عن بيان سادة الكنيسة المسيحية في سوريا… بماذا تحتفلون؟!

بقلم: ميشيل كيلو

افترض، أيها الآحبار الأجلاء، أنكم تعرفون كم هتف المتظاهرون للحرية وللشعب السوري الواحد، وتعلمون أيضا أنه لم تظهر نشرة اسلامية، أو صورة زعيم أو مقاتل اسلامي، ولم يظهر بيان مذهبي، خلال أشهر الثورة الستة الأولى، وأن أول من تحدث عن الطائفية كان مستشارة بشار الأسد السيدة بثينة شعبان، فإن كان لديكم شكّ في ذلك، استمعوا إلى خطاب الأسد، الذي يؤكد أن السلاح لم يظهر في الأحداث قبل نهاية شهر رمضان، بعد مضي ستة أشهر على الثورة، مع أن الجيش والمخابرات كانا قد قتلا وجرحا ثلاثين ألف متظاهر سلمي، واعتقل مئات ألوف السوريات والسوريين، قبل أن ينجح في إجبار الناس على حمل السلاح دفاعا عن أنفسهم، دون أن يتوقفوا عن إطلاق هتافهم النبيل، الذي يقول: “سوريا بدها حرية، والشعب السوري الواحد”، والرصاص ينهمر عليهم كالمطر. بعد عام من عدم الاستجابة للمطالبه بإصلاح يقوده بشار الأسد، زعم النظام أنه لم يشارك في المطالبة غير “الإرهابيين”، الذين بلغت نسبة قتلى العزل إلى قتلاهم اربعة وتسعين من كل مائة قتيل!. ألا يقول هذا الرقم لكم شيئا؟!

قبل مغادرتي فرع امن الدولة يوم 17 أيار/ مايو عام 2009، قابلني اللواء على مملوك، واخبرني وقد علت وجهه ابتسامة شامته: لم يعد هناك ما تعارضونه، فالنظام استعاد دعم اوروبا بعد زيارة ساركوزي لدمشق، واميركا وروسيا دولتان تدركان دورنا في المنطقة والاقليم، أما الداخل، فنحن لا نواجه اي تحد فيه، لأن الديمقراطيين ضعفاء، ولم يبق لدينا تنظيمات اسلامية ، عدا ما نوظّفه لاختراق المساجد. لذلك، انصحك بالتخلي عن أوهامك كمعارض. سألته باستغراب: لكنكم تتحدثون ليل نهار عن خطر التنظيمات الاسلامية والارهاب، فقال: هل يعني ذلك انه موجودة، واعاد القول: ليس في سوريا تنظيمات اسلامية من اي نوع، غير الموالية لنا ؟!.

ـ تعلمون أنه ما إن قامت الثورة حتى صار كل سوري إرهابيا، وصار على ذوي أي مواطن مات في حادث سير أن يوقع اقرارا بأن من فقدهم من أسرته قتلوا والبنادق في أيديهم، ولو كانت اعمار بعضهم لا تتعدى السنوات الخمس. هذه حادثة وقعت شهر نيسان/ ابريل من عام 2011 في مشفى المواساة، بعد شهر من الثورة، فقد قتلت سيدة دمشقية وطفليها في حادث سير، ووقع والدهم المنكوب آنهم قتلوا في اشتباك مسلح مع الأمن. أظنكم تعلمون إن البندقية الروسية صارت في تلك الفترة تباع مع مائة طلقة بمائتي دولار، وأن السلاح من سيارات تلفاز “الدنيا” في مجالس العزاء، ليصور لسلاح للمعزين . وأظن أنه ليس بعيدا عنكم ذلك اليوم، الذي علقت فيه على بوابة وجدران كنيسة الصليب في القصاع اوراق تحذر من تفجيرها بسيارات مفخخة. عندما أخبر بعضهم احد السفراء بالأمر، وانذر هذا وليد المعلم من الاقدام على جريمة كهذه، غابت السيارات ونجت الكنيسة!.

ـ هل تعتقدون أن حزب الله ، الذي غزا بلادنا لانقاذ بشار الاسد، اقتحم”القصير” وفي ايدي مقاتليه قوائم باسماء الارهابيين، الذين تذرع بمحاربتهم في سوريا، كي لا يصلوا إلى بيروت؟ وإذا كان هذا هدفه الحقيقي ، كيف تسوغون ترحيل ثمانين الف مواطن عن بيوتهم، بمن فيهم آلاف المسيحيين، ومقتل عشرات الأطفال بسلاح الحزب، وهل تصدقون أنه لم يكن في هذا العدد الهائل بعض كارهي الارهاب، الذي رفضوا مغادرة مدينتهم؟ ألم تستمعوا إلى الفيديو، الذي ينشد “ابطاله” أغنية يقول مقطع منها: “رصاصة منك ورصاصة مني ما منترك بالارض سني “؟”. وهل فاتتكم مشاهدة فيديو آخر، يعترف جنرال روسي فيه أن بوتين ارسله لادارة الحرب في سوريا، فقرر تحويل ثورة تنادي بالحرية ووحدة الشعب، إلى حرب ضد الارهاب ؟. هل فهمتهم الآن ، لماذا صار طفل الآعوام الخمسة ارهابيا، ولماذا اجبر والده على توقيع اقرار يقول إنه قتل والسلاح في يده ؟. إذا كنتم لم تسمعوا بهذا، فلا بد أنكم شاهدتم الضابط الذي يأمر جنوده بدفن إنسان حيا لانه لا يقول بشار ربي. في اي سوريا تعيشون، إن كنتم لا تعرفون هذا ؟.وماذا يبقي لكم من مسيحية، إن كنتم تعرفونه وتهنئون مع ذلك القاتل بانتصاره على ملايين السوريين، الذين جعلهم شعبا ارهابيا، لأن الروس وملالي طهران وبيروت ودمشق يرون إن الحرب ضد الإرهاب اربح من الحرب ضد طالبي الحرية السلميين؟ بالمناسبة: أفيدونا إن كنتم تعرفون تنظيما ارهابيا طالب كالسوريين بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية! وهل كانت هذه يوما مطالب ارهابي واحد في أربع أقطار الأرض؟! سيقول قتلة الاسدية أن هذا كان غطاء الإرهاب. إذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يفضحهم الاسد ويكشف مراميهم،بما لديه من وسائل وأدوات سياسية؟ ولماذا انقض على الملايين بالنار والحديد، بتهمة الارهاب، التي أنكر علي مملوك قبل ثلاثة اعوام إمكانية إلصاقها بسوري واحد، لأن الإرهابيين المحتملين لا يمكن ان يكونوا غير جماعته، التي نظمها ليخترق بها المسلمين.

ـ تتحدثون عن” رؤية مستقبلية لدولة وطنية تقوم على الديمقراطية وحكم القانون والمساواة في المواطنة واحترام التنوع “. هذه الجملة تعني أن دولة الاسدية ليست وطنية . في هذه، أنتم على حق، فهل مطالبكم، المتماهية تماما مع مطالب الثورة، خيار تتمسكون به، أم أنها مجرد غطاء كلامي يسوغ احتفاءكم بانتصار نظام قاتل شعبه ، لأنه رفض هذه المطالب بالذات، ودمر سوريا كي لا تقوم فيها مساواة في المواطنة وحكم قانون واحترام للتنوع ؟ ألا تلاحظون أنكم تصبحون موضع شبهة عندما تهللون ل”انتصار” احزرته دولة غير ديمقراطية ولا يحكمها القانون… الخ، وتدينون الشعب الذي طالب بها، وقدم التضحيات لبلوغها؟

ـ أخيرا: اشاد النظام بعد مجازر حماه عام 1982 بنجاج أسلوبه في اجتثاث التطرف، ونصح بتطبيقه في كل مكان. أود سماع رأيكم حول هذا النجاح ،اذا كان قد نجح حقا اول مرة، لماذا اعاد تطبيقه مضاعفا عشرة اضعاف طيلة ثمانية اعوام ونيف، اغلق خلالها جميع منافذ الحوار والحلول السياسية، وفتح ابواب الجحيم وارهاب الدولة الاشد فتكا؟. تتحدثون عن وحدة سوريا، بربكم، هل وحدتها في ذبح الملايين من ابنائها، وطرد نصف شعبها منها، وتدمير عمرانها، واخضاعها لاربعة احتلالات أجنبية دفاعا عن رئيس طالبت اربع لجان تحقيق دولية باحالته إلى محكمة الجنايات في لاهاي؟.

ـ بعد خروجي من السجن عام 2009 ، علمت أن غبطة البطريرك الراحل هزيم طلب مرتين اخلاء سبيلي ، لكن بشار الاسد رفض طلبه، لذلك قال لزوجتي: يا بنتي، الحزب الواحد لا يرى إلا نفسه، ونحن جميعا في سجن !.

اترك رد