جبهة النصرة التي اغتالت سوريا

ميشيل كيلو

بالمقارنة مع “داعش”، تنظيم الارهاب الآخر، حظيت جبهة النصرة بمراعاة تستحق الاهتمام والدراسة. فالنصرة في الأصل تنظيم قاعدي، لكنه نادرا ما عومل كإرهابي، رغم ما وجه اليه من انذارات وتحذيرات وتنبيهات وتهديدات. ومن يتابع عدد ما تعرض له من ضربات جوية، سيكتشف أنها لا تقارن بما ناله منها أي فصيل محدود القدرات من الجيش الحر .

  هذا الوجه من علاقة العالم بالنصرة لطالما أثار الدهشة، فقد أحجم الأميركيون عن مهاجمته، وكذلك فعل الروس، بعد غزوهم سوريا عسكريا نهاية شهر ايلول من عام ٢٠١٥، رغم أنهم تذرعوا به للانخراط المباشر في الحرب ضد سوريا. كما لم تستهدفه غارات القوتين الدوليتين إلا نادرا، بينما كانت القنابل تتساقط كالمطر على فصائل من الجيش الحر، أو تنسب نفسها اليه، بسبب محدودية انتشار النصرة قرب مراكز السلطة في دمشق والجنوب السوري، وخطر دور الجيش الحر على النظام. هذا الوضع ،استمر حتى بعد انتقال مركز القتال إلى الشمال، حيث مثلت “هيئة تحرير الشام ” الفصيل الأكبر، وسيطرت على ثمانين بالمائة من ادلب وريفها، ومع ذلك، أحجم الروس عن استهداف مراكز قوتها، رغم سيل القنابل الذي انهمر طيلة أشهر على قرى وبلدات ريفي حماه الشمالي وادلب الجنوبي الآمنة، وما خاضوه من معارك شرسة فيهما مع جيشي العزة والنصر .

   هناك ، كما اعتقد، أمران يفسران هذا الدور :

  ـ أن النصرة لم تنفذ عمليات خارجية، على العكس من داعش، لذلك تجنبت وضع نفسها في مواجهة جبابرة العالم خارج سوريا ، الذين اعتبروها تنظيما له طابع ارهابي محدود، يستحسن عدم استفزازه، كي لا تكون العمليات الخارجية رد فعله على التحرش به  ضربه.

ـ أنه نفذ عملياته جميعها ضد الفصائل التابعة للجيش الحر: الخطر الحقيقي على النظام، والجهة التي يمكن للعالم الخارجي التعاون معها كطرف لا يمارس الارهاب، ويقاتل من أجل خيارات مقبولة دوليا كالحرية والعدالة والمساواة . لم يهاجم الروس النصرة، لانها كانت تخوض معركة الغاء الفصائل الأخرى في مناطق سيطرتها شمال ووسط السورية، وتقوم بدور حليف للنظام نجح في تدمير قرابة عشرين تنظيما دربت بعضهم واشنطن، وصادرت اسلحتهم، دون أن تبدي واشنطن وموسكو أي رد فعل على النصرة باستثناء الاقلاع عن تدريب “فصائل معتدلة”، قبل تفكيك ووقف دعمها لها، والافادة من “انجازات” النصرة للتخلي عن الحد الأدني من كبح الحرب الإبادية على السوريين .

  ـ بقدر ما تراجع الجولاني اسميا عن هويته القاعدية، بقدر ما وسع عمليات قضم ادلب ومناطقها، وأمسك بمفاتيح منع تطبيق اتفاقيات سوتشي واستانا أو السماح به، وتمسك برؤيته المرفوضة دوليا وسوريا للنظام الذي يريد اقامته في سوريا، وبحقه في تمثيل ما بقي من ” المحرر”، واحتكار قراره. هذا الدور هو استمرار حرفي للدور الذي سبق أن لعبه باسم القاعدة، ويقوم على التمسك بهدف غير قابل للتحقيق، النتيجة الوحيدة للتمسك به هي سفك الدم السوري في كل مكان.

ومع أن تنظيم الجولاني لم يكن مؤهلا لأخذ السلطة، واقامة نظام اسلامي، فإنه لم يرحم السوريين، ولم يوفر دماءهم، ولم يعلن تخليه عن ما ليس بوسعه بلوغه، فيسحب بذلك ورقة الحرب ضد الإرهاب، التي تفتك بالشعب، من أيدي المنتفعين بها. غير أن الجولاني تمسك بحربه على الفصائل ليكون خيار الحرب والسلم الوحيد. بهذه الخطة، شاركت الهيئة بأقل قدر من القوة للدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها، ومنعت فصائل وازنة من ادخال سلاح ثقيل واعداد كبيرة من مقاتليها اليها، خشية منافسته عليها. والنتيجة، التخلي عنها للروس والايرانيين ومرتزقتهم، ليفتكوا بمواطنيها .

  ـ وسع الجولاني دوره ونفوذه رغم قرار دولي بالتخلص من “هيئة تحرير الشام”، اسم “جبهة النصرة” التنكري، ورفض ما اتفقت تركيا عليه مع موسكو حول الطرق الدولية وتنظيم دوريات تركية/ روسية مشتركة، والخروج من منطقة عازلة عرضها عشرون كيلومترا. انتظر الروس والاتراك قرابة عام، قبل أن يتفقوا على تطبيق الاتفاق بقدرات روسيا العسكرية ومرتزقة ايران والأسد.خلال هذه الفترة، تحامت الهيئة بالشعب، وضحّت به من أجل حسابات عبثية كاقامة دولة دينية، بدل أن تضحي من أجله، وصار جليا أنها تتلاعب بأمن وسلامة السوريين، بوضعهم في موقع لا قبل له بتبعاته، ولا تتردد عن فعل أي شيء يفضي إلى الفتك به بسلاح من تخدمهم مواقفها في دمشق والخارج، وأن التعارض بين خطتها وقدرتها على تنفيذها يدفع ثمنه السوريون، الذي لا تبدي ادني اهتمام بحياتهم، ولذلك يعني بقاؤها تدمير سوريا، ويحتم بقاء سوريا زوالها!.   

  ـ بعد حلب والفاجعة التي انزلها السلاح المتأسلم بها، شاع الاعتقاد بأن السلاح سيخرج من أيدي من شوهوا ثورة الحرية، ومثلوا ثورة مضادة احتلتها من داخلها وافرغتها من مضامينها الاصلية. لكن ما حدث على الأرض عاكس هذا التوقع، فبرزت الهيئة وقدمت نموذجا هو الأسوأ بين تنظيمات العسكرة المتمذهبة، عاجز عن القيام بأي دور إيجابي، واقتصرت وظيفته على إلحاق ضرر مصيري بشعب المناطق الخاضعة له، في ظل معادلة جعلت عائد وجود التنظيم الوحيد يتجلى في مساعدة الروس والإيرانيين وميليشيات الاسدية على تقويض أمن وسلام السوريين وما بقي من ثورتهم.

   زوال النصرة، كتنظيم إرهابي لا علاقة له بالحرية والعدالة والمساواة، صار ضرورة وطنية، لذا لا بد من تقدم الوطنيين السوريين، أو من بقي منهم، لإنضاج البديل القادر على الفوز ببعض ما تتيحه القرارات الدولية من حقوق لشعب سوريا، علما بأن تطبيقها سيكون ضربا من الاستحالة، في حال سمح الوطنيون بإسقاط دورهم وخيارهم أيضا.

بروكار برس

اترك رد