عن اللجنة الدستورية وقضية الخديعة التي لا تنطلي على السذج

محمد صبرا


أعلن الأمين العام للأمم المتحدة عن إطلاق عمل ما يسمى باللجنة الدستورية في سورية والمؤلفة من 150 عضوا، موزعين بنسب متساوية بين المعارضة والنظام والمجتمع المدني.
في الآونة الأخيرة ثارت نقاشات كثيرة حول هذه اللجنة وكان أغلب النقاش يتمحور حول الأسماء واعتراض النظام على بعض الأسماء.
هذا النقاش بحد ذاته كان مجرد إلهاء عن حقيقة أساسية وهي أن اللجنة ستكون مجرد أداة لوأد كل نضالات الثورة السورية وتضحياتها، فالمشكلة ليست بالأسماء ولا الحصص ولا رئاسة اللجنة، بل في الإطار الإجرائي الذي ستعمل فيه في مرحلة النقاش والأخطر من ذلك في الآلية القانونية التي ستنقل عمل اللجنة من حيز السكون إلى حيز الفعالية، أي في تحويل مخرجات اللجنة لمؤسسة قانونية ملزمة للأطراف.
حسب الأنباء التي وردت فإن مخرجات اللجنة التي يجب أن يتم التوافق عليها بنسبة 75٪ أي 113 عضوا ستخضع للاستفتاء العام، وقد تبدو كلمة الاستفتاء كلمة جذابة وبراقة وديمقراطية، وستخرج أصوات نشاز كثيرة تقول ولماذا تخافون من الاستفتاء الذي سيشارك به الجميع وتحت إشراف الأمم المتحدة، وهنا أقول أيضا ، ليست المشكلة في الاستفتاء ولكن في آلية الاستفتاء وفق ما سأشرح تاليا:
1- إن اللجنة الدستورية بحد ذاتها هي مخالفة جوهرية للقرار 2254 الذي يعتبر أساس العملية السياسية .
2- القرار 2254 نص صراحة على أن هدف العملية السياسية هو تطبيق بيان جنيف لعام 2012 ووضع لذلك خطة عمل تقوم على مفاوضات لمدة ستة أشهر يكون هدفها الوحيد هو تشكيل حكم انتقالي شامل وغير طائفي يتولى كل السلطات التنفيذية في الدولة، وبعد تشكيل هيئة الحكم الانتقالية تكون مهمتها الوحيدة هي وضع دستور جديد للبلاد وتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية بموجب الدستور الجديد خلال 18 شهرا، هذا ما نص عليه القرار 2254.
3- موضوع اللجنة الدستورية هو قرار روسي تم تمريره عبر تكاتف ثلاث قوى هي : جزء من المعارضة التي ذهبت في الخيار الروسي التركي المشترك عبر آستانة وهم من يتولون عملية تسويقه سوريا عبر كلام أغلبه غير صحيح ، القوة الثانية كانت دعم منقطع النظير للمبعوث الدولي السابق ديمستورا للخيار. الروسي التركي في موضوع آستانة ولاحقا موضوع سوتشي، القوة الثالثة التي ممرت مثل هذا الموضوع المخالف للقرار 2254 هي مقولة ” لن نكون ملكيين أكثر من الملك ” والتي تبنتها بعض الدول الغربية والعربية تحت ذريعة أن جزءا كبيرا من المعارضة موافق على هذا الطرح وأن من ذهب إلى خيار آستانة هم من السوريين .
4- ولذلك الذهاب في خيار اللجنة الدستورية يعني المسائل التالية : التخلي عن بيان جنيف وعن المرحلة الانتقالية التي تديرها هيئة الحكم الانتقالي.

-الموافقة على أن بشار الأسد هو من سيضع قطار الحل السياسي على السكة عبر الآلية القانونية لإقرار عمل اللجنة الدستورية ، وهذا يعني الاعتراف بشرعية بشار الأسد وربما لاحقا بحقه في الدخول في الانتخابات القادمة ، والتي سيخرج لنا فطاحل من المعارضة تعرفونهم ليصرخوا في وجوهنا أننا عدميون وأننا نخاف من الديمقراطية واتركوا الصندوق يحدد مصير البلد.
5- ذهاب مخرجات اللجنة للاستفتاء يعني أنها ستقدم مجرد مشروع دستور أو توصيات بتعديلات دستورية ولن يكون هناك كتابة لدستور ناجز وملزم وهذا المشروع لن يكون مصادقا عليه من الأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن يجعله ساريا بمجرد صدور قرار مجلس الأمن.
6- الفقرة السابقة تعني أنه لابد من آلية قانونية لتجسير عملية الانتقال من الوضع الحالي للوضع الجديد الذي يصبح مشروع الدستور الجديد ساريا، هذا التجسير سيقول عنه البعض من عتاة المعارضة بأنه ضروري لمنع خلق فراغ دستوري وستسمعون مثل هذا التبرير الكاذب لاحقا فلا تصدقوه لأن من يتحدث به ربما لا يدرك معانيه كاملة.
7- إذن عملية التجسير حسب الأنباء ستكون في الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد، وهنا مربط الفرس، لأن اللجنة لا تستطيع أن تدعو هي للاستفتاء على الدستور بل لابد من العودة لدستور بشار الحالي لتنظيم عملية الاستفتاء باعتبار أن مخرجات اللجنة مجرد مشروع يحتاج لإقراره من قبل الشعب.
8- في دستور بشار لعام 2012 المادة 116 تقول : ” لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب في القضايا المهمة التي تتصل بمصالح البلاد العليا وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة ونافذة من تاريخ إعلانها، وينشرها رئيس الجمهورية” . ولا يوجد في كل دستور بشار آلية أخرى لإجراء الاستفتاء.
9- ترتيبا على ما سبق فإن مجرد صدور مرسوم من قبل بشار بإجراء الاستفتاء يعني تشريع لكل مرحلة بشار وكل الإجراءات التي قام بها خلال السنوات الماضية وهو الأمر الذي حذرنا منه سابقا واستقلنا بسببه من هيئة التفاوض مع كثير من الزملاء ،ويعلمه بعض زملائنا الذين أصروا على الذهاب في خيارهم الذين ترونه حاليا بغض النظر عن دوافعهم لهذا الخيار.
10- إن ما سبق بالضبط هو سبب تمسكنا بموضوع الإعلان الدستوري المؤقت ورفضنا للجنة الدستورية، لأننا كنا نعلم أن خيار اللجنة الدستورية بغض النظر عن تركيبتها وآلية عملها سيكون خيارا انتحاريا سيؤدي لإهدار كل نضالات الثورة السورية، لكن للأسف بعض من أصروا على خيارات الذهاب مع ديمستورا باتجاه اللجنة الدستورية وهم يعلمون خطورة هذا الموضوع ما زالوا يصرون على الكذب على السوريين سواد عن جهل منهم أو عن علم مسبق نتيجة لأسباب أترفع عن ذكرها.

اترك رد