نصر الله يهدد شعب لبنان بعد كل ما فعله بشعب سوريا

ماجد كيالي

ربما كان خطاب نصر الله أمس، وتهديده المتظاهرين السلميين بإنزال عناصر حزب الله إلى الشارع (كأنهم عصابة عنده)، لفرض معادلات سياسية معينة، مفاجئا للبعض، ممن لم يكن يريد أن يرى الحقيقة أو يقتنع بها، وأهمها أن ذلك الحزب الذي ذهب إلى سوريا دفاعا عن نظام الاستبداد والفساد، وشارك في قتل السوريين وتشريدهم وتدمير عمرانهم، منذ سنوات، مستعد لأن يفعل ذلك في لبنان أيضا.

أما الحقائق المسكوت عنها عند البعض التي يفترض التذكير بها بمناسبة خطاب امس، فهي ، أولاً، انكشاف الطابع السلطوي لذلك الحزب، واستعداده لفرض إرادته بواسطة القوة على الشعب، فكما في سوريا في لبنان أيضا. ثانيا، واقع الطابع الطائفي ـ المذهبي، والديني لهذا الحزب، على خلاف الطابع الوطني، بتركيبته وأفكاره وسياساته وامتداداته الذي استخدم أو احتكر اسم الذات الإلهية، وظل مغلقا على طائفة معينة طوال عقود. ثالثا، لا يفتقد هذا الحزب الطابع الوطني في الداخل اللبناني فقط، وإنما هو يفتقدها بحكم تبعيته للنظام الإيراني، نظام الولي الفقيه، الطائفي ـ المذهبي والديني والسلطوي، فهو يعتمد بموارده عليه، ما يجعله غير ذي صلة بالأوضاع الاقتصادية في لبنان، الأمر الذي يقلل من حساسيته إزاء معاش الناس وتدهور أحوالهم، علما أنه هو مسؤول عن ذلك الوضع بحكم أخذه البلد نحو خيارات معينة، خارج قدرة لبنان على التحمل. رابعا، كفّ هذا الحزب عن أعمال المقاومة ضد إسرائيل منذ انسحابها الأحادي من جنوب لبنان (2000)، باستثناء عملية خطف جنديين إسرائيليين (2006) التي استجرت حربا مدمرة على لبنان، ما اضطر نصر الله ذاته إلى الاعتذار عن تلك العملية وقتها التي أتت فقط للتغطية على اغتيال الحريري (2005) وخروج الجيش السوري من لبنان، كأنه أراد وقتها أو يستعيد هيبته ويفرض سطوته في الداخل اللبناني، وهو ما يفسر كل سياساته منذ ما بعد العام 2005، علما أنه لم يطلق رصاصة على إسرائيل إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000ـ2005)؛ لمن يريد أن يتذكّر.

على ذلك فإن تهديد نصر الله للبنانيين، من المتظاهرين السلميين الرائعين، والمدهشين، من الذين خرجوا إلى الشوارع، لأيام متتالية، للتعبير عن احتجاجهم على تدهور أوضاعهم الاقتصادية، وعلى الفساد المستشري في هذا البلد، الذي يقف عاجزا أمام فساد طبقته السياسية، وأمام حل مشكلات مثل القمامة والحرائق والتهريب، يبدو أمرا طبيعيا، بحكم الدور المناط بهذا الحزب كذراع إقليمية لإيران في المنطقة.

وربما أن الأمر الأكثر إزعاجا وإقلاقا، ومدعاة للخوف، لمن يسمى “سيد المقاومة”، أولاً، أن تلك التظاهرات كانت عابرة للطوائف، أي إنها تعبر عن أغلب اللبنانيين، في تحول ملحوظ من الطائفي إلى الوطني، وهو أمر على غاية في الأهمية للتحرر من ربقة المحاصصة الطائفية والنظام الطائفي اللبناني. وثانيا، أن التظاهرات اخترقت المناطق التي كان يعتبرها حزب الله بمثابة حاضنة شعبية طبيعية له، أي أنها تجاوزت الخطوط الحمر، إذ إن تلك الطائفة تبدو أسيرة الحزب الذي يريد أسر لبنان كله بها. وثالثا، أن تلك التظاهرات انتقلت في شعاراتها من المطالبات الاقتصادية إلى المطالبات السياسية المتعلقة بإسقاط الطبقة السياسية الطائفية المتحكمة بالبلد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

ما يفترض التنبيه إليه في خطاب نصر الله، ويمكن مراجعته من خلال موقع قناة المنار (التابعة للحزب) أنه كان يعج بالعبارات التحريضية والتعبوية (1350 كلمة من 4960 كلمة)، وتلعب على الحساسيات الدينية والمذهبية، وتستعيد صراعات بات لها 1500 عاما، وهو خطاب ينمي روح الكراهية والحقد والعداء على أسس طائفية ومذهبية، وهو بمنزلة وصفة أكيده لإشعال الحروب الأهلية، وهو ما تفعل، مثله، ميلشيات مثل زينبيون وفاطميون وعصائب الحق وكتائب أبو الفضل العباس وفيلق بدر وجيش المهدي وغيرها عشرات سيما في العراق وسوريا التي تشتغل أذرع إقليمية لإيران.

من لبيك يا فلسطين، كغطاء لحزب سلطوي ديني وطائفي ـ مذهبي، أي كعدّة شغل أو بالأحرى نصب، إلى لبيك يا حسين، في استعادة لمأساة في صراعات بات عمرها قرون، ومن مقاومة إسرائيل إلى المشاركة في قتل السوريين وتشريدهم وتهديد اللبنانيين، هذه هي مسيرة حزب الله، وهذا ما كشفه بجلاء نصر الله الذي تبين، أمس، بكل وضوح بوصفه تابعا لإيران، وصاحب الولاية في لبنان.

بروكار برس

اترك رد