ترحيب إيراني “مشروط” بالتفاوض مع السعودية

ترحيب إيراني “مشروط” بالتفاوض مع السعودية

عبدالوهاب بدرخان

تغيّرت الظروف وانتقلت إيران من النداءات المتكررة للحوار والتفاهم مع دول الخليج، ولاسيما السعودية، الى اشتراط التفاوض وفقاً لمعادلة “إمّا معنا أو مع اميركا”.

بعدما أقرّ رئيس الوزراء الباكستاني تلميحاً بأنه نقل رسالة سعودية شفوية الى الرئيس الإيراني، وبعدما قال رئيس الوزراء العراقي تصريحاً إن السعودية تريد السلام والتهدئة وإنها وإيران مستعدتان للتفاوض وفتح ملفات كانت حتى الآن مغلقة، شاع تفاؤل حذر بأن الدولتين متجهتان الى حوار ظل متعذّراً لأعوام لكن تصاعد التوتّر في منطقة الخليج بات يستوجبه، استبعاداّ لشبح الحرب.

كانت طهران دعت، منذ انتخاب حسن روحاني رئيساً عام 2013، الى حوار مع دول الخليج ولا سيما السعودية، لكن الرياض اعتبرت أن الظروف غير متوفّرة لحوار متكافئ، وطلبت أن تبادر إيران الى وقف تدخلاتها في دول مجلس التعاون كما في سوريا والعراق ولبنان واليمن. لكن الملف لم يُطوَ بل تابعته عُمان والكويت لبلورة صيغة لإطلاق الحوار، غير أن اندلاع حرب اليمن (2015) ساهم في تعقيده، ومع ذلك أوصت القمة الخليجية في البحرين (2016) بأن تتولّى الكويت صوغ ردّ على رسالة إيرانية وأن تبلغه الى طهران على أن يتضمّن المحددات الخليجية لأي حوار، وأهمها احترام حسن الجوار وبناء أي تطبيع للعلاقات على أساس المواثيق والمعاهدات الدولية. كان ذلك متناغماً مع دعوة الولايات المتحدة الى إيران لـ “تغيير سلوكها”، وبطبيعة لم يلقَ استجابة من طهران لأن تقنين الحوار على هذا النحو لا يلبي تطلعاتها.

في لقائه مع شبكة “سي بي اس” الأميركية شرح ولي العهد السعودي عملياً دوافع توجهه المفترض الى التفاوض مع إيران، فبعدما قال الأمير محمد بن سلمان أن الحرب “ستدمّر الاقتصاد العالمي” وأن “الحل السياسي والسلمي أفضل من الحل العسكري” انتقل الى التحذير من أنه “إذا لم يتخذ العالم اجراءً قوياً وحازماً لردع إيران فسنشهد مزيداً من التصعيد” الذي سيعطّل إمدادات النفط. قبل ذلك كان واشنطن اعتبرت ضرب منشآت بقيق وخريص النفطية “عملاً حربياً خطيراً” ارتكبته إيران لكنها تريد التفاوض على “حل ديبلوماسي” (بومبيو). في هذه الحال لماذا لا تبادر السعودية أيضاً الى التفاوض، طالما أنه لم يعد هناك معنى لكل هذا التوتير في المنطقة، ولم تعد هناك مصلحة سعودية في وضع لا يريد طرفاه الأساسيان الحرب لكنها تتلقى وحدها الضربات الإيرانية والابتزازات الأميركية.

تغيّرت معطيات الأزمة وأصبح على السعودية أن تضع حداً لاستخدامها وقوداً في حرب بالوكالة اسقط فيها دونالد ترامب مبدأ رئيسياً في الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط والخليج، وهو حماية منابع النفط وإمداداته، كما أسقطت إيران كل محظور لتنفّذ تهديداتها واثقةً بأنها ستفلت من أي محاسبة أو عقاب. فمنذ بداية صراعها مع ايران كانت السعودية تتشارك مع الولايات المتحدة الأهداف ذاتها، وعلى رغم توسّع هذا الصراع وتعمّقه لم تعمد الرياض الى أي تصعيد عشوائي كونها مدركة موازين القوى كما أنها خبرت خلال عهد باراك أوباما ضرورة الحذر من تقلبات “الصديق” الأميركي. أما سياسة الضغط الأقصى على إيران، بما فيها من عقوبات مشدّدة وتحشيد بحري، فهي أساساً خيار ترامب وادارته، ولم يكن لدى السعودية خيار آخر غير دعمها، خصوصاً لأن إيران وأتباعها لم يعودوا يخفون أنهم يستهدفونها لمكانتها الدينية وزعامتها الإقليمية وثروتها النفطية ودورها في الاقتصاد العالمي.

صحيح أن إيران دأبت على إرسال إشارات بأنها تريد علاقات جيدة مع دول الخليج لكنها كانت تواصل سياسات تخريب ممنهج حيثما حلّت، بدءاً من العراق فسوريا ولبنان واليمن وكذلك في البحرين. أي أنها سعت الى تفاهم مع الخليج لكن بشروطها وتأسيساً على ما كانت “أنجزته” في تلك الدول، كذلك اجتذاباً للخليج واستباقاً لاصطفافه مع الولايات المتحدة في أي مواجهة محتملة ومتوقّعة. لو كانت أهدافها سليمة فعلاً لكان عليها أن تأخذ في الاعتبار المطالبات الخليجية بوقف تدخّلاتها، إذ لم يكن لأي حوار أن يتوصّل الى نتيجة صحيحة طالما أن نظام الملالي لا يكف عن مباركة “نجاحات” استراتيجية “تصدير الثورة” مع أنها تصدير للكوارث، ولا يتردّد في الجهر بأنه لا يقبل بأقل من الهيمنة على المنطقة عبر اختراق المجتمعات بميليشياته المذهبية.

على رغم أن طهران رحّبت بالرغبة السعودية في التفاوض إلا أن لهجتها تغيّرت لأن الظروف تغيّرت. إذ بنت ردودها الأولى على شروط، كيف؟ تعتبر إيران أنها من جهة تحقق “انتصارات” في صراعها مع الولايات المتحدة مستدلّة الى ذلك بتمرير اعتداءاتها على ناقلات النفط واسقاط المسيّرة الأميركية وبإبقاء الاتحاد الأوروبي متمايزاً عن موقف واشنطن وأخيراً بالجهد الدولي الذي بُذل في نيويورك لترتيب لقاء بين ترامب وروحاني وكيف أن رفضها شكّل “هزيمة” للرئيس الأميركي. وتعتبر ايران، من جهة ثانية، أنها انتصرت في حربها اليمنية على السعودية، بدليل أنها جيّرت ضربة منشآت “أرامكو” لمصلحة الحوثيين وحصدت مكاسب من انقسام المعسكر الآخر في عدن واهتزاز التحالف السعودي – الاماراتي، وبالتالي فقد حان الوقت كي تفرض شروطها طالما أن التفاوض مع الرياض سيكون في حال حصوله على خلفيتَين: تجنب ضربة أخرى لمنشآت النفط، وتجاوز الطريق المسدود في المن حيث لم يعد الحسم العسكري متاحاً ولا الحل السياسي ممكناً.

لم تسعف الديبلوماسية محمد جواد ظريف لإخفاء لهجة التشفي من الجانب السعودي، إذ ذكّر بأن إيران كانت الساعية الى “التفاهم” مع جيرانها وليس الى التوتّرات، ثم قال: “إذا توصّلت السعودية الى قناعة بأنها لا تستطيع تحقيق أمنها بشراء السلاح وتفويض أمنها إلى الآخرين فستستقبلها إيران بصدر رحب”. هذه الرسالة كفيلة بأن تنسف مشروع الحوار إذا كان له أن يتمّ، لماذا؟ لأنه يعني أن طهران تطرح على الرياض معادلة مستحيلة “إمّا معنا أو مع اميركا”. وبدا ظريف كأنه يلخّص ما ذهب إليه الناطق باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي حين قال إن إيران “ترحّب بتغيير السعودية سلوكها بالأفعال لا بالأقوال” مركّزا على أمرين: “إنهاء الحرب والعدوان على اليمن”، واستجابة مبادرة “السلام في مضيق هرمز” أو “تحالف الأمل” التي طرحها روحاني اخيراً على دول المنطقة لتتشارك إيران مع دول مجلس التعاون والعراق في ضمان أمن الخليج.

كانت الدول الخليجية، عدا قطر وعُمان، أبلغت الولايات المتحدة أنها تدعم أو تشارك في التجمع الدولي الذي تشكّله لحماية أمن الملاحة في مياه الخليج. ويحاول العراق النأي بنفسه عن هذا التجمع، إلا أن دخول إيران على الخط بمبادرة روحاني قد تربكه، وربما تربك أيضاً دول الخليج بعدما كثّفت طهران تهديداتها بأنها لن تقبل وجوداً أجنبياً في مضيق هرمز. الأكيد أن مسألة أمن الملاحة في الخليج ومَن يتولّاه ستكون عنوان التصعيد الإيراني في المرحلة المقبلة، وقد تنفّذ طهران تهديداتها للسعودية والامارات وحتى الكويت لاصطفافها مع الجانب الأميركي.

Leave a Comment