“الحرس الثوري الإيراني”.. حرس الإرهاب

ميشيل كيلو

قال حسن روحاني الرئيس الإيراني: إن حرس بلاده الثوري يشن الحرب على الإرهاب في سوريا والعراق، بينما هدد قادة الحرس بالرد على واشنطن، وجمعوا البرلمان ليتخذ قرارا بإعلان الجيش الأميركي منظمة إرهابية، ردا على قرار مماثل اتخذته إدارة ترامب ضد الحرس.

هاتان الخطوتان المتعاكستان هما آخر تعبير عن المدى الذي بلغه التجاذب الكلامي بين واشنطن وطهران. وهما تطرحان تساؤلا محقا عمّا إذا كانت طهران ستنصاع لقرار واشنطن في إخراجها من بلدان المنطقة، أو أنها ستنجح في ليّ ذراع أمريكا، وستخرج سالمة من التصعيد الكلامي الذي يغطي جوانب عدة من وجود إيران وأمريكا في أماكن تتقاطع عندها دروبهما، كالعراق وسوريا، حيث ترابط أرهاط من الحرس الثوري، قدرها قائده بمئة ألف مقاتل في كل منهما، مقابل آلاف قليلة من جنود وضباط أمريكيين، يحميهم الخوف من قدرة واشنطن الرادعة واستعدادها للفتك بمن هو جديا في مواجهتها.

يقول القرار الأميركي: إن ترامب عازم على جعل إيران تعقد اتفاقية جديدة حول برنامجها النووي، تنزع أنيابه وتضعه تحت إشراف دولي مفتوح، ليحول العالم بين الملالي واللعب بالقنبلة النووية التي ستوسع قدرتها على الردع والعدوان، في منطقة تحرس واشنطن نفطها في الشرق، وإسرائيلها في الغرب، وتعلن أنها لن تسمح لأحد بتهديد الثانية منهما، ولذلك قد يتبع قرارها بإعلان الحرس الإيراني منظمة إرهابية قرار تكميلي يلزم واشنطن بمحاربة إرهابه في سوريا، على غرار ما حدث ضد داعش، ويقنع أوروبا بضرورة وقف برنامج طهران الصاروخي، وإخضاع أبحاثها النووية لرقابة دولية تطال أيضا الحرس، ولحصار اقتصادي يريد البيت الأبيض منه أن يخفض موارد طهران من النفط إلى الصفر، وبمنعها من بيع أو شراء أي سلعه في السوق الدولية، ومن التعامل بالدولار، وإلا كانت العقوبات بالمرصاد لها وللشركات والمؤسسات التي تتعامل تجاريا أو ماليا معها، إلى أن تعجز عن تزويد حرسها الإرهابي بما يحتاج إليه لإنجاز مهماته، فتستسلم  وترضخ لشروط ترامب، وتستعيد هويتها بصفتها دولة عادية خربت “ثورتها الإسلامية” منطقة ولم تترك فيها أي علاقة عادية من علاقاتها وأي وضع من أوضاعها.

هل ستجمد علاقات واشنطن بطهران عند هذه الحدود التي سيحاول الملالي إما التعايش معها، أو ثلم آثارها عليها، أو الرد عليها بمصفوفة من تدابير دفاعية وهجومية تضغط على واشنطن وتقوي الموقف الأوروبي ضد العقوبات، وتكشف ما إذا كان البيت الأبيض راغبا حقا في تحقيق هدفيه حيال صواريخ الحرس وانتشاره خارج حدوده؟ وهل سيكتفي الطرفان المتنازعان  بما اعتمدتاه إلى اليوم من وسائل وأساليب صراعية، فيميل خلافهما إلى الاستقرار والإطالة، أم سيشهد مزيدا من التوتر والتصعيد، وصولا إلى الحصار والتطويق، فتتبدل بيئته المناطقية والدولية، وتجنح أمريكا إلى استغلال نقاط ضعف إيران  القابلة للاستغلال، بدءا باليمن، وصولا إلى لبنان فسوريا فالعراق، وبقية ساحات المواجهة الظاهرة والخفية التي يرجح ألّا يتخلى الملالي عنها بسبب العقوبات الاقتصادية، ما دامت واشنطن محجمة عن ممارسة ما تقدر عليه من ضغوط عسكرية استنزافية، لو أخذ البيت الأبيض بها، لأجبر طهران على إرسال إشارات تعبر عن رغبتها في “التفاهم”، على تعريف أدوارها الجديدة، والنقاط المختلف عليها مع أوروبا أيضا التي يرجح أن تقترب التسويات من وجهات نظرها الوسطية، الأكثر اعتدالا في هذه النقطة أو تلك من الموقف الأمريكي.

يقول العارفون بالشؤون الإيرانية إن الملالي لن يقبلوا تسوية مع أمريكا، ما لم تكن الخيار الوحيد المتبقي لهم، ولم تصل إجراءات أمريكا إلى نهاية ما في جعبة ساستها وعسكرها من تدابير، وما لم تشارك روسيا في صفقة تعود عليها بفوائد أكبر من تلك التي تجنيها من علاقاتها مع طهران، وهي كبيرة بما فيه الكفاية، وهذا من شروطه اقتناع الكرملين بأن طهران لم تعد قادرة على الصمود في وجه ما تتعرض له من ضغوط أمريكية، وأن خسارتها (أي روسيا) من هزيمة الملالي ستكون فادحة بالنسبة إليها، ومن الأفضل لها أن تتخلى عن إيران وتنضم إلى المعسكر الرابح، لأن سياسة الإفادة من أخطاء واشنطن لن تعود عليها بأي نفع هنا، بل ستلحق بها ضررا جسيما، لأنها تراهن على جواد خاسر، بينما ستزداد مكاسبها إن غطت موقفها من طهران بتسوية في سوريا، تفك قبضتها عن عنق الدولة والمجتمع السوريين، تلبية لمطلب دولي تنفرد موسكو بمعارضته.

أين نحن اليوم من ضغوط أمريكا، وتحول موقف روسيا، وقبول طهران بمراجعة حساباتها وتوضعها داخل المنطقة، والتخلي عما يمارسه حرسها الثوري من إرهاب في بلدان غزاها ليحولها الى محافظات تابعة للملالي وخاضعة لسيادتها، كسوريا الأسدية؟ وإلى متى سيكرر الحرس حماقات غزاة آخرين تختزن ذاكرة المنطقة أسماءهم، حاولوا ذات يوم القفز عن خيالهم فدقوا أعناقهم، ونسيهم تاريخ خالوه -لبعض الوقت- طوع بنانهم؟

عرض روحاني نفسه لسخرية دولية عامة، حين أعلن يوم ٢٠ أيلول الماضي من منصة الأمم المتحدة أن الحرس الثوري غزا سوريا واحتلها ليحارب الإرهاب. ومن المؤكد أن الأمر سيتجاوز السخرية من روحاني إلى تعريض إيران لهزيمة محتمة، إذا لم يتوقف حرسها عن إرهاب البلدان المجاورة، ومساعدة طغاتها على قتل شعوبها، والبطش بالملايين من بناتها وأبنائها، باسم محاربة الإرهاب، علما بأن الحرس يشن غزوات مذهبية تجعل محاربة الإرهاب ضربا من المحال، لسبب جلي هو أن الحرس ينتجه أكثر من أي تنظيم إرهابي وجد على مر التاريخ، بما له من موارد نفطية هائلة تنفق على عنفه ضد شعوب المنطقة العربية، وكان يجب أن تكون مكرسة لرد الجوع عن أطفال الشعوب الإيرانية، بدل العيش في عالم التعاسة والبؤس الذي صنعه لهم الحرس وقادته الذين تتدفق دماء الشعب السوري من أشداقهم وهم ينشرون أكاذيبهم عن حرسهم، الذي يحارب الإرهاب في سورية.

بروكاربرس

اترك رد