صراع على سورية وفي داخلها

محمود الوهب

هل الصراع على سورية أم في داخلها؟ سؤال لطالما ردده المهتمون بالشأن السوري العام من نخب مختلفة المشارب والآراء، وغالباً ما أثار حوارات وجدالات تنمّ عن تباينات وإشكالات، فحين يأتي الجواب إيجابياً لصالح الشطر الأول من السؤال، يأخذك بعضهم إلى جهة المؤامرة، ولكن لا لإيضاحها وبيان أسبابها، وكيفية التصدّي لها.. بل لتجاوز ذلك كله، والذهاب إلى دمج الوطن في الحاكم، وقلب المفاهيم لتصبح المؤامرة على الحاكم، لا على الوطن.. ولتبدأ عملية شحذ الهمم لتمجيد الحاكم الذي ينوب عن الوطن، فهو كائن لم يخلق مثله في العالمين، وهو (جدير بقيادة العالم..) ولذلك يجري تجييش الناس من خلفه، ويتضاءل وجود المجتمع/ الشعب مع تلاشي صوت العقل والمنطق، وليطحن الكل في معمعان الجهل والجنون..!  أما حين يأتي الجواب إيجابياً لصالح الشطر الثاني من السؤال، أي أنَّ الصراع داخل سورية نفسها، وفي إطار الشعب ذاته، عندها ترى من يدعم هذا الرأي يبتعد بالشعب عن مواصفاته الطبيعية، فلا يعطيه ميزات محدّدة، بل يكادُ يسلُّه من جوهر الطبيعة البشرية، وما تنطوي عليه سمات الوعي الإنساني، فالشعب السوري متخلِّف، مختلِف على الدوام.. لا يتفق على كلمةٍ واحدة، فكل أفراده قادة وزعماء، وليس ذلك فحسب، بل كلُّهم قابلون للبيع والشراء. وعلى ذلك، تجده ينعت الشعب بالتفاهة والدونية والأنانية المفرطة، وسوى ذلك من الأوصاف التي توصلك إلى درجةٍ تشعر معها وكأنه يوشك أن يقول: إن الخيانة في جينات هذا الشعب، ليستنتج، في النهاية، أنَّ الدكتاتورية دواء شاف له، بل هي العقاب السماوي الذي يستحقه.. فـ “كما تكونون يولّى عليكم” وهكذا.
والحقيقة أن النموذجين قد وُجدا فعلاً في المجتمع السوري، وثبت ذلك من خلال الثورة السورية، إذ قسم المجتمع إلى قسمين، قبل أن تأخذ الثورة في التعثُّر، خصوصاً بعد أن تعسكرت، ونال

التطرّف من بعض فصائلها ما ناله، وكان أن استبدل الطرف الأول المعني بالمؤامرة البراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية والكيماوي بالرصاص الحي، وذهبت سورية بكاملها إلى التدمير والتهجير، بسبب هذين الرأيين اللذين سادا لدى الطرفين، وسار بهما إلى إهراق الدم السوري حتى آخر قطرة، وتدمير بنائه إلى آخر حجر في أي كوخ يؤوي كومة لحم آدمي. وعلى هذا النحو، قُدِّمت سورية بين يدي المؤامرة ومن يقف وراءها، كائناً من كان، هدية وعلى طبق من ذهب.
وإذا كان الطرف الأول القائل بالصراع على سورية قد رأى المؤامرة في الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في عدد من المدن السورية منذ تسع سنوات، وعدَّ المؤامرة قدراً لا فكاك منه، ولا حلَّ لها إلا بالقتال، ورفع من أجل ذلك شعارين متلازمين: “الأسد إلى الأبد”، و”الأسد أو نحرق البلد”، وبدأ حربه المجنونة إلى أن وقعت هزيمته أو كادت، استدعى الأجنبي المتربص، أي بعض أطراف الصراع على سورية، فإن الطرف الآخر لم يقصِّر، إذ كان بعضهم من عربٍ وإقليميين في انتظاره على الحدود المجاورة جاهزين لتقديم العون بأشكاله كافة، لا حباً فيه، بل كرهاً لنظامٍ لم يترك له صديقاً بين الأقربين، وهكذا امتلأت البلاد السورية بالأسلحة، وصار كل من فكّ قطعة سلاح وركَّبها قائداً عسكرياً، لا ليرد عن المواطنين ضربات النظام الموجعة، بل ليبحث عن وطنٍ بحجمه وقدرته ما دام المال موجوداً والأيديولوجيا مختمرة في الأذهان والفقهاء كثرا، والكل جاهزا لتلبية الحاجات والرغبات.. وليشكل، في النهاية، مع النظام ثقلاً جرحاً أكثر إيلاماً على الوطن والمواطن.. وغاب، في الحال، شعار “واحد، واحد، واحد.. الشعب السوري واحد”. وهكذا وصلت الأمور إلى حالٍ لم يعد الأخ معها أن يوفِّر أخاه أو أباه إن جاءا في طريقه، أو خالفا رأياً قال به شرعي معتمد. وذهبت الأمور في سيرها الوحشي آخذة الطرفين المتصارعين إلى القتال تحت إمرة الآخر الدخيل، وكثر الأسياد الغرباء، هنا وهناك، وصار الحديث عن القرار الوطني أو السيادة الوطنية نكتة مرة، وغدا النظر إلى الخريطة السورية أمراً موجعاً، فلماذا حصل ما حصل؟ وكيف؟ وما السبيل إلى الخلاص؟
لعلَّ أول ما يتبادر إلى الذهن أن الأمر يتعلق بالهُوِيَّة السورية، وعدم ترسُّخها في ذهن السوري وروحه، وإلا ما معنى أن يغيب الوطن عن ذهن مواطنيه، ولا أقول عن الملايين التي رفضت امتلاك السلاح منذ بدايات التحريض عليه، فما كان استخدامه طريقاً إلى انتزاع حقوق وطنية مهدورة، بل إعطاء المبرّر للنظام الذي باشره منذ اليوم الأول للاحتجاجات السلمية، وما رفض الملايين له إلا احترام لشعار “دم السوري على السوري حرام..”. والحقيقة لم يغب مفهوم الهوية إلا عن هؤلاء الذين شحذوا السكاكين لقتال الإخوة، فبعضهم عن وعي وبعضهم الآخر مكره، والأسباب كثيرة، ولا مجال للدخول في تفاصيلها وجزئياتها. لكن الجواب على السؤال الرئيس يقول إنَّ الصراع كان على سورية بالفعل، ومن ثَمَّ صار في داخلها، وهذا واقع ومرئي لكل ذي عين وبصيرة. ولعلَّ الصراع بدأ منذ الاستقلال في منتصف أربعينيات القرن الماضي، أي منذ أخذت الدولتان الكبريان، إنكلترا وفرنسا، تخليان مواقعهما في الشرق الأوسط للقطبين القويين الصاعدين، أميركا والاتحاد السوفييتي. ومنذ أن قطع التطور الطبيعي الصاعد في سورية الخمسينيات، اقتصاداً وتنمية وتشكيل هوية وطنية، ليأتي الاستبداد العسكري، ويدخل في مفهوم المواطن أن الوطن قد اختزل في الحزب القائد، وفي رئيسه “الرفيق الخالد” الذي يعوِّل على الأفراد من الأسر والقبائل والطوائف والأحزاب الأخرى الميتة تحت مسمى “الوحدة الوطنية”. ويلغي تاريخ سورية الحديث من قبله.
ويذكر أن حزب البعث أنكر على الشعب الاحتفال بعيد استقلال وطنه يوم 17 إبريل/نيسان 

1947، مستبدلاً به احتفالات أخرى كـ: انقلاب الثامن من مارس/آذار 1963 و”الحركة التصحيحية المجيدة” في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1970، وحرب تشرين “التحريرية” 1973 التي أفقدت البلاد قرى جديدة، ووضعت حدوداً دولية ثابتة تمنع الجيش السوري من إطلاق رصاصة واحدة إذا اقتضى الأمر لاسترداد الجولان، حتى إن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، نتنياهو، عدَّها حدوداً أبدية.
ولعلنا نستنتج مما تقدَّم أن الاستبداد المتمثل في النظام الذي ما زال جاثماً على صدر سورية منذ خمسين عاماً هو أصل البلاء، فهو الجهل والتخلف، وهو الخراب الكلي، ومعه وبه يضيع مفهوم الوطن والوطنية وهويتهما، وما حل في سورية يعود في أصل أصله إليه. ولن يزول ما أصاب سورية والسوريين، ما دام النظام موجوداً، فهل تراها اللجنة الدستورية التي اجتمعت أخيرا في جنيف، وهي الناجمة أساساً عن هؤلاء الذين أتوا بجيوشهم وأسلحتهم، وتوزّعوا سورية شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً ووسطاً، وجعلوا لهم أزلاماً وأتباعاً، أتراها تستعيد سورية فعلاً، أم أنها مرحلة أخرى لتضييع ما تبقى، إن كان قد تبقى شيء بالفعل؟

العربي الجديد

اترك رد