( تجربة سجن جامعة ستانفورد )

( تجربة سجن جامعة ستانفورد )


• د. محمد عادل شوك: ( الأيام السورية )

صورة ملف ‏محمد عادل شوك‏ الشخصي ، ‏ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏‏

” السلطةُ المطلقة تُخرِج أسوأَ ما في النفس البشرية “، تلك هي النتيجة التي خلص إليها عالم النفس الأمريكي، فيليب زيمباردو، في تجربته الشهيرة، التي سميت ” سجن جامعة ستانفورد “، و أصبحت معتمدة في مراجع علم النفس الاجتماعي.
قام بتقسيم مجموعة مختارة من الطلبة إلى مجموعتين: المساجين و السجَّانين، في سرداب جامعة ستانفورد الذي تم تصميمه ليبدو كسجن، في الفترة ما بين: 14 ـ 20/ 8/ 1971.
قامت البحرية الأمريكية بتمويل الدراسة، لفهم الصراعات في نظام السجن عندها، و تمّ الإعلان عن التجربة في الجرائد للحصول على مشاركين مقابل 15$ كل يوم، للمشاركة في محاكاة لتجربة السجن، مدتُها أسبوعان، فاستجاب للإعلان 70 شخصًا، اختار زيمباردو ( 24 ) متطوّعًا منهم، كانوا الأكثر ملائمة من حيث الاستقرار النفسي والصحة البدنية، و كان غالبيتهم من البيض الذكور، ومن الطبقة الوسطى، وجميعهم طلاب في المرحلة الجامعية.
أُخذ الطلبة المساجين من بيوتهم مقيدين بالأصفاد، على يد زملائهم السجّانين، الذين أتوا إليهم مرتدين لباس ضباط شرطة، و أعطوا حقّ التصرف كما يحلو لهم، من غير أدنى دون أي مساءلة، و كانت النتيجة كارثية، و أثارت جدلًا أخلاقيًا واسعًا في الأوساط العلمية؛ نظرًا للتحوّل المُرعِب الذي حدث للسجانين، الذين شعروا ألا مساءلة لهم مهما فعلوا، لقد فوجئ كيف أصبحوا يتعاملون بخشونة و عنف لدرجة تعذيب زملائهم، على الرغم من أنهم قد عرفوا بتهذيبهم و هدوئهم و تفوقهم الدراسي، الذي جعلهم يلتحقون بهذه الجامعة العريقة.
لقد وضعت مجموعة من القيود على المشاركين، أملاً في أن تمنع الهذيان والاختلالات في الشخصية، وانتفاء الهوية الفردية، فتسلّم الحراس عصي الشرطة، و ارتدوا بزات اختاروها بأنفسهم من محل أزياء عسكرية، و زوِّدوا بنظارات عاكسة لتجنب التواصل البصريّ مع المساجين.
قبل بدء الاختبار بيوم واحد، جمع الحراس لحضور جلسة تمهيدية، و شرح لهم ما يمكن أن يقوموا به تجاه زملائهم المساجين، ما عدا العنف الجسديّ:
” يمكنكم أن تولدوا لديهم إحساسًا بالخمول، ودرجة ما من الخوف، من الممكن أن توحوا لهم بشيء من التعسف، يجعلهم يشعرون بأنكم وبأن النظام وبأننا جميعًا نسيطر على حياتهم، لن تكون لهم خصوصيات ولا خلوات، سنسلبهم من شخصياتهم وفرديتهم بمختلف الطرق؛ الأمر الذي سيقودهم إلى شعور بفقدان السيطرة على أنفسهم، و بأنّ السلطة المطلقة ممنوحة للسجَّانين، و ألَّا سلطة لهم “.
سرعان ما خرج الأمر عن السيطرة، فمنذ الأيام الأولى شاعت بين السجناء مظاهر البكاء والاضطراب في التفكير، ما جعل الحراس يتطوّعون للعمل ساعات إضافية للقضاء على التمرد، من دون أي إشراف من الطاقم المشرف على الاختبار، و لمّا تطوّر الأمر حاول الحراس أن يفرقوا السجناء ويحرضوهم ضد بعضهم البعض، من خلال تقسيمهم إلى زنزانتين واحدة للجيدين، والأخرى للسيئين، ليوهموهم بأنّ هناك مخبرين تم زرعهم سراً بينهم.
لقد نجحت الخطة وآتت أكلها، فلم يظهر بعد ذلك أيّ تمرد كبير، فلقد عانى السجناء، واحتملوا ممارسات سادية ومهينة على أيدي الحراس، و بدت على عدد منهم علامات الاضطراب العاطفي، و ازداد السلوك السادي عند بعض الحراس، و لاسيّما في ساعات الليل، ظنًّا منهم بتوقّف كاميرات المراقبة عن العمل، لدرجة أنّ معظم الحراس انزعجوا عندما تم إجهاض التجربة قبل الوقت المحدد لها.
لقد قدّم هذا الاختبار نموذجًا لأنماط الطاعة والانصياع، التي يبديها الناس عندما يتعرضون لنظام أيديولوجي، يحظى بدعم اجتماعي ومؤسساتي، و تمَّ توظيفه بنجاح في السجون الحقيقية في أمريكا؛ لتوضيح وفهم معالم قوة السلطة، و أنّ الواقع الذي يعيشه الإنسان هو الذي يتحكّم في سلوكه، أكثر من أي شيء آخر موروث في شخصيته.

Leave a Comment