نصر الله وزمن الجولان

ميشيل كيلو

يعظّم أتباع الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، مكانته بالقول إنه مرشد نظامي لبنان وسورية… صحيح أن “السيد” يُمسك بخناق لبنان، ويجثم على صدره، إلا أنه لا يقود سورية، على الرغم من أنه أنقذ سفّاحها، والسبب خضوعه لـ “زمن الجولان” الذي يتعايش فيه منذ نصف قرن “أبطال تحرير” أسديان مع الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، ونصر الله منذ عقد ونيف مع احتلال مناطق في جنوب لبنان.  نشأ “زمن الجولان”، عندما نجح حافظ الأسد في إجبار جيش إسرائيل على احتلال الجولان من دون قتال، وأسقطه إذاعياً قبل يومين من وصول الاحتلال إليه. وتكرس بعدما تسلم حافظ الأسد السلطة في سورية، ليحكمها باعتبارها بلداً محتلاً، ويطوّب “بطلاً مقاوماً/ ممانعاً”. ولكنه سقط مع ثورة الحرية في سورية، بإطلاق “الجيش العقائدي” النار على العزّل من المواطنين، وغزو نصر الله سورية لإنقاذ الأسد من شعبه، بأمر من خامنئي، أفهمه أن شعب سورية سيكون عدوّه الوحيد، من الثورة فصاعداً.
فرض “زمن الجولان” نهجه على أبطال التحرير والمقاومة في دمشق وبيروت، بعد أن استلهمه الأسد مما وقع بعد احتلال فرنسا الألزاس واللورين، فقد جمع رئيس أركان الجيش الألماني ضباطه، وأمرهم بوضع خطةٍ لتحريرهما، “على أن لا نتحدّث عنها أبداً، ونعمل لها دوماً”. يبدو أن الأسد جمع ضباطه، بعد نجاحه في تسليم الجولان لإسرائيل، وأمرهم بوضع خطة لتحريره، “على أن نتحدّث عنها دوماً، ولا نعمل لها أبداً”. هذه الخطة، التزم نصر الله بها بعد عام 2006، وانخرط في حرب تحرير كلامية، تدور معاركها في سورية منذ نصف قرن ونيف، أبقت الاحتلال الإسرائيلي في أحسن حال وأنعم بالـ: سوريا ولبنانيا.
بما أنه ليس هناك أسدي إيراني يجاري “السيد” في قدراته الكلامية، وأهليته “لتحرير” لبنان وسورية وفلسطين خطابياً، فقد احتكر تحرير فلسطين والجولان وجنوب لبنان، قبل أن ينقل معركة التحرير إلى داخل سورية، ويحولها إلى حرب ضد “التكفيريين”. بما أن خطب التحرير التي ألقاها نصر الله ضد أغلبية الشعب السوري الثائرة على الاستبداد لم تحجب حقيقة ما فعله، فقد عادت حربه السورية عليه بتهمٍ أسقطت رمزيته مقاوماً يقوّض نهجه زمن الهزيمة العربي السائد، ويفضح خيانة قياداته، بمن فيهم بشار الأسد، وفضحته واحداً من رموز “زمن الجولان” الأسدي، لن يرد له اعتباره، من مشاركته في قتل السوريين فصاعداً، تهديد إسرائيل الكلامي بإعادتها إلى العصر الحجري، إن هي اعتدت على لبنان، ثم وما إن اعتدت على مربعه الأمني وحزبه، أي عليه شخصياً، حتى توعدها بـ “العمل” على إسقاط طائراتها المسيّرة، قبل أن يذكّر لبنان بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، وينسى أنه كثيراً ما نتف ريشه في خطبه، ويحتفي بانتصار الطيران الروسي على الآمنين في ريفي حماة وإدلب، كأن من قتلوا وهجروا صهاينة يحتلون فلسطين، وليسوا سوريين وقفوا إلى جانبه، قبل أن يغزوهم ويفتك بهم.
… وقد فات “السيد” أن حربه ضد سورية لم تفضحه وحسب، وإنما قلصت أيضاً هامش تسامح إسرائيل مع حقه في التحرير الكلامي، بما أن زمن الثورة السورية ألغى “زمن الجولان”، وهدم سقف عنترياته اللفظية على رأسه، بعد أن طاولت ضرباتها العراق، وغطت سورية، ونالته شخصياً في عقر داره.
سيد حسن: اخرج من “زمن الجولان”، فقد أنهته إسرائيل بعد ما ترتب على دخولك بالسيف إلى سورية من حربٍ لا تعايش ولا مزاح بعدها. واعلم أن صواريخك لن تفيدك، ما دمت غارقاً في دماء السوريين، وتواجه “لعنة” أيتامهم وأراملهم التي تلاحقك، ولا نجاة لك أو لبشار الأسد منها.

اترك رد