( صفحةُ البغداديّ و قد طُويتْ )


• د. محمد عادل شوك: ( الأيام السورية )

في إعلانها طيَّ صفحة البغدادي، في عملية خاصة، في قرية باريشا / شمال إدلب، فجرالأحد: 27/ 10/ الجاري، قامت بها وحدة ( دلتا فِكس ) التابعة لقوات المارينز، و هي نفسها التي داهمت مقر زعيم تنظيم القاعدة، فجر الاثنين: 2/ 5/ 2011 في مقاطعة أبوت آباد الباكستانية؛ تكون أمريكا قد أضافت نقاطًا إضافية إلى سجل رئيسها، الذي بدا في حالة لا تسرّ في الأيام الأخيرة، مواكبةً مع التحرّك التركي في نبع السلام.
و هو أمرٌ كان الرئيس ترامب بحاجة ماسة إليه، ولاسيما بعد تحريك دعوى ضده من المشرعين الأمريكيين، تمهيدًا لاستجوابه، و السعي لعزله إن أمكن؛ بذريعة تواصله مع نظيره الأوكراني، لمنع جوبايدن من الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.
و في الظنّ أنّ البغدادي كان موجودًا في المنطقة قبل الـ ( 48 ساعة )، التي ذكرت في ثنايا التقارير التي تتحدث عن مصرعه في تلك العملية.
و في هذا الصدد ثَمَّة علامة استفهام كبرى تقفز إلى الذهن: كيف تمّ تسهيل أمر وصوله إلى إدلب، و تحديدًا إلى المنطقة ( أ )، حيث العمق الاستراتيجي التركي، الذي لا تتساهل في أمره تركيا، أو الجهة الممسكة بالمنطقة.
كثيرٌ من الكلام سيقال بهذا الصدد، و مهما كانت درجته من حيث القبول أو الرفض، لن يتعدّى أن يذهب إلى أنّ هناك جهات لها مصلحة في إرسال رسائل ذات مقاصد معروفة، تحشر كلّا من: تركيا، و المعارضة، و الجهة الممسكة بإدلب في الزاوية، و ترميها بسهم إيواء الإرهابيين و التستّر عليهم.
و غير بعيد أن يكون قد دُفع إلى تلك المنطقة، لدفعه إلى الداخل التركي، و جعل تركيا تدافع عن نفسها من غير جدوى.
و غير بعيد أيضًا أن تكون تركيا، من خلال مجسَّاتها الأمنية، قد وقفتْ على ذلك، و بادرت هي قبل الآخرين إلى تمرير هذه الهدية إلى الرئيس ترامب، بعد سلسلة التفاهمات التي سادت العلاقات التركية ـ الأمريكية مؤخرًا، و جعلت الرئيس أردوغان في وضع مريح على المستويين الداخلي و الخارجي، فأراد أن يتبادل الأمر نفسه معه.
واضحٌ أنّ داعش يعيش حالة ذهول، تجعله في انفصال عن الواقع بعد الإعلان عن مصرع زعيمه، و هو يصرّ على أنّه مازال حيًّا، و أنّ من تمّت مداهمة مقره في باريشا/ غرب إدلب، هو ( أبو بكر الراوي )، مسؤول التفخيخ في التنظيم برفقة قياديين بارزين، ليس من بينهم أبو بكر البغدادي، و أنّه في غضون ساعات سيلقي كلمة عبر البث المباشر في وكالة أعماق التابعة للتنظيم، يكذِّب فيها الرواية الأمريكية.
هذا في الوقت الذي كشفت فيه المخابرات العراقية عن قيام التنظيم قبل مدة، بخطوة استباقية للحفاظ على قوام التنظيم، تمثَّلت باختيار ( عبد الله قرداش: أبو عمر التركماني ) كزعيم محتمل له، في حال حدوث مكروه له ، و هو الأمر الذي حظي بمباركة البغدادي و موافقته.
إنّ الأمر لا يعدو أن يكون طيَّ صفحة من صفحات الجماعات، فالآيديولوجية لا تموت بالطريقة نفسها التي يموت فيها حملتُها، فما زال العالم يعجّ بكثير من الأفكار التي قضى فيها أصحابُها نحبَهم، و الأمثلة على ذلك تزيد على الحصر.
فطالما هناك حواضن لتلك الآيديولوجيات في عالمنا، ولاسيما الإسلامي و العربي منه، فإنّنا سنبقى على موعد مع صفحات أخرى لتلك التنظيمات و الجماعات.
إنّ ظاهرة ( إبراهيم عوَّاد البدري ) هذا الفتى الذي لا تبدو عليه أمارات القيادة، أو كريزما الزعامة، كان واجهة للعقل المدبِّر في داعش ( حجي بكر: سمير عبد محمد الخليفاوي، ضابط بعثي عراقي، قتل في تل رفعت على يد الجيش الحر في: يناير: 2014 ).
و ستتكرّر هذه الظاهرة لا محالة، فصناعة البدائل أمرٌ مُستطاع، و لا تحتاج إلى كبير جهد، أو كثير عناء، و إنّ الذين عايشوه في فترة اعتقاله في سجن ( بوكا الأمريكي: مفرخة الغلو و التطرف ) في مملحة الفاو العراقية، يتذكَّرون العناية و الرعاية التي أحيط بهما، في أثناء مدة احتجازه من سنة ( 2003 ـ 2004 )، و أشدّ من ذلك استغرابًا قصرُ الفترة التي اُحتُجِز فيها، استنادًا إلى العرف السائد، بأن من يؤتى به إلى ( بوكا ) ستطول فترة بقائه سنوات عديدة.

اترك رد