كأنها إعادة اعتبار لثورة السوريين.. موجة ثانية من الربيع العربي

ماجد كيالي

من المبكّر التكهّن بطبيعة الحراك الشعبي الجاري في العراق ولبنان، في ما يتعلق بأبعاده، وشموليته، وإمكانيات استمراره، بيد أن ذلك لا يحجب حقيقة أساسية مفادها أن العراق ولبنان باتا، منذ سنوات، يختزنان عددا من الأسباب التي تؤدي حتما إلى الانفجار، ويمكن عرض أهمها في الآتي:

أولاً، فساد الطبقة السياسية الحاكمة في العراق ولبنان، وهي سمة عامة في معظم البلدان العربية، لكن معنى الفساد هنا سياسي وأمني وأخلاقي، فضلا عن أنه فساد مالي، وإداري. فالفساد السياسي يكمن في كيفية تدوير المواقع الأساسية في الدولة بين أفراد تلك الطبقة المتحكمة بكل شيء في العراق ولبنان (ولا سيما المال والأمن والمواقع)، كما في سوريا التي بدورها تمتلك قوى حزبية ميلشياوية مسلحة، وتستمد نفوذها، أيضا، من علاقتها الوطيدة بالدولة المهيمنة، أي إيران. وإذا تحدثنا عن العراق مثلا الذي يحتوي على ثروات هائلة، ويفترض أن يكون من أغنى دول العالم، إلا أن شعب العراق يعاني الأمرين، من الفقر والبطالة، من جراء تبديد الموارد، والنهب، والكسب غير المشروع. هكذا ففي عام 2017 حل العراق في المركز 169 بين 180 دولة على مؤشر الفساد الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية. ويكفي في هذا الإطار، مثلا، احتساب قوات الحشد الشعبي التي تضم ميلشيا لعشرات الجماعات، كقوات رديفة للجيش، ومعاملتها على هذا الأساس، في الرواتب والموازنات والتسليح، علما أنها لا تخضع لسلطة الدولة. وفي العموم فثمة تقارير تفيد بأن حصيلة خسائر العراق نتيجة إهدار المال العام تبلغ مئات بلايين الدولارات، وأن ثلثي دخل العراق يعتمد على موارده من إنتاج النفط وتصديره، بمعنى غياب المشروعات الإنتاجية البديلة، ما يشي بإخفاق اقتصادي وتنموي بكل معنى الكلمة. أما في لبنان فإن حزب الله بتمويله ومؤسساته واستثماراته ورواتب المنتسبين إليه لا علاقة لها البتة باقتصاد لبنان، ولا تخضع لمراقبة ولا لمحاسبة ضريبية، علاوة على أن ألوفا وربما عشرات ألوف الشباب اللبناني خارج القطاعات الإنتاجية أي إنهم قوة معطلة، هذا من دون أن نتحدث عن شل لبنان أي شل الاستثمارات والقطاع السياحي بدعوى مقاومة باتت في الحقيقة متوقفة منذ عام ٢٠٠٠ عمليا لا نظريا.

ثانيا، الهيمنة الإيرانية، فنحن إزاء بلدين باتت إيران تتحكم فيهما، من بابهما إلى محرابهما، وفي أدق التفاصيل، بل إننا لا نغالي كثيرا إذا قلنا إن العراق ولبنان يخضعان لهيمنة نظام الولي الفقيه، بكل معنى الكلمة، فإيران هي صاحبة الكلمة الأولى، في السياسة الداخلية والخارجية، وفي الأمن والاقتصاد، وحتى نصر الله في خطاب سابق له، قال علنا: “الخامنئي سيدنا وقائدنا وإمامنا وحسين هذا الزمان.”، وضمن ذلك تأتي عملية فرض ميليشيا “الحشد الشعبي”، وميليشيا حزب الله بوصفهما جيشا بديلا تماما، على نمط “الحرس الثوري” في إيران، هذا مع علمنا بالدور الذي لعبته إيران عبر ميلشياتها الطائفية ـ المذهبية المسلحة في تصديع مجتمعات المشرق العربي أو شقها، وتخريب بنى الدولة فيه من سوريا إلى العراق ولبنان.

ثالثا، ثمة الواقع الطائفي المحتقن في العراق ولبنان. ومثلا فإن الدستور العراقي الذي فرض في عهد إدارة المندوب الأمريكي بول برايمر، بدفع واحتضان من القوى الميلشياوية المذهبية التي تشتغل ذراعا إقليميا لإيران، أدى إلى تصدع إجماعات العراقيين، وإلى انقسامهم على ذاتهم، بين طائفتين، سنّة وشيعة، فضلا عن الانقسام الحاصل على مرجعية قومية بالنسبة إلى الكرد. ومن الواضح هنا أن هذا الانقسام، مع تصدر أئمة الطوائف، وشيوخ الطرق، وقادة الميلشيات، بات قيدا يحول دون بناء إجماعات وطنية جديدة للعراقيين، وبات حجر عثرة أمام قيام دولة مواطنين، أحرار ومتساوين، وهذه من ألف باء قيام الدول الحديثة التي ترتكز على أربعة أركان: المؤسسات وضمنها أنظمة الحكم، والقانون، والمواطنين، والإقليم الجغرافي، ومن الواضح أن العراق بات يفتقد إلى كل ركن من تلك الأركان، والأمر في لبنان على ذلك النحو تاريخيا بحكم تأسسه، من الأصل، على قاعدة طائفية في نظام التوافقية الطائفية الانتخابية (“الديمقراطية”).

رابعا، ما يمكن ملاحظته في العراق ولبنان، أيضا، أن الطبقة الحاكمة (الفاسدة) لم تعد موحدة كما كانت، إذ باتت تتبلور مصالح متباينة ومختلفة، وإن ظلت إيران، بمنزلة القاسم المشترك، لكن إيران في الأوضاع الراهنة تتعرض لنوع من حصار مشدد، ولعزل دولي، الأمر الذي يضعف من قبضتها على جماعاتها العراقية وعلى حزب الله. الناحية الأخرى، أيضا، واضح أن الطبقات التي تحت باتت تشعر بأن الدولة لا تشتغل كما يجب، كدولة، وأن القوى المتحكمة في العراق ولبنان هي التي تستأثر بالموارد، وأن استمرار الوضع على هذه النحو يعني السير إلى كارثة، وبخاصة بالنسبة إلى الأجيال الجديدة من الشباب التي لا ترى أن لها مصلحة في هذا الوضع، وضع الاحتلال المركب، والوضع الطائفي، والوضع الذي لا يسمح بقيام الدولة، والمواطنة.

كما قلنا من المبكر التحدث عن أفاق الهبة الحاصلة في العراق أو في لبنان، فالوضع صعب ومعقد كثيرا، لكن ذلك لا يعني أن هذين البلدين سيبقيان على حالهما، فربما تلك هي بشائر التغيير، وذلك يفيد بأن ما حصل في الجزائر وفي السودان وتونس، واليوم في العراق ولبنان دلالة على كل ذلك، وربما هو أيضا بمنزلة إعادة اعتبار لثورة السوريين أي لمشروعيتها وضرورتها ونبل مقاصدها، على الرغم من محاولات البعض التنكر لها.

بروكار برس

اترك رد