن الفصائل العسكرية الرافضة للانضمام إلى المجلس العسكري ذات أيديولوجية جهادية؛ ولديها مشروعات عابرة للوطنية ورافضة لأي تسوية ولا تقبل إلا بالحل العسكري.
جرت مفاوضات في الشهر الماضي بين وفد من هيئة تحرير الشام مع وفد روسي للتوصل إلى تفاهمات؛ وكذلك مفاوضات أخرى مع وفد من الفصائل العسكرية؛ جرى التفاهم على قبول هيئة تحرير الشام بعد حلِّ نفسها بالمجلس العسكري إذا تخلت عن أيديولوجيتها الجهادية، وأن تقوم بمعركة ضد فصيل حراس الدين وإنهائه؛ وكذلك مع الحزب التركستاني؛ وأبدت الهيئة موافقة مبدئية على ذلك، لكن الجولاني اشترط مقابل ذلك أن يكون قائداً للمجلس العسكري؛ فرُفض طلبه؛ وسُوِّي الأمر معه بشكل آخر قَبِلَ به.
الشرط الثاني: انتخاب إدارة محلية مستقلة لإدلب
جرت مفاوضات منذ ثلاثة أسابيع حول الأمر؛ وجرى الاتفاق على أن تقوم حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام بحلِّ نفسها؛ وكذلك يحل الائتلافُ المعارض الحكومةَ المؤقتة التابعة له؛ وأن تُشكل إدارة محلية لإدلب من الطرفين مهمتها مدنية خدمية بحتة لا علاقة لها بسياسة أو عسكرة؛ وما يزال هذا التفاهم معرقلاً حتى اللحظة.
الشرط الثالث: تشكيل جسم سياسي
جرت مفاوضات صعبة بين فريق الجولاني والفصائل المسلحة لكن فريق الجولاني كان مصراً على أن يكون ممثلاً ضمن الجسم السياسي لكونه يمثل (كما ادعى) أهل السنة في سوريا. ولم يحسم الخلاف مع احتمال أن يكون لهم ممثلون سياسيون شرط ألا يكونوا عسكراً وألا يخضعوا للعسكر في قراراتهم كما أشرنا آنفاً.
الشرط الرابع: فتح طرق الأوتوستراد مع النظام والدول الإقليمية
وقد وافقت هيئة تحرير الشام والآخرون على ذلك.
الشرط الخامس: نشر نقاط مراقبة تركية محاطة بنقاط مراقبة روسية.
كذلك وافقت الهيئة والفصائل على هذا الشرط.
الشروط المتعلقة بهيئة تحرير الشام تحديداً
في المفاوضات السرية وفي جولة (سوتشي آستانة 10) الأخيرة أبلغ الروس الأتراك ووفد المعارضة أن هيئة تحرير الشام هي من تقوم بالهجمات على قاعدة حميميم بطائرات مسيرة؛ وقدموا أدلة على ذلك، وطلبوا حتى تجري تسوية أمر الهيئة أن تتوقف عن مهاجمة قاعدة حميميم بوصفها بادرة حسن نية حتى نهاية مدّة خفض التصعيد في منتصف الشهر المقبل وقد وافقت الهيئة على ذلك؛ مقابل أن تجري تسوية بشأن إدلب أو تمدد مهلة خفض التصعيد ستة أشهر أخرى؛ التي تسعى تركيا حثيثاً لتحقيقها؛ وقد فُوِّضت تركيا بملف إدلب للتفاوض مع الفصائل جميعها لتحقيق تلك الشروط كي تتجنب إدلب الحرب المقبلة.
لكن ما حدث في الأسبوع الماضي يكاد ينسف عملية التفاوض ويجعل شبح الحرب على إدلب قائماً؛ إذ إن الروس والنظام قاموا بمحادثات سرية مع بعض المدنيين من أجل مصالحات؛ فقامت الهيئة باعتقال كل من قام بذلك؛ لأنها لا تريد حلاً إلا من خلالها، ما يقوي أوراق تفاوضها مع الأتراك والروس؛ ونتيجة هذا عادت الهيئة من جديد إلى تسيير طائراتها تجاه قاعدة حميميم؛ فقام الروس بالرد بقوة من خلال قصف بعض المناطق كأورام مثالاً وحصلت مجزرة فيها، وكذلك قصفت مدفعية النظام بعض المناطق؛ ويعدُّ ذلك بمنزلة انهيار المفاوضات الذي لحظته الأمم المتحدة، ما جعلها تناشد تركيا فتح حدودها للمدنيين في حال وقوع حرب في إدلب؛ وهذه رسالة واضحة على انهيار المفاوضات، علماً أن الحرب لو وقعت فإن تركيا لن تفتح حدودها للمدنيين بناء على التفاهمات مع روسيا؛ كما حدث في درعا من قبل الأردن كونها كانت حاضرة في تلك التفاهمات.
هذا التصعيد بين الأطراف قد يؤدي إلى جعل نسبة وقوع الحرب أكبر من حصول تسوية.
ولكن ما هي نقاط قوة هيئة تحرير الشام وما نقاط ضعفها؟
نقاط القوة
تمتلك الهيئة نقاط قوة لا يستهان بها؛ ولكنها ليست نقاطاً تجعلها تنتصر في المعركة إن وقعت؛ إلا أنها يمكن تؤخر الهزيمة وهذا ما يجعل تكلفة الحرب من المدنيين والدمار كبيرة؛ وقد تكون هي الأكبر والأعنف في هذا القرن كله. من نقاط القوة:
1ـ أن الهيئة لديها (460) رهينة غربية في معتقلاتها أغلبهم مقاتلون من دول غربية وقعوا أسرى لدى الهيئة من معاركها مع داعش. قد تستخدمهم دروعاً بشرية في عمليات تأجيج الرأي العام العالمي في الحرب؛ والهيئة قادرة وبارعة في ذلك شأنها شأن داعش في آلتها الإعلامية.
2ـ هناك أكثر من ثلاثة ملايين مدني محاصرين في بقعة جغرافية في إدلب، وفي حال قيام حرب فإن الآلة العسكرية الروسية ستستهدفهم، وهذه مأساة ضخمة لا يمكن أن تمر مرور الكرام؛ على الرغم من لا مبالاة المجتمع الدولي بالمدنيين سابقاً، ولكن الأمر هنا مختلف نظراً إلى ضخامة أعداد الضحايا إنْ وقعت الحرب.
3ـ تمتلك الهيئة عتاداً عسكرياً وآلاف المقاتلين الذين يجعلون حسم المعركة ضدهم ليس هيناً؛ خصوصاً أنهم محصورون ولا مكان لهم للخروج؛ وهذا في العلم العسكري يجعل قوتهم مضاعفة ما سيوقع خسارات لا يستهان بها في صفوف القوات المهاجمة.
4ـ سينضم إلى هذه المعركة -على الرغم من الخلافات الأيديولوجية كلها بينهم- الحزب التركستاني الشرس وكذلك حراس الدين ذوو الانتماءات الداعشية وحتى جيش العزة؛ ما سيجعل المعركة معركة وجود لا تنتهي بسهولة.
5ـ الحرج الذي تشعر به تركيا، ما سيدفعها إلى دعم المقاتلين بأشكال مختلفة حتى لا يُنظر إليها أنها ورطت وتخلت عمن جمعتهم من مختلف الجغرافية السورية بالباصات الخضر. وتصريح أردوغان الموجه إلى روسيا (إن الهجوم على إدلب سيقوض جوهر مسار آستانة) فجوهر آستانة يتمثل في التفاهمات السياسية وحتى الاقتصادية مع روسيا؛ وسيدفع تركيا إلى الانحياز مرة أخرى إلى الولايات المتحدة.
6ـ في المفاوضات مع فريق الجولاني أبدت دول مهمة أنها لا تمانع تسوية مع الهيئة وإعادة تعويمها إنْ التزمت بالشروط وحاربت حراس الدين والحزب التركساني. والجولاني يتمتع ببراغماتية يشهد له بها من يعرفه.
نقاط الضعف
كما أن هناك نقاط قوة لدى هيئة تحرير الشام فإن هناك نقاط ضعف مهمة منها:
1ـ انسحاب المقاتلين المؤدلجين جلِّهم من صفوف الهيئة وانضمامهم إلى حراس الدين.
2ـ تركيا لا تستطيع الوقوف مع الهيئة ولا أن تتدخل في الحرب بوصفها طرفاً؛ كونها تمر بلحظات حرجة وخطرة والتفاهمات مع روسيا لا تسمح لها حتى بفتح الحدود للمدنيين؛ إضافة إلى أزمتها مع الولايات المتحدة وانهيار الليرة وهذا الأمر لا يستهان به.
4ـ لا يوجد حاضن اجتماعي للهيئة في إدلب بل على العكس فإن أغلب من هو موجود في إدلب ضد الهيئة وممارستها واستبدادها؛ وقد كفر الشعب السوري بهذه التنظيمات الإسلاموية ويريد الخلاص منها من دون أن يدفع هو ثمن ذلك.
5ـ غير مسموح لتركيا بفتح حدودها في حال نشوب المعركة؛ ما سيجعل المدنيين ينقلبون على الهيئة وهذا أمر ليس سهلاً؛ وتَذَكَّروا الأردن في أثناء معركة درعا ورفضها فتح حدودها بناء على الاتفاقات مع روسيا.
التوقعات
ربما تكون هناك عملية عسكرية محدودة؛ بل إني أرجحها في منطقة جسر الشغور التي يسيطر عليها الحزب التركستاني والمتاخمة للحدود مع الساحل السوري ولكونها منطقة يمر منها طريق الأوتوستراد؛ وكذلك المناطق التي يمر فيها طريق الأوتوستراد والمناطق التي يسيطر عليها (حراس الدين) وجيش العزة إضافة إلى قصف مقرات ونقاط تابعة لهيئة تحرير الشام، وهذا سيؤدي إلى استرجاع النظام مناطق جغرافية مهمة من محافظة إدلب إضافة إلى مناطق في ريف حماة؛ تجعل النظام يبدو إعلامياً وكأنه حقق أهدافه في المعركة.
لكن هذا إنْ وقع فإن أوراقاً كثيرة ستختلط ببعضها؛ وربما تدخل بعض الفصائل الأخرى إلى جانب الهيئة في المعركة. ويبقى همنا واهتمامنا يتمثل بالمدنيين في إدلب الذين لم يبقَ لهم ملجأ ولا منجى بعد الله سبحانه وتعالى إلا تلك المنطقة الجغرافية؛ خصوصاً أن عدداً لا بأس به أُحضِر بوساطة الباصات الخضر إلى تلك الأماكن.
وإذا كانت هيئة تحرير الشام ترى أن مدنيي إدلب رهينة يمكن أن تجعلهم دروعاً بشرياً حتى تنجو بنفسها؛ فهي واهمة، فمتى التفت المجتمع الدولي إلى الحالة الإنسانية في الحرب السورية في سنواتها الثماني؟.
نأمل أن نفكر بسرعة في هذا الوقت الحرج والضيق لنساهم جميعاً في إنقاذ هؤلاء المدنيين من براثن الطغاة والبغاة والغلاة؛ وهم على أبواب محرقة لا تبقي ولا تذر.
لقد كانت فكرة خفض التصعيد شركاً وافقت عليه الفصائل العسكرية نتيجة بؤسها السياسي وعمالتها للداعمين وسكتت عنها المعارضة السياسية الرسمية نظراً لارتهانها للدول الحاضنة لهم؛ حتى وصلنا إلى مرحلة لم يعد هناك سوري في المعارضة والنظام يملك من أمره شيئاً، بل الأمر كله في يد الدول الأخرى.

اترك رد