جيل يغني ويرقص ويبدع

لن تخمد الثورة بعد اليوم، وإذا ما إستراحت نهاية هذا الاسبوع ، فإن السيل الشعبي الجارف الذي خرج الى الشوارع والساحات، يمكن ان يتجدد في أي وقت،

ساطع نور الدين
ساطع نور الدين

بعد اسبوع أو أسبوعين، بعد شهر أو إثنين لا أكثر، وذلك حسب التوقيت الذي إختارته السلطة بنفسها، عندما أطلقت وعوداً كاذبة، وأصدرت شيكات بلا رصيد، يستحق أولها في منتصف الشهر المقبل.

ذلك هو الاستنتاج الاول الذي يمكن إستخلاصه من أيام الغضب اللبنانية التاريخية فعلا، التي فاقت حشودها الباهرة، كل ما شهده البلد منذ تأسيسه قبل 99 عاماً، لاسيما تظاهرة 14 آذار 2005 المفصلية، التي أخرجت الجيش السوري من لبنان في غضون ستة أسابيع، وأنهت ثلاثة عقود من الهيمنة السورية الرادعة لأي تطور لبناني أو سوري، والمانعة لأي تفكير في تحديث العلاقات بين البلدين والشعبين.

الحشد الذي فاق المليونين، أي ما يقارب نصف الشعب اللبناني، هو في غالبيته الساحقة، جمهور الطبقة الوسطى التي إنهارت أحوالها الاقتصادية والمعيشية بوتيرة متسارعة طوال السنوات الثلاث الماضية، حتى سقطت شرائحها الدنيا الى الطبقة الفقيرة، غير القادرة على تغطية أكلاف الحد الادنى من متطلباتها الحياتية، الغذاء والدواء والتعليم والطاقة والنقل. هذا الحشد لن يخرج من الشارع ، ولن يعود الى البيت، لأن خسائره كانت كبيرة جداً، ولم تبد السلطة حتى اللحظة أي إستعداد للحد منها أو تعويضها.

هي ثورة الطبقة الوسطى اللبنانية التي تجمعت بشكل عفوي في مختلف الساحات من دون إستثناء، وهي ككل الثورات في العالم، التي أطلقتها الطبقات الوسطى حصراً، عندما جرى المس بمكتسباتها الاقتصادية، وتاليا السياسية، لكنها تستحق فرادتها من أنها تسد لمرة واحدة والى الابد الشروخ الطائفية والمذهبية التقليدية، وتلفت الانظار الى ان الطبقة الوسطى اللبنانية، هي بالتعريف أيضا كأي طبقة وسطى في العالم، لا تُحد بقيودها وانتماءاتها وهوياتها المادون وطنية. يضاف اليها عنصر جوهري يميز الحالة اللبنانية، وهو الحضور الطاغي للجيل الجديد من الشبان والشابات الذي دفع الثمن الاكبر لهذا الانهيار الاجتماعي، ولم يعد لديه ما يخسره. وهو اليوم علامة فارقة في الحراك، سواء في وعيه المتشكل من خارج الموروث، او في هتافه العفوي، او في غنائه او في رقصه في الساحات.

لن يوقف هذا الجيل ثورته، لأنها في العمق إستكمال للربيع العربي الذي كان ولا يزال ثورة من أجل الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وإن أختلفت الاولويات، ولأنها في الجوهر، جزء من ظاهرة عربية عامة، ترفع من شأن القضية المعيشية الخانقة وتؤجل لبعض الوقت مسائل الحريات والديموقراطية، والدولة المدنية اللاطائفية، التي احتلت مكانة خاصة في الاحتجاج اللبناني الراهن ومطالبه، بناء على حاجة ذلك الجيل العملية لفك أغلاله الطائفية، وترجمة تطلعاته وثقافاته الوطنية، المعاد إكتشافها حديثاً.

الثورة المضادة كانت ولا تزال واردة في أي وقت. السلطة اللبنانية وحدها ، ومن دون أي تدخل خارجي مباشر بل فقط بالتشجيع والتحفيز الذي يمكن ان يأتي من بعض العواصم العربية، وبخلاف الرغبات الدولية المعلنة بالاصلاح الاقتصادي  في لبنان.. يمكن ان تلجأ الى محاولة إحباط وقمع الثورة الاجتماعية اللبنانية، وبالطرق التي جرى إعتمادها في العراق أخيرا، او تلك التي سبق ان استخدمت في السودان او في الجزائر.. او اولا في مصر ، التي شهدت ذروة الربيع العربي واخفاقه الابرز.

وكما للثورة اللبنانية الراهنة ميزيتها، سيكون للثورة المضادة خاصيتها. فهي يمكن ان تخرج بالتدريج من صفوف القوى السياسية – الامنية المستهدفة بالحراك اللبناني، مثل حزب الله وحركة أمل والتيار العوني، التي لن تتردد بعد فترة في مواجهة المحتجين المطالبين بالتغيير، وقد أصدرت إشارات وانذارات بهذا المعنى طوال الايام السبعة الماضية، واذا ما فشلت فانه ليس من المستبعد ان تطلب تدخل الجيش وبقية الاجهزة الامنية، بالتدخل بقوة لقمع الحراك، واعادة الامور الى نصابها.

وللمصادفة البحتة، فان جميع القوى اللبنانية التي يمكن ان تقود الثورة المضادة، التي بات نجاحها مستحيلا، هي حليفة نظام بشار الاسد الذي يراقب الحراك اللبناني..ويترقب بلا أدنى شك، موعد انفجار ازمته الاقتصادية -السياسية في الشارع السوري الذي يستمتع هذه الايام بالصور التي يتلقاها من المدن اللبنانية، والتي تحيي في ذاكرته صور الاسابيع والاشهر الاولى من الثورة السورية، ويعتبرها فرصة لتجديد تلك الثورة وفق ترتيب مختلف للاولويات.   

اترك رد