عندما ينتصر الأسد وتصفّق المعارضة

سميرة المسالمة

مزهوأ بالسماح له بزيارة الهبيط كان الرئيس السوري بشار الأسد على بعد شريط وهمي يفصله عن خطوط ما سمي بـ”الجيش الوطني” المحسوب على المعارضة الرسمية الذي يناصر تركيا في حملتها على شمال شرق سوريا. لم تكن الزيارة فقط للتذكير بأن هذه المدينة لم تحظَ بمقاومة هذه “الفصائل مجتمعة” لتمنعها من الوقوع تحت سيطرة قوات النظام، ولكنها كانت لتأكيد حقيقة ان ما يحدث في سوتشي من اتفاق روسي- تركي يتضمن حالة استسلام تام لقبول الواقع الميداني وفق ما يقرره خصوم الأمس، أصدقاء اليوم، ومن ثم انصياع الفصائل لإرادة تركيا في تبادل “هدايا” انتهاء الصراع المسلح الذي أفضى إلى تحقيق ما أرادته الدول المتصارعة، بمن فيهم النظام، على حساب ما أراده الشعب السوري عندما أطلق ثورته.

صمدت الهبيط بوابة ريف إدلب الجنوبي منذ عام 2012، واستعصت على جيش النظام حتى آب أغسطس 2019، وعلى الرغم من تسريبات مؤكدة عن اتفاقات آستانة وسوتشي، حول إعادة الطرق الدولية لنظام الأسد، ومنها دمشق – حلب، وما يعنيه ذلك من عودة الهبيط حكماً للأسد، بموافقة تركية، وصمت الفصائل المسلحة التابعة لها، لأن الهبيط تمثل نقطة ارتكاز في الوصول إلى تلك الطرق، عبر كامل البلدات والمناطق التي تفضي إلى تنفيذ الاتفاقات، من دون إعلانها من جانب “تركيا” التي تمثل المعارضة وترعاها، ما يعني أن كل تلك المعارك كانت محسومة النتائج لمصلحة النظام وبموافقة المعارضة المسلحة التي جلست إلى طاولة مفاضات آستانة، والضحايا على الطرفين من السوريين كانوا أدوات تجميلية لاستمرار سير كل طرف في مساره، أحدها النظام برعاية روسية، والآخر تركيا المدعومة من المحسوبين على المعارضة السورية، وللمفارقة ليس العكس، ما أفضى إلى مشهد يوم الثلاثاء 22 تشرين الأول/ أكتوبر مع صورة “الأسد في الهبيط”.

صفقت المعارضة لما حدث من استكمالات لاتفاق المنطقة الآمنة (التركي- الأمريكي) على الرغم من أنه قدم للأسد المناطق الحدودية التي لم يسع لها، ودخل مدناً كانت خارج سيطرته من دون قتال، وأصبح جاراً لمناطق وجود القوات التركية، وباتفاق تركي- روسي (سوتشي 22/10) متضمناً قبول “الجيش الوطني” الذي لن يستطيع إلا أن يكون سلاحه موجهاً إلى عدو تركيا، وهو طبعاً ليس النظام الذي رحب الرئيس التركي بوجوده في مناطق تسيطر عليها القوات الكردية “قسد”.

على ذلك فإن التصفيق جاء لعودة النظام وتقاسمه منطقة “الجزيرة” مع تركيا، وربما يعكر صفو هذا الاتفاق ما أعلنته الولايات المتحدة الأميركية عن بقاء حقول النفط بيد الكرد، مكافأة لما قدموه في حربهم معها ضد داعش، ما يعني بقاء هذا “الجيش الوطني” محكوماً للتمويل التركي مالياً وخططاً، كحال “قسد” المحكومة للأجندة الأميركية وتوافقاتها مع روسيا، وكحال النظام الذي ينقسم على اثنين بين روسيا وإيران.

صورة الأسد في الهبيط هي لتأكيد اتفاقات آستانة بأنه مستمر في تقدمه كما أكدت روسيا حتى عودته إلى كامل مساحة سوريا، ربما ينقصها اليوم المنطقة الآمنة التركية التي هي آمنة لها ولمصالحها، ومهمتها تحطيم السور الذي أقامه القرار 2254 لمنع سيولة الأموال على عملية إعادة الإعمار قبل الحل السياسي، وهو ما يجعلها خارج الحل السياسي الذي سيبدأ التسويق له يوم 28 من هذا الشهر، مع عقد أول اجتماع للجنة الدستورية برعاية أممية، من دون ان يكون الجدول الزمني لكامل أعمالها محدداً كما كان حال تشكيلها.

تصفيق المعارضة لانتصارات الأسد رافقه دائما تضحيات سورية كبيرة، منذ بدء تنفيذ مناطق خفض التصعيد التي أدت إلى تسليم المناطق للنظام، بعد تدمير مناطقهم وموت أولاد لهم وتشريد معظمهم، وحتى المنطقة الآمنة التي أقيمت على حساب مئات آلاف المشردين وعشرات القتلى وضياع الحل السياسي لكامل سوريا وتموضع المصالح الدولية بديلا من المصالح السورية.

اختلفت سرعات الفصائل في التسليم للأسد لكنها في النتيجة جميعها ذهبت إليه بطرائق مباشرة عبر التسويات، او بطرائق غير مباشرة عبر آستانة ومنطقة تركيا الآمنة، أو عبر عقد اتفاق مباشر معه والانضمام إلى جيشه ما يجعلنا نسلم ونستعير من ثورة الشعب اللبناني شعارهم “كلهم يعني كلهم” حرفوا الثورة وأخذوها حيث يريد الأسد، ومن ثم سلموها له، سواء تحت الراية التركية أم الأمريكية وقبلها تحت المسميات الفصائل الإسلامية.

بروكار برس

اترك رد