البغدادي.. مِن إعلان “الخلافة” في الموصل إلى مقتلهِ في إدلب

ضجّ العالم وجميع وسائل الإعلام، صباح اليوم الأحد، بأنباء أعلنها المسؤولون في أميركا تفيد أن “أبو بكر البغدادي” زعيم تنظيم الدولة (داعش) قتل بعملية سرّية للقوات الخاصة الأميركية شمال إدلب، بعد أشهر مِن القضاء على التنظيم، وسنوات مِن اختفاء زعيمه.

وسرد “ترمب” تفاصيل كثيرة عن العملية ومجرياتها وضحاياها والأطراف التي قدّمت المساعدة فيها، إلّا أن الكثير مِن تفاصيل العملية على ما يبدو ما تزال غامضة، في ظل تسابق الدول الإقليمية في الإعلان عن دور لها فيها، بينما شكّكت روسيا بها ونفت تقديم أي مساعدة بخصوصها، رغم تأكيد “ترمب” ذلك.

وفي مؤتمر صحفي مباشر، مساء اليوم، أكّد الرئيس الأميركي (دونالد ترمب) مقتل “البغدادي” في عملية سريّة نفذتها القوات الخاصة الأميركية قرب قرية باريشا شمال إدلب، ووجه الشكر لـ روسيا وتركيا والعراق “وسوريا والأكراد”، على ما قدموه مِن دعم خلال تنفيذ العملية.

وثارت الكثير مِن التساؤلات حول كيفية وصول “البغدادي” إلى ريف إدلب ومَن وفّر له الحماية هناك، في ظل أنباء كانت تشير إلى أنه مختبئ في العراق، أو في مناطق على الحدود السورية – العراقية، دون أخذ بعض المعلومات التي سبق وصرّحت بها “قسد” عن توجّهه إلى إدلب على محمل الجد، وأنه لا يمكن له الاختباء في مناطق تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” التي باتت خصماً للتنظيم، وجرت بينهما معارك عديدة، قتل خلالها عشرات القادة والعناصر مِن الطرفين.

ورغم إعلان كشف مسؤول تركي كبير لـ”رويترز”، أن “البغدادي وصل إلى مكان العملية الأميركية (شمال إدلب) قبل 48 ساعة”، إلّا أن أغلب التحليلات التي نقلتها – الوسائل الإعلامية – ترجّح وصوله إلى إدلب وفق أحد الاحتمالين: إمّا وجود تواطؤ مِن طرف ما، مكّن البغدادي مِن الوصول إلى مكان بعيد عن الأنظار، أو فساد يستغله الهاربون والمطاردون يُمكّنهم مِن العبور مقابل مبالغ مالية.

بعيداً عن تفاصيل العملية وتوقيتها الذي جاء، بعد أيام مِن إعلان أميركا سحب قواتها مِن شمالي سوريا، والذي يتزامن مع تصاعد الضغط على “ترمب” وقرب الانتخابات الرئاسية، وهي ظروف مشابهة لـ اغتيال “أسامة بن لادن”، في أيار 2011، قبيل شهور مِن إعلان باراك أوباما ترشحة لفترة رئاسية ثانية، ومقتل “أبو مصعب الزرقاوي”، في حزيران 2006، قبل أقل مِن عامين على نهاية الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأسبق جورج بوش.. مَن هو “البغدادي”؟

مَن هو “البغدادي” المطلوب الأول على قوائم الإرهاب في العالم؟

منذ إعلان تأسيس تنظيم الدولة في العراق والشام (داعش)، منتصف العام 2014، لم يظهر زعيم التنظيم (أبو بكر البغدادي) سوى مرتين، الأولى في فيديو مسجّل عند إعلان “الخلافة” وتقديم نفسه كـ”خليفة للمسلمين وأمير للمؤمنين” في خطبةٍ بجامع النوري الكبير في مدينة الموصل العراقية، والثانية بعد قرابة شهر مِن انتهاء “الخلافة” والقضاء على التنظيم في آخر معاقله ببلدة الباغوز شرق دير الزور.

ولد “البغدادي” واسمه الحقيقي (إبراهيم عواد البدري)، عام 1971 لـ عائلة فقيرة في مدينة سامراء شمالي العاصمة بغداد. متزوج مِن امرأتين، أنجب أربعة أطفال مِن الأولى وطفلاً من الثانية، وقتل أحد أطفاله (حمزة)، في  تموز عام 2018، بغارة روسية على مواقع “التنظيم” في البادية السورية.

حسب المصادر، فإن “البغدادي” كان مولعاً بـ كرة القدم، ويحلم بأن يصبح محامياً، لكن نتائجه الدراسية لم تسمح له بدخول كلية الحقوق، كما أبدى طموحاً للالتحاق بالسلك العسكري، لكن ضعف بصره حال دون ذلك، قبل أن تقوده الأمور في نهاية المطاف إلى الدراسات الدينية في بغداد ويصبح إماماً فيها بعهد الرئيس السابق (صدام حسين).

البغدادي.jpg
تفاصيل عن هوية “البغدادي” نشرتها المخابرات العراقية (إنترنت)

من زعامة “دولة العراق الإسلامية” إلى زعامة “داعش”

النقطة الحاسمة في حياة “البغدادي”، كانت عند دخوله سجن “بوكا” الواقع في محافظة البصرة قرب الحدود العراقية – الكويتية، فقد اعتقل بعد تشكيله مجموعة جهادية ذات تأثير محدود، عام 2004، وذلك عقب الاجتياح الأميركي للعراق، عام 2003، وإسقاط نظام صدّام.

أودع “البغدادي” في سجن “بوكا” الذي كان يؤوي أكثر مِن 20 ألف معتقل، ويضم معتقلين مِن قادة حزب البعث في عهد صدام حسين وجهاديين (مِن السنّة)، ما أدّى إلى تحوّل السجن فيما بعد إلى “جامعة الجهاد”، قبل أن يدرك الجيش العراقي بعد عشر سنوات أنه يواجه قادته السابقين مِن حقبة النظام السابق، والذين انتقلوا إلى صفوف تنظيم الدولة.

بعد إطلاق سراح “البغدادي”، في كانون الأول 2004، لـ عدم وجود أدلة كافية ضده – حسب مصادر عراقية -، أعلن بيعته لـ الأردني “أبو مصعب الزرقاوي” الذي كان يقود جماعة “التوحيد والجهاد” في العراق، وفق نهج تنظيم القاعدة الذي كان يتزّعمه “أسامة بن لادن”.

في شهر تشرين الأول 2005، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية أن قواتها قتلت “أبو دعاء” وهو اسم حركي كان يُعتقد أن “البغدادي” يستخدمه، لكن تبيّن أن ذلك لم يكن صحيحاً، بعد إعلان تسلّم “البغدادي” زعامة “دولة العراق الإسلامية”، شهر أيار2010، بعد أيام مِن مقتل زعيمها “أبو عمر البغدادي” (استلم بعد الزرقاوي)، في غارة جوية عند الحدود السورية – العراقية.

بعد تزّعم البغدادي لـ “دولة العراق الإسلامية” تمكّن مِن تعزيز موقع الجهاديين هناك، وأعاد – تحت قيادته – تنظيم صفوف تلك “الدولة” التي سطع نجمه فيها بين صفوف المتشدّدين، وتمكّن عقب اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد، في آذار 2011، استغلال هذه الفرصة وأرسل إلى سوريا – حسب تصريحات التنظيم – “أبو محمد الجولاني” على رأس مجموعة جهادية عُرفت باسم “جبهة النصرة”، واستطاع – مِن خلالها – أن يخلق له موطئ قدم في الأراضي السوريّة، توسّعت حتى شملت ثلثها، بين عامي 2014 و2015.

في نيسان عام 2013، نُشر تسجيل صوتي نُسب لـ”البغدادي”، يُعلن فيه أن “جبهة النصرة” في سوريا هي امتداد لـ”دولة العراق الإسلامية”، وإلغاء اسميهما وتوحيدهما تحت اسم واحد هو “الدولة الإسلامية في العراق والشام” التي باتت تُعرف – منذ ذلك الوقت – بـ”داعش” اختصاراً، رغم إزالة التنظيم فيما بعد اسمي العراق وسوريا مِن اسمه، على أن يقتصر الاسم على “الدولة الإسلامية” فقط، في مؤشّر لامتداد التنظيم خارج البلدين، بعد بيعات عديدة تلقّاها مِن جماعات متشدّدة في نيجيريا (بوكو حرام) وأفغانستان ودول أخرى.

وتحفّظت “النصرة” حينها على إعلان الاندماج، قبل أن يدب الخلاف بين “البغدادي” وتنظيم القاعدة ويهاجم “العدناني” (المتحدث السابق لـ تنظيم الدولة)، الظواهري، نافياً أن يكون التنظيم فرعاً مِِن القاعدة، مشدّداً على أنها “لم تكن يوماً كذلك”.

ورفض “البغدادي” بعدها طلب (أيمن الظواهري) بمنح “النصرة” – التي باتت رقماً صعباً منذ تبنيها سلسلة تفجيرات استهدفت معاقل النظام في دمشق – استقلالها في سوريا، ما دفع “الظواهري”، في شباط 2014، إلى قطع جميع العلاقات بين تنظيم القاعدة و”تنظيم البغدادي”، فيما أعلن “الجولاني” تبعيته لـ القاعدة – قبل أن يفك ارتباطه بها أيضاً – ويتحول وفق أسماء عدّة مِن النصرة إلى جبهة فتح الشام إلى هيئة تحرير الشام (حالياً).

وردّاً على ذلك، بدأ تنظيم الدولة في قتال “النصرة”، وعزّز مِن قبضته في المناطق الحدودية بين سوريا والعراق، لـ يبدأ التوسّع في مناطق شرق سوريا، وكان بإمكان الفصائل العسكرية – بالاشتراك مع النصرة – القضاء عليه، لولا سيطرة قواته في العراق على مساحات واسعة مِن المدن العراقية على رأسها مدينة الموصل، التي أقامها خطبته الشهيرة في جامعها الكبير (النوري) في أول ظهور علني له، معلناً قيام “الخلافة الإسلامية”، وكسره الحدود بين سوريا والعراق، لـ يستنفر العالم بعدها ضمن تحالف ضم أكثر مِن 60 دولة للقضاء على التنظيم.

ومنذ إعلان القضاء على تنظيم الدولة، أواخر آذار  2019، راجت العديد مِن التقارير خلال السنوات الماضية بشأن مصير “البغدادي” وأماكن وجوده، ونشرت أخبار عديدة تفيد بإصابته خلال المعارك، ومنها أنه قتل، في ظل تشتّت التنظيم وتحوّله إلى خلايا منتشرة في مناطق عدّة، تعمل على ضربات مباغتة ضد جميع القوى هناك.

ولكن أكثر التقارير رجّحت اختباء “البغدادي” في صحراء البادية في سوريا الممتدة مِن الحدود الشرقية مع العراق إلى محافظة حمص وسط سوريا، على اعتبار أن ابنه “حذيفة” قتل في صحراء البادية، تموز عام 2018، جرّاء غارة روسية بصواريخ موجهة، وسط اعتقاد حينها، أنه كان برفقة ابنه.

ووفق التقارير، كان يُعتقد بأن “البغدادي” يتنقل برفقة 3 أشخاص هم شقيقه الأكبر (جمعة)، وساعيه (سعود الكردي) وحارسه الشخصي (عبد اللطيف الجبوري) – التي انتشرت أخبار تفيد بأنه معتقل لدى “هيئة تحرير الشام” في إدلب -، قبل أن يتم الإعلان، مساء 27 من تشرين الأول 2019، عن مقتله برفقة عددٍ مِن أفراد أسرته (زوجتيه وأطفاله الثلاثة) ومسؤوله الأمني الخاص (غزوان الراوي)، حسب تصريحات أميركية وعراقية.

الجدير بالذكر، أن حياة “البغدادي” لم تكن أقل إثارة مِن الطريقة التي قتل فيها، فقد كان الأغلى على رأس قائمة المطلوبين للولايات المتحدة الأميركية، حيث أعلنت قبل سنوات عن مكافأة قدرها (25 مليون دولار) لمن يُدلي بمعلومات تقودها للوصول إليه، لـ تصل إليه “القوات الخاصة” في مكان غير متوقّع، تسيطر عليه “هيئة تحرير الشام” خصم التنظيم، وتجوب طائرات الاستطلاع التركية والروسيّة في سمائهِ ليل نهار.

تلفزيون سوريا

اترك رد