ملف الدستور ..اللجنة الدستورية..”الطبل في دوما والعرس في حرستا”(12)

راتب شعبو

سيكون من باب تعليل النفس بالوهم الاعتقاد بأن نظام الأسد الذي بات يتقدم عسكرياً، وتفتح له، على يد حليفه الروسي، أبواب تطبيع مع تركيا “حليفة الثورة”، سوف يتنازل عن شيء من “طبيعته” كي ينسجم مع دستور جديد أو معدل تنتجه اللجنة الدستورية. ولا يقل وهماً الافتراض أن المجتمع الدولي سوف يفرض على نظام الأسد الالتزام بدستور يهدد احتكاره التام للسلطة، في الوقت الذي لم يتدخل هذا المجتمع لإجبار النظام على شيء، سواء في مستوى منع الجرائم المتواصلة التي يرتكبها، أم في مستوى الإفراج عن عشرات آلاف المعتقلين لديه، أو حتى في مستوى صيانة حياة هؤلاء المعتقلين.

يمكن أن يكون الدستور تأسيسياً فقط حين يكون المجتمع في حالة من توازن القوى تؤمن بيئة سليمة وتسمح للجنة تأسيسية بأن تصوغ دستوراً يحدد العلاقات داخل الدولة وبين الدولة والمجتمع من منظور وطني عام. والحال ليس كذلك في سوريا.

سوى النظام السوري، هناك قوتان فعليتان على الأرض، هما قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والفصائل الإسلامية، وقد استبعدت هاتان القوتان من اللجنة الدستورية، ما يعني أنهما غير معنيتان بالدستور المنتظر. وعليه فإن أمر هذه القوى متروك لمصالحات ممكنة، أو لحسم عسكري، كلما تحقق أكثر لصالح النظام -وهو الميل الواضح- خسرت اللجنة أكثر من الأرضية التي تقف عليها، لأن الحسم العسكري أو التوافقي سيعزز من مكانة النظام ويجعل من اللجنة ومن عملها شيئاً نافلاً. على هذا تبقى اللجنة الدستورية بعيدة عن كونها حلاً ممكناً للمعضلة السورية.

إلى ذلك، نحن اليوم أمام قوة سياسية وعسكرية نسميها “نظام الأسد”، لا ترى، داخلياً، إلا ذاتها وتسخر كل الطاقات الممكنة كي تستمر على عهدها، وكي تسحق أي آخر داخلي، بوصمه أولاً بالخيانة والعمالة والإرهاب، تمهيداً لقتله ثانياً. وفي مقابل هذا، نحن أمام مسعى أممي هش ومختزل يتمثل في “اللجنة الدستورية” التي تناط بها مهمة وضع دستور على أمل أن يكون دستوراً ديمقراطياً وأن يقبل النظام به.

لن نكرر القول بأن المشكلة ليست في الدستور المكتوب على ورق، بل في قوة فرض الدستور وتطبيقه. ولكن لو افترضنا جدلاً (وهذا لا يمكن تحقيقه إلا في الخيال) أن ممثلي المعارضة والمجتمع المدني كانوا على قلب رجل واحد، وكانوا في أفضل حال ممكن من النزاهة الثورية والمهارة التفاوضية والمعرفة الدستورية والقانونية، وأنهم استطاعوا أن يكسبوا ممثلي النظام إلى صفهم وأن يحصلوا على نسبة 75 في المئة من أعضاء اللجنة، واستطاعوا بالتالي أن ينتجوا دستوراً حديثاً وعادلاً وعقلانياً وديمقراطياً ومناسباً و..الخ، فمن سيلزم النظام بقبوله؟ ولا سيما أن النظام لا يعتبر أصلاً أن “وفد النظام” يمثله، بل هو محض وفد “يتبنى وجهة نظر الدولة”، أي إن النظام لا يلزم نفسه أصلاً (بعد كل العقبات الموجودة سلفاً في سبيل التوصل إلى توافق) بقبول ما يمكن أن ينتج من اللجنة الدستورية.

في مقابلة بشار الأسد مع إعلام نظامه، المقابلة التي تزامنت مع بدء أعمال اللجنة الدستورية في جنيف، قال إن الدولة لن تقبل أي بند في الدستور لا يتوافق مع “مصلحة الوطن”، ومعروف ماذا تعني مصلحة الوطن في لغة الأسد وقاموسه. بعد كل التراجعات، وبعد شطب كل البنود التي يمكن أن تفك قبضة الأسد عن البلاد، وبعد الوصول إلى تصوير الحل على أنه يكمن في الدستور، لا يريد رأس النظام أن يترك لمعارضيه مجالاً للتعلل ولو بأمل زائف. لا الوفد يمثل النظام، ولا النظام سيقبل بما لا يرضيه، ولتمض اللجنة الدستورية بعملها بعد ذلك كما تشا.!

هناك من يقول إن مشاركة النظام في اللجنة الدستورية هي اعتراف منه  بالمعارضة، وأن في هذا مكسب لهذه الأخيرة. يغفل هذا القول عن أن المعارضة هي الأخرى تعترف هكذا بالنظام الذي كانت ترفضه طوال السنوات الماضية وتريد إسقاطه “بكل أركانه ورموزه”. لا يعني هذا أن الأفضل هو ألّا يعترف أحدهما بالآخر، المهم من وجهة نظرنا هو الجدوى والمحصلة. الحقيقة أن النظام لم يعترف بالمعارضة مع ذلك، لا في جنيف ولا خارج جنيف، أي جهة سورية مقابلة للنظام هي في نظره محض “طرف آخر”، وهذا الطرف ليس في نظر النظام سوى مجموعة من الخونة والعملاء، كما يقول رأس النظام من دون حرج.

قد يكون تفكيك النظام عن طريق الاعتراف المتبادل الذي يمكن من فتح ثغرات تدخل منها قوى ضغط مجتمعية وتمارس فعلاً مؤثراً في إدارة شؤون البلاد، أفضل من إسقاط نظام بالضربة القاضية. فالحالة الأخيرة تفتح مجالاً لبروز نظام جديد متحرر من الفاعلية المقيدة والتوازنية التي كان يمكن أن تمارسها القوى المهزومة. لكننا في جنيف لسنا أمام اعتراف متبادل، كما يمكن أن يخال المرء. الاعتراف السياسي المتبادل يتأتى من الفرض المتبادل. وإذا كان النظام قد تمكن من فرض نفسه في جنيف اليوم، بما يملك من قوة على الأرض ومن حلفاء يساندونه، فبأي قوة تفرض المعارضة نفسها على النظام؟

القوة العسكرية التي تمثلها الفصائل الإسلامية الموجودة في مناطق سيطرتها في سوريا، ليست سنداً للمعارضة السورية الموجودة في جنيف. وأغلب الشارع السوري لا يرى في هذه المعارضة تمثيلاً له. الميل الواضح حتى لدى الشارع المعارض يرفض اللجنة الدستورية. من أين تأتي قوة وفد المعارضة إذن؟ ومن أين يأتي الوزن الذي يجعل للمعارضة وفداً “دستورياً” يعادل وفد النظام من حيث العدد، ويعطي المعارضة رئاسة دورية لاجتماعات اللجنة؟

الحقيقة أن الوزن يأتي من المجتمع الدولي الذي بات يبحث عن مخرج من المسألة السورية بعد أن اختار لها المنحدر نفسه الذي اختاره للمسألة الفلسطينية. وإذا كانت هذه الأخيرة صعبة الحل لأنها قضية احتلال وقضية شعبين مختلفين وحقوق صريحة يصعب على خزائن الأمم المتحدة إخفاؤها، فإن المجتمع الدولي يرى أن المسألة السورية يمكن توضيبها في سياقات “دستورية” شكلية، بعد أن جرى ويجري توضيبها في سياقات دموية فعلية.

القوة المؤثرة الوحيدة التي يمتلكها وفد المعارضة في جنيف، هي قوة خارجية مستمدة من ثقل المجتمع الدولي الذي يريد حفظ ماء وجهه بفتح مسار “دستوري” طويل أو لا نهائي، يوازي المسار العسكري الذي ينجز خطوات على الأرض، وسوف يصل إلى نقطة تجعل المسار الدستوري نافلاً، فيقدم عندها وفد النظام على فرض ما يريد بالكامل، أو على الانسحاب، لذريعة أو أخرى، من كامل العملية.

مع ذلك، كان يمكن لثقل المجتمع الدولي أن يكون فاعلاً في خلخلة احتكارية السلطة في نظام الأسد، لو أن المجتمع الدولي أراد ذلك حقاً. ولكن المجتمع الدولي يصدر مقررات ويضمنها ثم يتراجع أو يصمت عنها، ويدفع السوريين إلى قبول ما لا يلبي تطلعهم ولا يستطيعون رفضه، في تكرار مشابه للمسار الفلسطيني.

هذا كله لا يعني في نظرنا أن نظام الأسد يمتلك أسباب النصر، بل يعني أن بداية تفكك نظام الأسد أو انهياره لن يكون على يد هذا المسار أو هذه اللجنة الدستورية التي تشكل، على العكس، نافذة أمان للنظام من حيث أنها تنقله في نظر العالم من موقع المجرم الذي تجب محاسبته، إلى موقع الشريك في الحل، وهذا يعني الضرب صفحاً عما ارتكبه من قبل.

بروكار برس

اترك رد