هل يمكن إعادة تأهيل نظام “بول بوت” سوريا؟

أنور بدر

تسعى الأمم المتحدة الآن ومعها كثير من الحكومات الغربية، والأنظمة الإقليمية، لإعادة تأهيل نظام الأسد الصغير في دمشق، بوصفه أفضل من الفوضى الراهنة، بل من البدائل المتطرفة المطروحة، من دون أن ننسى وجود كتلة داخلية داعمة لهذا الخيار، بغض النظر عن دوافعها المتعلقة بالمصالح أو الانتماءات أو الخوف من استمرار الراهن المعيش بكل مآسيه، وبغض النظر عن حجمها الحقيقي أيضا.

ومع أن هذا المسعى بُنيّ على نتائج المعارك العسكرية التي تُقرأ بوصفها انتصارا للنظام وداعميه الروس والإيرانيين في استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من الجغرافيا السورية، عبر ممارسة العنف العاري والمعمم، ويمكن قراءتها أيضاً بوصفها مؤشرا على فشل المعارضة السورية وعجزها عن تقديم بدائل مقنعة للسوريين وللعالم، إلا أن مقدمات هذا المسعى تعود أصلاً إلى تغاضي المجتمع الدولي عن كل الجرائم التي ارتكبها نظام الاستبداد السوري التي لم يعرف لها العالم مثيلاً منذ الحرب الكونية الثانية، باستثناء جرائم “الخمير الحمر” في كمبوديا، بقيادة “بول بوت” الذي حكم من عام 1975 حتى 1979، ولقب حينها بطاغية العصر.

بين تجربة “بول بوت” في سبعينات القرن الماضي وتجربة “بشار الأسد” الراهنة، كثير من المشتركات الصادمة، على الرغم من عقود أربعة تقريباً تفصل بينهما، فالأول قضى -بحسب احصاءات الأمم المتحدة ومنظمة اليونسيف- على 2،5 إلى 3 ملايين شخص من أصل 8 ملايين كمبودي بينهم 1،386،734، أُعدموا بطرائق وحشية ووزعت جثثهم على 20 ألف مقبرة جماعية، فيما قتل الأسد حتى الآن أكثر من مليون شخص لم تتمكن الجهات الحقوقية من توثيق أكثر من 511 ألف ضحية حتى نهاية العام المنصرم، مع وجود 98279 مفقود بحسب احصاءات الشبكة السورية لحقوق الانسان، وقرابة مليوني مصاب ومعوق ضحية البراميل المتفجرة والقصف العشوائي الذي يقوم به طيران النظام ومعه الطيران الروسي، ما أدى إلى تهجير 12 مليون سوري بين نازح ولاجئ.

لكن مَن يتابع المشتركات بين الطاغيتين، كقتل الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء عموما، مَن يتابع تدمير البنى التحتية وإفراغ المدن والبلدات مَن قاطنيها، من يتابع التدمير أو الاستيلاء على مراكز العبادة والصحة والتعليم وتحويلها إلى سجون ومراكز عسكرية، مَن يتابع الموت المجاني وعبثية الشعارات الثورية، سيكتشف تطابقا كبيرا بين الحالتين، على الرغم من الفوارق النسبية في الأعداد والإحصاءات، مع ملاحظة أن الطاغيتين، بول بوت والأسد الصغير، لم يرتكبا مجازرهما ضد أعداء بلدانهم، بل ضد مواطنيهم الذين يُفترض بالدولة وجيشها وأجهزتها الأمنية حمايتهم والدفاع عنهم.

على الرغم من ذلك، يبقى التشابه الأهم بين التجربتين برأيي كامناً في الموقف الدولي من الصراع في المنطقتين، فإذا استعدنا -بالنسبة إلى كمبوديا- الدور الأمريكي زمن الحرب الفيتنامية، والصراع الروسي الصيني من جهة ثانية والتحالفات الإقليمية، حتى بعد استيلاء الفيتناميين الشماليين وقسم من المعارضة المدعومة من الكرملين على العاصمة الكمبودية “بنوم بنه” عام 1979، وفرار “بول بوت” بقواته من “الخمير الحمر” إلى غرب البلاد، حيث استمرت سلطتهم على تلك المناطق بدعم من الحكومة التايلاندية المجاورة، من دون أن تخلع الأمم المتحدة شرعيتها الدولية عن هذه السلطة المجرمة بحق الكمبوديين، إذ استمر أحد أصدقاء “بول بوت” بشغل مقعد حكومة “كمبوتشيا الديمقراطية” حتى بعد توقيع اتفاقيات باريس للسلام عام 1991.

وإذا كان ذلك يجد تسويغه في توازنات الحرب الباردة وتناقضاتها لتلك الحقبة، ونتائجها الكارثية، فإن تدويل الصراع في سوريا منذ اندلاع ثورة الحرية والكرامة وحتى الآن هو الوحيد الذي يفسر تمسك الأمم المتحدة بشرعية نظام الفساد والاستبداد في دمشق، على الرغم من فداحة المجازر والجرائم التي ارتكبها بحق السوريين، بما فيها جرائم المنظمات الجهادية والإرهابيين الذين رعاهم وأمدهم بأسباب البقاء، وعلى الرغم من خرقه كل الخطوط الحمراء لأنظمة الديمقراطية في العالم الحر ولمنظمات حقوق الإنسان التي اكتفت جميعها بإصدار بيانات الاستنكار والإدانة.

الآن وبعد ثماني سنوات من القتل والتدمير في سوريا، يستأذن المبعوث الدولي “غير بيدرسون” النظام السوري لزيارة دمشق، حيث يؤكد على مواصلة “العمل مع المعارضة والنظام معا” من أجل الوصول إلى حل سياسي، من خلال تمكين الأمم المتحدة “من تشكيل لجنة دستورية”، بوصفها الخطوة الأولى لبناء الثقة، ومستقبل أفضل لسوريا عبر “التنفيذ التدريجي لقرار مجلس الأمن 2254”، متجاهلا أن النظام عمل في خلال سنتين على تعطل تشكيل هذه اللجنة الدستورية التي انطلقت الدعوة إليها بمبادرة روسية، وكانت وما زالت تمثل بالنسبة إليهم انقلاباً على الحل السياسي، المنصوص عليه في الفقرة الرابع من القرار 2254 الذي أقره مجلس الأمن الدولي بالإجماع في نهاية 2015، حيث تضمنت تلك الفقرة: أن الدستور والانتخابات هي خطوات تالية   لتشكيل هيئة حكم انتقالي، كان يفترض أن تتشكل خلال ستة أشهر من ذلك التاريخ.

مع ذلك يمكن الجزم بالمقابل، أن السوريين أغلبهم ليسوا ضد اللجنة الدستورية، لكن المسألة تكمن في آلية إنتاج هذه اللجنة وآليات عملها أيضا، ومصير مخرجاتها على أرض الواقع، إذ يدرك الجميع أن إشكالية السوريين لم تكن في الدستور قط، على الرغم من الملاحظات الكثيرة على كل الدساتير التي أنتجها نظام الفساد والدكتاتورية، بل كانت الإشكالية في طبيعة النظام الاستبدادي الذي وضع الدستور على الرف، منذ أعلن في الثامن من آذار 1963 حالة الطوارئ، وحتى بعد إلغائها في نيسان 2012، حيث استعاض عنها مباشرة بقانون مكافحة الإرهاب، لأنه يدرك هو وداعموه أن أي تغيير في بنية هذا النظام ستؤدي إلى نهايته.

فالنظام الذي قتل السوريين وهجرهم، ودمّر العمران والاقتصاد والمجتمع السوري، وحول سوريا إلى دولة فاشلة وفق المعايير الدولية كلها، لم يعد يملك أي أهلية أخلاقية أو سياسية تمكنه من الاستمرار في حكم السوريين، إلا عبر الموقف الدولي الذي منح شرعية دولية لنظام “بول بوت” طاغية سبعينات القرن الماضي، وهو يُصرّ الآن على منح هذه الشرعية لطاغية العصر الراهن “بول بوت” سوريا.

فهل يمكن لخيارات الجنة الدستورية أو الانتخابات أن تنتج حلا سياسيا يبقي النظام من دون أي تغيير في جوهر سلطته وآليات سيطرته الاستبدادية؟ وهل يكون حلا سياسيا إذا لم يفتح أفقاً لعقد اجتماعي جديد بين النظام والشعب يقوم على غير مبدأ الإخضاع والعنف الذي ساهم بداية في اندلاع ثورات الربيع العربي، بغض النظر عن مآلاتها الراهنة؟

نجاح الأمم المتحدة في تسويق وإنجاز أي من خياراتها الافتراضية كاللجنة الدستورية أو الانتخابات، لن تغير شيئا في مستقبل سوريا والسوريين، ومن غير الممكن استمرار الحياة في دولة فاشلة تتحكم فيها كثير من الميليشيات المسلحة، ولن تكون روسيا أو إيران قادرتان في ظل أزمتهما الاقتصادية على إعادة إعمار ما دمرتاه في سوريا، من دون حل سياسي يعيد إلى السورين الحد الأدنى من الكرامة والحرية التي خرجوا إلى الشارع يطالبون بها، ومن دون حد أدنى من العدالة الانتقالية، ومن دون ذلك فإن المجتمع الدولي يساهم بطريقة أو أخرى في إنجاز الثورة المضادة في سوريا.

لكننا نعرف أن الطغاة يرحلون كما رحل “بول بوت” وخميره الحمر، وأن الشعوب هي الباقية، فلا وطن من دون مواطنة ولا حرية من دون أحرار.

بروكار برس

اترك رد