أشراف الأسدية

أشراف الأسدية

ميشيل كيلو

عندما مات باسل الأسد في حادث غامض، وهو يغذ السير إلى أمواله في النمسا، وبحوزته ملفات مهمة عن النفط السوري، تبين أن ابن الثانية والثلاثين من العمر أودع في مصارفها ستة عشر مليار دولار أمريكي، أي إنه كسب في كل عام من أعوام عمره القصير خمسمئة مليون دولار، متفوقا في ذلك على بيل غيتس وأقرانه من أثرياء العالم المتقدم الكبار.  لم يخبر أحد السوريين بمصدر تلك الثروة الأسطورية، وكيف جناها من دون علم أبيه الزاهد في الدنيا الذي لا يعقل أن يكون قد قبل هذا المبلغ التافه ثمنا لقطعة أرض جبلية صغيرة حول القرداحة ولمنزل صغير في دمشق “تبرع” بهما للدولة.

   قبل أيام، أعلن في دمشق خبر لم يصدقه أحد من الذين أعرفهم، وهو أن أم حافظ، زوجة بشار الأسد، أمرت بالحجز على أموال “ومشروعات” رامي مخلوف ، ابن خال بعلها الذي ذكّر إسرائيل عام ٢٠١١ بما يستبعد أن تكون قد نسيته بعد تسلّمها الجولان عام ١٩٦٧، وهو أن أمنها من أمن النظام، وأمن النظام من أمنها، واشتهر منذ ذلك الوقت بوطنيته، وبما هو أهم منها : عفة نفسه ونظافة كفه، ولذلك أكد بعض عارفي الأسدية أن الخبر ليس صحيحا، لأن الأموال المحجوزة هي لبشار، ومن المستبعد أن تصادرها زوجته، بما أن أهلها يملكون تلالا من المال الحلال الذي حصلوا عليه من إخوتهم المواطنين الذين جادوا به عليهم، على الرغم من أنهم لا يملكون عملا منذ نيف وعقد، ولا يجدون ما يسد رمق عيالهم، هذا إن كانوا لم يطردوا من بيوتهم إلى خارج وطنهم، أو لم يمارسوا السياحة في الخيام في بلادهم ذاتها.

  حدث هذا، بينما انتشرت معلومات عن إجراءات طالت أكثر من مئة عفيف نظيف من شرفاء النظام الذين لم تعرف مخابرات بشار -شريكتهم في جمع المال الحلال- أنهم جنوا ثرواتهم من عرق جبينهم، كالأخوين قاطرجي، والكادحين محمد حمشو، وسامر فوز وأضرابهما من عتاة أكلة لقمة الشعب، ولم تسمع بهم، على الرغم من أنها تسمع دبيب النمل، بسبب ضجيج الحرب على الإرهاب التي شنها الأسد عل المطالبين بالحرية والعدالة والمساواة، القيم التي يستميت الإرهابيون للتمسك بها والموت من أجلها، كما تقول تجربة العالم مع سكاكينهم.

   لم تر الأجهزة أيضا من كانوا من الأثرياء الجدد بالأمس القريب جدا من أحط حثالات المجتمع، وصعدوا في عالم اللصوصية كالصواريخ الأسدية الفريدة من نوعها في العالم، ولذلك تسقط في كل غارة جميع صواريخ العدو ولا تسقط أي واحدة من طائراته. ولم يكلف أي ضابط مخابرات أو مفتش مالي خاطره ويسأل هؤلاء: من أين لهم ما ذاع صيته من ثروة أثارت دهشة العالم بأسره وحيرة السوريين الذين انقطعت مصادر رزقهم، وأكل التضخم مدخراتهم ودخولهم ، وتراجعت زراعتهم إلى ما دون عشرة في المئة مما كانت عليه قبل حرب الأسد، وانهارت صناعتهم، ونضبت موارد سلطتهم من النفط، وأغلقت طرق التجارة الدولية عبر بلادهم، وتوقفت صادراتهم، وتبخرت ليرتهم السورية حتى لم تعد المئة منها تساوى ثمن الورق الذي تطبع عليه، وانحدر أكثر من تسعين في المئة منهم إلى ما دون خط الفقر، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، بل أعلن رئيس وزراء نظامهم -الذي دمر الطرف الشعبي السوري، في المؤامرة الدولية- إفلاس دولة الأسدية، وخلو مصرفها المركزي من القطع النادر.

   من أين أتى أشراف الأسدية هؤلاء بثرواتهم التي ندر أن جناها أحد في زمن السلم، والتنمية الاقتصادية المزدهرة، والتجارة الحرة، والزراعة الوفيرة الحصاد والعائد، والاستهلاك الشعبي المتزايد، والرواتب والأجور القادرة على تحريك الأسواق؟ ما هو مصدر ثرواتهم التي ربطتهم بسلطة أسدية جعلت السوريين غنيمة سهلة مكنتهم من الاستيلاء عليها، ونهب ما فوقها وما تحتها بإشرافها ورعايتها. وها هي أم حافظ الخرساء تمد يدها إلى جيوبهم، أي إلى جيبها بالوكالة، من دون أن تجد مخابراتها الجرأة في أنفس قادتها على سؤالهم عن مصدر مدخراتهم المليارية التي يعرف السوريون أن معظمها ذاهب باسم إعادة الإعمار إلى جيوب بعلها، أقله بالنسبة إلى الشريف العفيف رامي مخلوف الذي كان يدفع مئة ألف دولار ضريبة سنوية عن شركة سيرياتل بملايين مشتركيها الثمانية، بينما كانت شركات الخليوي اللبنانية تدفع ملياري دولار للدولة، مع أن عدد المشتركين فيها نصف عدد سوريي رامي الحرامي، أما فارق المليارات، فلم يكن هناك سوري واحد لا يعلم أنه يذهب إلى جيب بشار . لذلك لن يسأل لصوصه عن مصدر ثرواتهم، لأنه يعرفه خيرا منهم، وإذا كان سيستعيد ماله منهم، فلأنه أوكل إليهم نهب الشعب، بينما يتفرغ هو لقتله، وبما أن معركة الإجهاز عليه تكاد تنتهي، فإن معركته ستكون من الآن فصاعدا لاسترداد ما في جيوبهم، ليضاف إلى حصته من تعفيش بيوت السوريين وممتلكاتهم، أولئك الذين أعادهم “مواطنين على العضم “، كما خلقتهم يا ربي، وما كان يصله من حواجز الخمسة والعشرة مليون يوميا، المنتشرة في الوطن المنكوب، ويصل جنيها الحلال إلى مليارت الليرات سنويا. 

    تقول الأخبار إن بشاراً يريد فرض أتاوات على لصوصه، تبقي لهم جزءا من مسروقاتهم، بحجة بدء الإعمار الذي سبق له أن قصف الأعمار وخرب الديار، وأوصل سوريا إلى الثورة على الموت، كي لا يفقد شعبها ما كان باقيا له من حياة وكرامة. بقول آخر: سيتقاسم اللص الكبير “الغلة” مع لصوصه الصغار، وسيضع يده على ما نهبوه من بلد ساهموا في دفعه إلى الإفلاس، وشعب جوعوه حتى الموت، وسينظف الدماء التي على يديه بلحاهم، وقد يعدّهم إرهابيين، إن أخفوا عنه بعض منهوباتهم، أو رفضوا الدفع له.

  هذه سوريا الأسد: هكذا كانت وهكذا ستبقى، نظام لصوص يفترسون الشعب، ويأكلون بعضهم بعضا.

بروكار برس

Leave a Comment