النظام الأسدي والجزيرة السورية التي ليست له

رشيد حاج صالح

يبدو أنّ وصف ” أكثر الفرحين” هو الوصف الأكثر ملاءمة لردة فعل النظام السوري على العملية التركية الأخيرة في شمال شرق سوريا. لم يكن يرغب مستشارو بشار الأسد في التدخل في البداية لولا الطلب الروسي الذي نبههم إلى أهمية توقيع اتفاق عسكري مع مظلوم عبدي يسمح لقوات النظام بالانتشار في بعض المناطق الحدودية التي تسيطر عليها “قسد”, وذلك للحد من التقدم التركي داخل الأراضي السورية.

كيف تعامل النظام الأسدي مع الجزيرة السورية، قبل الثورة وبعدها، وما السر الذي يكمن وراء قناعته بأن الجزيرة السورية ليست له، والنظر إليها كـ “زوجة الأب” التي سيحصل التصادم الحتمي معها فور موت الأب.

تعود سياسية حافظ الأسد القائمة على تهميش أهل الجزيرة السورية وإفقارهم إلى سببين: الأول أنهم عشائر سنية لهم أقرباء في العراق، فرقتهم اتفاقية سايكس/ بيكو، وأن ولاءهم في النهاية كان لصدام حسين، العدو اللدود لحافظ الأسد في ثمانينيات القرن العشرين. أما السبب الثاني فيعود إلى أن أبناء الجزيرة السورية ليس لهم ثِقل يذكر في صفوف قيادات الجيش ومتطوعيه. هكذا كانت المنطقة تحتل أقل المراتب في إحصاءات التعليم والاقتصاد والخدمات، من دون أن ننسى المستوى المرتفع من التنمّر الذي كان يمارسه الموظفون الوافدون على سكان المنطقة، إذ كانت الفكرة السائدة عند طبقة الموظفين المتنفذين في دمشق واللاذقية أن أفضل طريقة لتأمين مستقبل أولادهم هي أن يُنتدبوا سنوات عدة للعمل في محافظتي الرقة أو الحسكة كي يجمعوا كمية من المال الفاسد.

ثم إن هامش العمل السياسي، تحت سقف النظام، كان أيضاً أقل من الهامش الممنوح في بقية المناطق السورية. حتى أن النظام، في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، استغل هرب بعض المعارضين الجزراويين إلى العراق لكي يفرض على المنطقة سياسات ترهيبية قادها محمد سلمان، محافظ الرقة في حينها، ووزير الإعلام في ما بعد. حتى أن أغلب أعضاء المؤتمر القطري لحزب البعث في 1985 اعتقلوا أكثر من خمس سنوات فقط لأن شِلّتهم كانت ضد “شِلّة” المحافظ المذكور في انتخابات ذلك المؤتمر.

أما وضع أكراد الجزيرة السورية فلم يكن أحسن حالاً، فقد كانوا الشغل الشاغل للفروع الأمنية. عام 2004 اندلعت أحداث القامشلي، في إثر مباراة بكرة القدم، هاجم العرب الأكراد فيها تحت تأثير التحشيد المخابراتي ضد الأكراد، وقتلت قوى الأمن أكثر من 25 كرديا واعتقلت مئات. كذلك كانت سياسة الفروع الأمنية واضحة وهي تغذية ثقافة الكراهية والثأر بين العرب والكرد، وتحقيق نوع من توازن الخوف بين سكان المنطقة، يكون النظام الأسدي هو الضامن له.

لم يشعر أهل الجزيرة السورية من عرب وكرد أنهم شركاء فعليون في سوريا في ظل النظام الأسدي، إذ بقيت صورة الشاوي والكردي في أدنى سلم التنميطات الاجتماعية، وموضع تندّر، وأحياناً أقرب إلى مكب نفايات لجرائم يرتكبها النظام.  روج النظام مثلاً في بداية الثمانينيات أن “الشوايا” يشكلون أغلب الجنود الذين اقتحموا مدينة حماه وارتكبوا أفظع الجرائم، وأن جلادي سجن تدمر أغلبهم من “الشوايا” أيضاً. يضاف إلى ذلك أن شباب الجزيرة السورية أغلبهم؛ شكلوا من جهة ثانية دخلاً معقولاً لضباط الجيش عبر أخذ رواتب شهرية منهم مقابل تركهم يعودون إلى بيوتهم، ويؤدون خدمة العلم افتراضيا “تفييشهم”. هذه الطريقة في الإثراء اخترعها ضباط الجيش لأن عناصره أغلبهم لم يكن لديهم عمل يذكر في دولة يفترض أنها تحضر نفسها لحروب صعبة مع جيش مُحتل وواحد من أقوى جيوش العالم

بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011 سرعان ما اتّضح أن النظام كان أصغر بكثير من أن يحتفظ بكامل الأراضي السورية، فكانت مناطق الشمال الشرقي لسورية أول المناطق التي فكر بتركها. في عام 2012 بدأ النظام بسحب ألويته من مناطق الجزيرة، ولاسيما قوات اللواء 93 في عين عيسى والفرقة 17 في الرقة ودير الزور، باتّجاه إدلب، المنطقة الأكثر حيوية والأقرب إلى قرى اللاذقية. بقيت الجهة الوحيدة التي ينسق معها النظام هي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.

بادئ الأمر تقاسمت السيطرة على المنطقة فصائل محلية بالإضافة إلى جبهة النصرة وأحرار الشام، إلى أن جاءت داعش وقضت على الجميع واستولت على 80 % من الجزيرة السورية، الـ 20% المتبقية سيطرت عليها قوات حماية الشعب الكردية، بالإضافة إلى النظام الذي احتفظ فقط بمطار دير الزور والأحياء القريبة منه، ووجود رمزي في مركزي محافظة الحسكة ومدينة القامشلي. بعد عام 2017 عاد النظام إلى مناطق واسعة في دير الزور وشرقي الرقة، بمساعدة من الفصائل الإيرانية والطيران الحربي الروسي، مثلما جند بعض شيوخ المنطقة والفصائل الإيرانية للقيام بحركة تشيّع واسعة في ريفي دير الزور والرقة لتغيير الخارطة الطائفية للمنطقة.

وصلت درجة عدم اهتمام النظام بمنطقة الجزيرة حداً أنّه وضع نقاط جمارك بين مناطقه ومناطق “قسد”, (كلفة مرور الشاحنة الكبيرة تصل أحيناً إلى 100 ألف ليرة سورية بموجب وصل صادر من مديرية الجمارك السورية)، بالإضافة إلى توقف طيرانه عن التحليق في أجواء المنطقة خوفاً من قوات التحالف، مثلما كان يستقبل وفود من” قسد ” في دمشق على الرغم من وصف إعلامه لهم بالـ “خونة “.

اليوم عادت الجزيرة السورية لتتصدر الأخبار بعد التطورات الدراماتيكية المتسارعة خلال الأيام القليلة الماضية. عملية تركية واسعة تستهدف السيطرة على مناطق حدودية، بدء انسحاب قوات أميركية من بعض تلك المناطق، ثم الاتفاق بين قوات سورية الديمقراطية والنظام على التعاون لمواجهة التدخل التركي. وما رافق ذلك من موجة نزوح كبيرة للأهالي من مناطق القتال، وانتشار موجة إشاعات يهوّل كل طرف من خلالها السيناريوهات المرتقبة للمنطقة.

الجديد بالذكر أن سكان الجزيرة السورية اعتقدوا، خلال سنوات الثورة الثمانية، أنّ مربط الفرس في دمشق، وأن وضع الجزيرة سيحدده من يسيطر على دمشق في النهاية، وأن الجزيرة السورية ستكون مجرد كعكة من بين الكعكات التي سيحصل عليها من يفوز في النهاية، ولذلك كان الانتظار هو سيد الموقف. اليوم اختلفت الصورة، ووجد قسم كبير من سكان المنطقة أنفسهم ينتقلون لسيطرة دولة ثانية بسبب صراع جرتهم إليه مغامرة وحدات الشعب الكردية، التي سيطرت على المنطقة منذ عام 2015 بفضل الدعم الأمريكي.

الأطراف التي أبدت رغبة بالتمسك بالجزيرة السورية، أكثر مما أبدى النظام، هي قوات حماية الشعب الكردية والأتراك، أما النظام فقد هجر المنطقة منذ نحو سبع سنوات، وصرحت وزارة خارجيته بعد عدة أيام من العملية التركية الأخيرة أنّ قوات حماية الشعب “خونة ” ويتعاملون مع الأمريكان ولا يمكن التفاوض معهم. الروس هم من ذكّر النظام بأن الجزيرة أرض سورية ولا بأس بالتعاون مع وحدات حماية الشعب الكردية للضغط على الأتراك والحصول على ما يمكن الحصول عليه.

مصدر الشعور بالرضى والمظاهر الاحتفالية التي أبداها النظام ووسائل إعلامه تعود في حقيقتها إلى اعتقاده بأنه ضرب عصفورين بحجر واحد، فقد تخلص من قسم لا بأس به من سكان الجزيرة، والذين يعتبرهم إما أكراد انفصاليين أو عشائر سنية تقليدية حاضنة للتطرف، غير مفيدة لسورية المفيدة. أما العصفور الثاني فهو اعتقاده أن الموقف التركي سيتحول، على الأغلب، إلى الموقف الذي سيقبل بوجود واستمرار بشار الأسد طالما أن هذا الأخير سيقبل ضمنياً بأن تأخذ تركيا بعض مدن وبلدات الجزيرة السورية.

برةكار برس

اترك رد