شهوة الارتهان

حسن النيفي

تكشف التداعيات المأسوية لسيرورة الصراع في سوريا، عن ردّات فعل تكاد تكون متشابهة من حيث التمظهرات الخارجية، وفيها قليل من التباين على مستوى المضامين، فما هو متشابه مثلاً، موجات السخط العامة المشوبة بمشاعر الإحباط، وتوجيه اللوم الممزوج بالاتهام إلى هذه الجهة الفصائلية أو تلك، أو ظهور موجة من النقذ اللاذع للكيانات السياسية للمعارضة، وربما يذهب بنا تتبّع هذه التداعيات أحياناً إلى أمور تختلط فيها الحقائق بالأوهام، ويتداخل فيها ما هو شخصي وذاتي بما هو عام، ولا تختفي علائم هذه التداعيات إلا بمرور فترة من الزمن.

ما هو واضح أن تكرار المشاعر والانفعالات الموازي للأحداث بات يتخذ أشكالاً نمطية، ساهمت إلى حدّ بعيد في تغييب الرؤية المتبصّرة، والبحث بقدرٍ من الموضوعية في السياقات العامة للأحداث من جهة، كما ساهمت في تعطيل الرؤية الفاحصة عن مقاربة الأحداث من أكثر من جانب، من جهة أخرى. أما الجزء المتباين من ردّات الفعل فعادة ما يكون ملحقاً بالطرف الأكثر بروزاً على واجهة الأحداث، ومن ذلك مثلاً، ربط ما جرى ويجري من تراجع على جبهات إدلب وشمال حماة، باتفاق السابع من آب 2019 الذي أُبرم بين واشنطن وأنقرة، باعتباره صفقة تم بموجبها تنصّل تركيا من مسؤوليتها في حماية إدلب، مقابل الحصول على تأييد روسي لتدخل تركيا في شرق سوريا، علماً أن الحديث عن صفقات تركية – روسية ليس بجديد، بل هو استمرار للحديث عن الصفقة السياسية بين الطرفين المذكورين حول حلب الشرقية في أواخر العام 2016 .

لعلّ تركيز الحديث عن الدور التركي وأثره المباشر على ما يجري له ما يبرره لدى الجمهور العام، نظراً لكون تركيا هي إحدى الدول الراعية والمؤسسة لمسار أستانا من جهة، ولكونها جهة إقليمية تملك نفوذاً مباشراً على جزء من الجغرافيا السورية من جهة ثانية.

لعلّه من البدهي أن تثير المواقف التركية غضب كثير من السوريين، كما أنها قد لا يكون لها الأثر نفسه لدى البعض، ولستُ في هذا السياق معنيّاً بالدفاع عن أي جهة إقليمية تدخّلت في الشأن السوري، بل ربما العكس هو الصحيح، ولكن السؤال الذي يمكن أن يبرز جراء ترسيخ الحديث عن الدور التركي هو الآتي: هل كان التدخل التركي في الشأن السوري منذ عام 2011 مقروناً أو مشروطاً برضى السوريين؟ وهل كانت دوافع التدخل التركي في سوريا نابعة من أولويات المصلحة التركية أم السورية؟ وهل كانت الكيانات السورية المعارضة – كطرف رسمي يمثل السوريين – تتعامل بندّية مع شريكها التركي، أي أنها كانت تأخذ بعين الاعتبار أولوية المصلحة الوطنية السورية، أم أنها رضيت بدور التابع المُنقاد؟ وهل كان قادة المعارضة السوريون – العسكر والساسة معاً –  مجبرين على الانصياع والالتحاق برغبات الحكومة التركية، أم أنهم كانوا مُتخَمين بقابلية الارتهان، ويتنافسون على حيازة موقع انتفاعي، مهما كان شأنه، لدى الجانب التركي؟

يبدو أن وجود إجابات جريئة على التساؤلات السابقة قد يكون المدخل الأنسب لمقاربة الأدوار الإقليمية في الثورة السورية. ولئن كان الحيّز المتاح في هذه المقالة لا يسمح بمقاربة تتسم بالشمولية والإحاطة الكافية بهذا الخصوص، فلا بأس، بل لا بدّ من الإشارة إلى أن أيّ تقييم للتدخل الإقليمي في سوريا عليه ألّا يتجاهل الجذر الحقيقي للمشكلة، ويمضي خلف تداعياتها فحسب.

ما ينبغي تأكيده هو أن جميع الأدوار الإقليمية في سوريا لا تنسب لممارساتها أبعاداً قيمية، بل هي تعلن بكل وضوح عن أولوياتها المصلحية قبل كل شيء، ولا يغيّر من هذه المعادلة غزارة الكلام المنحاز إلى الأفكار الإنسانية وحقوق الإنسان، أو حق الجوار أو واجب الأخوّة.

لقد كان الحضور العربي- الخليجي على وجه الخصوص- في سوريا، موازياً بقوة لانطلاقة الثورة منذ آذار 2011 ، وقد وصل تضخم هذا الحضور إلى وجود جيوش كاملة أُسست وتغوّلت في الأرض السورية بفعل المال الخليجي، وقد ترك وجودها أخطاراً فادحة وعوامل مدمرة للثورة، وحين أدرك الخليجيون لا مبالاة واشنطن بالقضية السورية، وإعطاءها الضوء الأخضر لبوتين منذ أواخر أيلول 2015 كي يستفرد بالشأن الميداني ويمكّن نظام الأسد من سحق المعارضة المسلّحة، لم تجد بأساً – حينها – في استدارة موقفها الذي لم يعد يُعنى بالوقوف مع الشعب السوري المقاوم لنظام الأسد، بل باتت مواقفها تتجه نحو التماهي مع الموقف الأميركي وكذلك العديد من المواقف الدولية التي لم ترَ في ما يجري من إبادة في سوريا، سوى أنه حرب بين النظام وقوى إرهابية، ثم في خطوة لاحقة، بادرت أكثر من دولة خليجية إلى إنهاء مقاطعتها لنظام الأسد، إذ شهدت أواخر العام 2018 عودة العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات ودمشق، كما جرت مساع حثيثة لإعادة نظام الأسد إلى الجامعة العربية، وقد تمثلت تلك المساعي باجتماع وزراء خارجية كلٍّ من الإمارات وعمان والأردن ومصر والكويت على شاطئ البحر الميت، وذلك استباقاً للقمة العربية التي أقيمت في تونس في آذار 2019 ، إلّا أن الكابح الحقيقي الذي حال دون إنجاح تلك المساعي هو الرغبة الأميركية بالاستمرار في محاصرة نظام الأسد، كإحدى استراتيجيات واشنطن في الضغط على إيران.

حين نتحدث عن الأدوار والمواقف الخاذلة لثورة السوريين، سنجدها كثيرة إلى درجة الإدهاش، خذلان أخلاقي وإنساني بدأ به العرب قبل الأعاجم، وجاهر به المسلمون قبل أن يفصح عنه غير المسلمين، خذلان عالمي يترجمه تواطؤ فاضح مع آلة القتل الروسية التي تستبيح دماء السوريين دون أية نأمة ضمير في العالم، هل هي مؤامرة كونية على السوريين؟ لستُ ممن يقول بذلك، ولكنها صراع المصالح التي اتخذت من الأرض السورية مسرحاً لاحترابها، وقد رسّخ مخاطرها وآثارها المدمّرة، كما عزز استمرارها انزياحُ أصحاب المصلحة الوطنية السورية عن دورهم المأمول، ليتحوّلوا إلى أصحاب أدوار وظيفية في أجندات الآخرين.

تلفزيون سوريا

اترك رد