( شرق الفرات: منطقةٌ أمنيةٌ أَمْ آمنة؟ )

( شرق الفرات: منطقةٌ أمنيةٌ أَمْ آمنة؟ )


• د. محمد عادل شوك: ( الأيام السورية )

ثَمَّة قاعدة أساسية في السياسة: لا شيء يُعطى من غير مقابل. و بناءً على ذلك ينبغي النظر إلى حالة الشدّ بين أمريكا و تركيا حول منطقة شرق الفرات.
إذْ تصرّ تركيا على أن تكون المنطقة التي يدور الحديث حولها شرق الفرات بطول 150 كم، و عمق 40 كم، منطقة آمنة، بإشراف أمريكي ـ تركي، و بإدارة تركية خالصة، تؤسس فيها بُنى تحتية و مناطق سكنية، تتسع لمليون سوري، تنوي تركيا إعادتهم هي و دول أوروبا بدعوى عدم الاندماج في مجتمعاتها.
و هو الأمر الذي ترفضه الإدارة الذاتية ( الجهة المدنية الممثلة لقوات قسد )، بذريعة أن تركيا تنوي من ذلك تغييرًا سكانيًا في المنطقة، تستهدف منه المكون الكردي، على المدى البعيد، على غرار ما كان من النظام، حينما وطّن العرب في مناطق الأكراد في القامشلي، منذ مجيئه إلى السلطة في أوائل ستينيات القرن الماضي.
يبدو أنّ روايتها قد حظيت بالقبول الأمريكي؛ ما جعل الحكومة التركية تستشعر ذلك، و تحسّ به من خلال المماطلة في الاستجابة إلى طموحاتها، في جعل المنطقة بديلاً مناسبًا، يغري كثيرًا من السوريين ـ الذين كما أسلفنا ـ تنوي هي و حكومات الاتحاد الأوروبي إعادتهم إلى تركيا، و من ثَمَّ إلى مناطق في الداخل السوري.
و تجلّى الانزعاج التركي حول هذه المماطلة في التصريحات المتتالية للرئيس أردوغان، حول تحايل الأمريكان على نقاط التفاهم مع تركيا حول عمق و ماهية المنطقة التي طال التباحث حولها بين الطرفين، ما جعله يرسل الرسائل تترى إلى بلدان اللجوء الأوروبي بأنّ بلاده ليست مضطرة لتحمل تبعات اللاجئين السوريين بمفردها، و لاسيما الأمواج الأخيرة التي تكدّست على حدودها بعد التصعيد الروسي الأخير على إدلب، و قد باشرت تركيا بالسماح لما يقرب من ثمانية آلاف سوري بالوصول إلى شواطئ اليونان خلال الأسابيع الأخيرة، ما سبب قلقًا أوروبيًا واضحًا، انعكس إيجابًا على ثني روسيا عن المضي في حملتها على إدلب.
إنّ أمريكا لا تريد أن تجعل تركيا تمضي بعيدًا في أحلامها في جعل المنطقة شرق الفرات منطقة آمنة، على المقاس الذي تريده من غير أثمان تدفعها في صفقة S 400، و F 35، و التجارة البينية التي يبحثها في هذه الأثناء الوزير ويلبر روس، مع نظيرته التركية روهصار بكجان في العاصمة أنقرة التي وصل إليها في زيارة رسمية، يأمل في أن تصل قيمة صادرات بلاده إلى تركيا، 50 مليار دولار، وبذلك يتحقق التوازن في التبادلات التجارية بين البلدين.
و إلاّ فإنّ المنطقة لن تعدو أن تكون منطقة أمنية، تأخذ في الحسبان هواجس تركيا على الشريط الحدودي، من غير أن تصل إلى العمق و الرؤية التي تنشدها تركيا، و هو ما صرحت به السفارة الأمريكية في دمشق، تزامنًا مع زيارة الوزير ويلبر روس إلى أنقرة.

Leave a Comment