في التشابه اللبناني- السوري

فايز سارة

أيا كانت نتائج ما يحدث في لبنان حالياً، فهو يمثل تحولاً في الوضع اللبناني، لا يشبه أحداثا سابقة، وان كان يقارب في بعض مظاهره ثورة الأرز عام 2005 التي هب اللبنانيون فيها ضد الاحتلال السوري للبنان رداً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ودفعوا القوات وأجهزة المخابرات السورية إلى الخروج من لبنان بعد احتلال قارب ثلاثين عاماً.

ففي الأسبوع الماضي ومن دون سابق إنذار، خرج اللبنانيون في تظاهرات متعددة للاعتراض على سياسات الحكومة وتوجهاتها التي كان آخرها فرض مزيد من الضرائب التي أنهكت اللبنانيين، واستنزفت قدراتهم، لكن الاحتجاجات سرعان ما تحولت إلى ثورة، تطالب بتغيير النظام، وأحدثت تحولات عميقة في الحياة اللبنانية، تبدأ من إسقاط النخبة الطائفية الفاسدة التي تحكم البلد، وتفرض سيطرتها على أكثريته، وتدمر حياة اللبنانيين.

أحد أبرز أشكال التحول اللبناني الراهن، يبدو في التشابهات اللبنانية -السورية التي ظهرت واضحة في هتافات اللبنانيين في تظاهرات الأسبوع الماضي. ولئن كان خروجهم العفوي العام مشابهاً لخروج السوريين قبل نحو تسع سنوات، فإن الاختلاف الطفيف في شعاراتهم الأولى المرتبطة بالاحتجاج على سياسات الحكومة وقراراتها الأخيرة، سرعان ما جرى تركيزها وتعميقها بالانتقال إلى مطلب الحرية والكرامة، وهي الشعارات التي رفعها السوريون في بداية ثورتهم على النظام، قبل أن ينتقلوا منها على نحو ما فعل اللبنانيون لاحقاً الى شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” ويتضمن في واقع اللبنانيين إسقاط ثلاث مؤسسات، تشمل الرئاسة اللبنانية والحكومة، والبرلمان، وهي أطراف ليس بالضرورة أن تتوافق وتتطابق في واقع لبنان، لكنهما في منظور الحراك اللبناني الراهن متطابقة ومتوافقة في سياساتها، وبخاصة لجهة غرق أركانها في الفساد والنهب وربط لبنان بسياسات خارجية إشكالية وبخاصة في العلاقة مع نظام الأسد في سوريا ونظام الملالي في إيران.

والنقطة الثانية في التشابه اللبناني- السوري، خروج اللبنانيين من إطار الطائفية التي سعت لترسيخها النخبة الطائفية الحاكمة. ولئن بدا الخروج واضحاً في طبيعة الهبة التي شملت كل المناطق اللبنانية على اختلافاتها الدينية والطائفية، فإن بيروت كانت التعبير الأوضح للحالة بوصفها حيزاً يجتمع فيها أبناء كل الديانات والطوائف، حيث جسدت النموذج الأبرز في توحد حراك اللبنانيين وتشاركهم الشعارات ذاتها التي رفعها شباب وشابات، مكرسين ثورة لبنان بوصفها ثورة شباب، وفي هذا تماثل مع ثورة الشباب السوريين التي شملت أنحاء سوريا كلها، ورفعت في تظاهراتها شعارات واحدة، وأطلقت هتافات تنادي بوحدة السوريين بعيداً عن الانقسامات الإثنية والدينية والطائفية التي طالما سعى النظام لتكريسها واللعب عليها في علاقات السوريين الداخلية وعلاقاته الخارجية.

وثمة نقطة ثالثة، لا تقل أهمية في ملامح ثورة اللبنانيين لجهة تشابهها مع ثورة السوريين تتمثل في سلمية الحراك ومدنيته وفي سعيه لإبعاد مؤسسات الدولة اللبنانية العسكرية والأمنية عن الاصطفاف في الصراع بين الثورة والسلطة، وتماثل اللبنانيون مع أقرانهم السوريين في هذا ليس فقط في التقرب من الجنود الذين أنزلتهم السلطة إلى الشوارع لـ”الحفاظ على الأمن والنظام”، بل أيضا بتقديم الورود لعناصر الجيش على حواجزهم على نحو ما فعله متظاهرون سوريون في داريا وغيرها منذ نحو تسعة أعوام سابقة، وكلها عكست رغبة الحراك اللبناني في الحفاظ على السلم الأهلي، وتضييق حدة الصراع السياسي، وإخراج مؤسسات الدولة من إطاره.

إن التشابه اللبناني – السوري على نحو ما بدا في الأيام الماضية، يتجاوز ما سبق إلى وقائع وحيثيات وتفاصيل، تؤكد مع سابقاتها، تشابه الحالتين اللبنانية والسورية في الموقف من النظام اللبناني وتحالفه العميق مع كل من نظام الأسد في سوريا ونظام الملالي في إيران، وثلاثتهم في موقع الخصم للشعبين. فالنظام الذي يخرج اللبنانيون ضده، هو النظام الذي سكت عن دخول مليشيات حزب الله إلى سوريا للمشاركة في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير ممتلكاتهم، إضافة إلى إدارته حملات القمع والعنصرية ضد اللاجئين السوريين في لبنان، وعمله على دفعهم إلى العودة إلى مناطق سيطرة نظام الأسد، فيما قدم نظام إيران دعمه لنظام الأسد والمشاركة في المقتلة السورية، بالتوازي مع تقديمه كل أشكال الدعم والمساندة لحزب الله لإحكام سيطرته على لبنان وشراء ولاء رؤوس الطوائف اللبنانية، وتوحيدهم في نظام واحد، يمارس نهب الشعب اللبناني وإذلاله.

قبل أن نختم، لعل من المفيد الإشارة إلى اختلاف واحد على الأقل بين الحالتين اللبنانية والسورية، يمثل مزية حسنة، تتجسد في تمايز موقف الجيشين مما حدث. حيث أكد الجيش اللبناني حرصه على ضمان حق اللبنانيين في التظاهر وحمايتهم، فيما غرق جيش الأسد طوال السنوات الماضية في قتل السوريين وتدمير بلدهم، وكان ذلك بين أسباب أدت إلى استمرار الكارثة السورية، فيما يضع موقف الجيش اللبناني الوضع في بلده على قاعدة الاستجابة لمطالب الشعب، وتغيير مستقبل اللبنانيين وحياتهم، وهو ما يتشارك فيه اللبنانيون والسوريون في آن معاً.

بروكار برس

اترك رد