بين جيش النظام وجيش الوطن!

بين جيش النظام وجيش الوطن!

ظل النظام الأسدي يحتفي بما يعتبره رموزه، من شعار: وحدة، حرية، اشتراكية، التي تكشفت عن مجرد ادعاءات للمواربة والتلاعب والتغطية، إلى التغني بالوطن، الذي ماهت بينه وبين النظام، بحيث اختصرت سوريا بالنظام، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، شعبا ودولة، سيما في شعارها: “سورية الأسد إلى الأبد، بمعنى إنها اختصرت حتى النظام بالعائلة الحاكمة ممثلة بشخص الرئيس، إلى التغني بالجيش العربي السوري”، الذي عملت على تهميشه وإضعافه لصالح وحدات وفرق عسكرية خاصة، ضمنها الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، مثلا، وطبعا فهي أضفت على تلك الرموز صفات قدسية  .

بخصوص الجيش، ليس بين مسوغات الاحتفاء والقداسة ما ينطبق على جيش الأسدية،  فهو، بادئ ذي بدء، ليس جيشا وطنيا ، ولو كان كذلك ، لرفض أن يقتل طيلة ثمانية أعوام ونصف العام مواطنات ومواطنين سوريين من جميع المنابت والاتجاهات، وفي جميع قرى وبلدات ومدن سوريا، دفاعا عن سلطة فقدت شرعيتها بتمرد شعبها عليها ، ولكان صان أمن الشعب وسلامته وحقه في اختيار حكامه ونظامه، بدل الدفاع عن شخص يأمره بقتل وتهجير شعب مسالم، جريمته أنه طالبه بإصلاح أحوال نظامه وبلاده، وعندما أصابه اليأس من الاستجابة لمطلبه الشرعي والقانوني، واستمر “جيشه” في اطلاق الرصاص على مظاهراته السلمية، كان من الطبيعي آن يطالبه بالرحيل.

ليس الجيش الحالي جيشا سوريا، ناهيك عن أن يكون عربيا، لأن النظام الذي يأتمر بأمره لعب أخطر الأدوار بالنسبة لإسقاط عروبة سورية وانتمائها القومي، قبل أن يتحالف مع إيران ضد المشرق العربي والخليج، منذ عام ١٩٧٩ وحتى اليوم، حيث صار جزءا من منظومتها الأيديولوجية / المذهبية، ومجالها السياسي السيادي، وإلا لما أطاع كثير من قادته أوامرها، وقرر رئيسه منح مرتزقتها الجنسية السورية، التي سحبها من ملايين السوريين، مكافأة لهم على الفتك بشعب يفترض أنه شعبه.

ليس الجيش الأسدي غير تشكيل فئوي مسلح معاد لسوريا، فقد هويته الوطنية منذ بداية عام ١٩٦٤، عندما قررت “اللجنة العسكرية” تطييفه وقصر قياداته على طائفة معينة، وانصاع لقرار حافظ الأسد تسليم الجولان لإسرائيل دون قتال، لإنقاذ تركيبته الطائفية، وحكم سوريا بواسطته. في حزيران من عام ١٩٦٧، نزع حافظ الأسد صفة الوطنية عن الجيش، وحوله إلى أداة في يد سلطة إقصائية، قررت استعماله لحكم شعبها بالقسر والإكراه، واستبدال حوامل الدولة المجتمعية بدولة عميقة تماهت مع طائفة هي تكوين ما قبل مجتمعي/ ما دون دولوي. بين عامي ١٩٦٧ و١٩٧٠، أنجز الجيش هذه المهمة التي غرّبت نظامه عن الوطن والشعب، ولم تقلع منذ ذلك الحين عن تقويض الدولة وتقسيم وتطييف المجتمع، لذلك لم تعد سلامته ومصالحه بين اهتماماتها.

أين الجيش الأسدي من حماية الدولة والمجتمع، إذا كان هو الذي تولى تقويض الأسس التي تنهضان عليها ليكون الوطن لجميع بناتها وأبنائها؟ وأين قيمه الطائفية والسلطوية من القيم التي تنبنى عليها روابط الوطنية، التي تنسجم فيها مصالح الفرد والمجتمع، فينضبطا بقيم ومعايير واحدة يرتبط باحترامها أمن الشعب وعيشه المشترك، والنظام الشرعي، الذي تقيه قوانينه أهواء الحاكمين وعسفهم، وتقي الحاكمين غضب مواطنيهم وتمردهم؟ وأين الجيش الأسدي من الدفاع عن السيادة الوطنية، إن كان يتعايش بسلام منذ أكثر من نصف قرن مع الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وخاض ثلاثة حروب استمرت مجتمعة أياما قليلة وحسب، بينما انقض منذ قرابة تسعة أعوام بكل ما لديه من سلاح على شعبه، دون أن يتوقف يوما واحدا خلالها عن قتل بناته وأبنائه العزل، أو يعترض قادته على ذبح ملايينه وطردهم إلى خارج وطنهم، أو يرفض إعطاء أوامر لجنده بإطلاق النار على متظاهرين يهتفون للحرية، التي وعدهم بها قبل سبعين عاما الحزب، الذي ينتمي ضباطه جميعهم إليه؟ باسم أي سوريا ذبح الجيش الأسدي شعب سوريا؟ هل كان يحمي الشعب من خطر الحرية، أو كان يقتله لأنه متمسك في هتافاته بوحدته؟ أم ذبحه لينقذ نظاما طائفيا جعلت تركيبته جيشا كان وطنيا قبل عام ١٩٦٤ أداة قتل وحكم، تشن حربا ضروسا على شعب سوريا، لكنها ما أن غزت لبنان، واكتشف حافظ الأسد أنها صارت تحت رحمة إسرائيل، القادرة على تدميره، حتى قرر طي صفحة الصراع ضدها، وفتح صفحة صراعات عربية / عربية، بحجة النضال ضد عملائها من العرب حصرا، بينما تتمتع هي بشمس الجولان وهوائه. لو كان الجيش الأسدي وطنيا لرفض هذا كله.

لو كان الجيش الأسدي وطنيا، هل كان انصاع لسياسة خرقاء تقوم على خوض حرب داخلية ضد الشعب، والاستنجاد بقوى خارجية تنقذ من قرر هذه السياسة، التي أتت بالاستعمار إلى سوريا، وتتمسك ببقائه فيها، وتبيعه ثرواتها ومناطقها، سواحلا وجبالا وسهولا بالجملة والمفرق، وتنصاع له إلى درجة أنها لن تجرأ يوما على العمل لإخراجه من وطننا، وسوابقها في الجولان تشهد على ذلك، وكيف تعمل لإخراجه، إن كانت عازمة على تدمير سوريا بمعونته إلى الحد الذي يكاد ينتفي معه وجودها كوطن وكشعب، بجرائم جيش روسيا ومرتزقة طهران؟ ما هذا الجيش الذي يقبل مبادلة استقلال وطنه وإخضاعه لأربعة احتلالات مدعومة بعشرات التنظيمات الإرهابية، كي يحافظ رئيسه غاصب السلطة على كرسيه، دون أن يسأل ضباطه أنفسهم إن كان قتل الشعب هو الطريقة الأفضل لإدارة البلاد والعباد؟ ألم يتساءل من يذبحون شعبهم من ضباطه عن النهاية، وهل هي انتصار نظامهم أم نهايته؟ ألم يتعظوا بأمثلة مماثلة عرفها تاريخ الشعوب، خال الحاكم خلالها أنه ضمن استمراره بذبح مواطنيه، بينما أسقطه عنفه في هاوية لا نجاة له منها وفيها؟ وأخيرا، ألم يفكر أحد من قادته باستحالة خروج الأسدية منتصرة من معركة استخدمت فيها السلاح لمواجهة مطالب سياسية واجتماعية لا تحل بوسائل وأدوات من غير جنسها، وأن إطلاق النار على طالب عمل وقتله لا يحل مشكلته، بل يوقع النظام في مشكلة لن يخرج سالما منها؟

ليس الجيش الأسدي سوريا، ليكون عربيا، وليس جيشا، ولو كان كذلك لالتزم بمدونة الجيوش القانونية / الأخلاقية، التي تمنعها من التدخل في صراع سياسي طرفه الآخر شعب مسالم وأعزل، مطالبه وطنية وعادلة، وتعزز أمن وسلام الدولة

بروكار برس

Leave a Comment