لا مرجعية وطنية لإعادة الثقة

عبدالوهاب بدرخان

عبدالوهاب بدرخان

بذل الرئيس سعد الحريري ما يستطيعه، وبذلت الحكومة ما تستطيعه، لكنهما لم يتمكّنا من اجتياز المسافة لملاقاة وعي الشعب ونقمته. الهوّة العميقة بين المجتمع ومنظومة الحكم لم يحفرها هذا الحراك في أربعة أيام بل كشفها، ولم يعد في الإمكان تجاهلها أو تجاوزها، لا بالدراجات النارية ولا بالقمصان السود ولا بالسُبابات المتوعّدة. فجأةً وجدت المحاصصات الطائفية وتواطؤات “التسوية الرئاسية” نفسها وحيدة على قارعة الطريق، ذائبة في حشود الساحات والشوارع. ليست أزمة موازنة واصلاحات، هي في الأساس أزمة بلد منهوب، ولم يكن “استقراره” سوى كذبة يروّجها المستفيدون. وشكراً لمشروع “سيدر” لأنه قبل أن ينفق دولاراً واحداً فرض الاعتراف بحقائق الوضع المالي فكشف ضخامة العجز، وكشف معها الطبقة السياسية التي تشبّثت بمصالحها على رغم التقشّف الواجب، لذا ارتأت خفض الإنفاق بخفض ما في جيوب الناس. حسناً فعلت، فقد جاءها جواب الشارع قاسياً ومدويّاً. ومع انعدام الثقة نهائياً دخل لبنان أزمة حكم كان قادته (“حزب الله” و”التيار الوطني الحرّ”) يريدون استدراجها لتصبح أزمة نظام يخطّطون لتغييره وجعله طوع انحرافاتهم. وعلى رغم خطورة الأزمة لم يفقدوا الأمل في تمرير خططهم، بل يظنّون (وفقاً لتصريحات جبران باسيل وحسن نصرالله) أن الشارع منحهم فرصة كانوا ينتظرونها، لكن هذه هي القراءة الخاطئة (بحسب سمير جعجع). الواقع أن تحرك المجتمع كان مفاجأة كاملة قطعت عليهم الطريق، ووجهت لهم صفعة لم يتوقّعوها. فهل في الإمكان إعادة كيّ وعي الناس ليتلاءم مجدّداً مع أحلامهم/ أوهامهم، وهل أن الضرب على العصب الطائفي/ المذهبي مجدٍ لطمأنة اللبنانيين بأنه الضمان الوحيد لمستقبلهم؟ الأهمّ في هذا الحراك الشعبي أن الخروج الى الشارع ليس انشقاقاً عن الطائفة أو تمرّداً عليها بل انضماماً الى مواطنيةٍ سحقتها الأحزاب الطائفية بكل ما أوتيت من موارد. لعل الأكثر دلالةً الى أزمة الحكم أن ما يسمّى “العهد” بدّد باستغراقه في التحالف مع “حزب الله” كل رصيد داخلي وخارجي لضمان استقرار لبنان. الأسوأ أنه بدّد بـ “دونكيشوتيات” وزيره سيّء الذكر كلّ مؤهّلاته كضامنٍ للتعايش والتوافق. فحتى لو لم يكن الشعب رافضاً الخيارات السياسية (الاقليمية) إلا أنه يقول اليوم أنها ليست صالحة لإدارة الدولة بعدما بلغت أخيراً عيش المواطن وقُوتِه. ورقة الإصلاحات بقيت ورقة عناوين، ولم يتأخر الحراك في تفنيد أرقامها (بدءاً من العجز 0.6%) وكشف استحالة تمويل البنود المخصّصة لتهدئة الشارع وإرضائه. ربما أرادها الرئيس الحريري ورقة تعهّدات والتزامات لدفع الموازنة والإصلاحات، لكن “شركاء “التسوية” والحكم أرادوها وسيلة لإعادة تعويم نهجهم وفسادهم واستئثارهم بالسلطة من دون أي ثمن أو مجرّد التفكير في التضحية بأي من رموزهم. غير أن الشعب لم يعد معنيّاً بألاعيبهم، ولا مجال لاستعادة ثقته إلا بتغيير حقيقي يبدون عاجزين عنه حتى لو فكّروا في طلب مساعدة “الحرس الثوري”!..

جريدة النهار

اترك رد