إيران وميليشياتها عبء على لبنان والعراق

عبدالوهاب بدرخان

اتخذ اللبنانيون والعراقيون من العَلَم الوطني شعاراً لتحدّي الأمر الواقع السياسي المفروض على البلدَين. أصغوا الى النشيد الوطني بعيون دامعة في البصرة، أنشدوه بفرح في طرابلس. يعيدون بتضامنهم اكتشاف وطنهم. يصرّون على صنع حاضرهم ليصنعوا مستقبلهم.

أثبتت الانتفاضتان الشعبيتان في العراق ولبنان أنهما غير معنيّتين بمجريات الصراع الأميركي – الإيراني، خلافاً لموقفَي الحكومتين. أن تكون إرباكات هذا الصراع فتحت هامشاً لتحرّك الشارع فهذا طبيعي ومرتبط أولاً وأخيراً بمعاناة الناس، أي بمعطيات داخلية محليّة. وأن يكون هذا الحراك يتوافق مع أهداف أميركية أو يتناقض مع أهداف إيرانية فهذا متوقّع، نظراً الى أن البلدَين واقعان تحت تدخّلات خارجية أوجبتها ضرورات أمنية في العراق وصعوبات اقتصادية في لبنان، وفي الحالَين تحوّلت التدخّلات الى انقسامات سياسية عمودية فنتج عنها “نجاح” كارثيّ في مأسسة منظومة الفساد وفشل مفزع في بناء دولة.
في بغداد تبنّت الرئاسات الثلاث رسميّاً النأي بالبلاد عن التوترات الإقليمية والدولية، مقترحةً أن يكون العراق وسيطاً، وهو ما حاوله رئيس الحكومة فعلاً إلا أن حدّة الأزمة في الخليج تتجاوز قدرة أي وساطة، بدليل إخفاق المحاولة الفرنسية المتقدّمة التي كانت الأكثر قرباً الى كسر المستحيل. غير أن الرؤساء الثلاثة يدينون بمناصبهم لهندسات الجنرال قاسم سليماني، ويعرفون أن الأذرع الميليشياوية لـ “الوصي” الإيراني ممسكة بالساحة الداخلية وأن تأثيرها عابر للطوائف والأعراق، ترهيباً وترغيباً، أما التدخّل الأميركي فأوحى دائماً بأنه مكتفٍ بنفوذ جزئي ولم يرقَ يوماً والأرجح أنه لن يرقى الى تمكين العراق – الدولة من تقنين النفوذ الإيراني إلا إذا غدا ذلك استحقاقاً داخلياً بحتاً. هذا ما تطرحه الانتفاضة الحالية، خصوصاً أنها تتفاعل داخل البيئة الشيعية لكنها تحظى بتعاطف أكيد من البيئات الأخرى (السنّة والأكراد) التي لم تشارك في الحراك وحرمت إيران من الاستنفار المذهبي ضد “أعداء الشيعة”.
وفي بيروت انفرد رئيس الحكومة (السنّي) برفع شعار النأي بلبنان عن الصراعات الخارجية وركّز اهتمامه على جلب الدعم الدولي لمعالجة أزمة اقتصادية ومالية كانت كامنة وخطيرة لكنها تفاقمت الآن لتضع البلد على شفير انهيار معلن. وعلى رغم ادراك الشريكين الآخرين (رئيس الجمهورية الماروني، والثنائي الشيعي المتمثل بـ “حزب الله” و”حركة أمل”) خطورة الوضع الاقتصادي والمالي، إلا أنهما لم يساهما في تسريع الخطط الحكومية لتسريع الدعم الدولي بل واصلا إعطاء الأولوية لأجنداتهما السياسية ومصالحهما الخاصة، المتوافقة من الأجندة الإيرانية التي يتولّى “حزب الله” تنفيذها، وقد سعيا في هذا السياق الى مقايضات يتعلّق بعضٌ منها بمكاسب طائفية محضة (تعزيز صلاحيات الرئيس على حساب صلاحيات مجلس الوزراء ورئيسه) أو بحسابات إقليمية منها استغلال “حزب الله” وجود وزير للخارجية طامح لوراثة عمّه في رئاسة الجمهورية لدفعه الى مواقف مناوئة للإجماع العربي أو مستفزّة للمجتمع الدولي مثل تبنّي “التطبيع” مع النظام السوري.
غير أن الانتفاضتين اندلعتا هنا وهناك خارج هذه التجاذبات السياسية، وكانت لهما مقدّمات وتراكمات منذ 2015 حين تظاهر العراقيون احتجاجاً على انقطاع الكهرباء الذي عولج جزئياً، واللبنانيون طلباً لحلول لمشكلة النفايات المستمرّة حتى الآن، وفي الحالَين كانت الإدانة المدوية لـ “منظومة الفساد”. في الأثناء تزايد العجز في توفير الخدمات بحدّها الأدنى، وتضخّم الاقتناع الشعبي بأن “منظومة الحكم” تحتقر المواطن ومعاناته ولا تبالي إلا بمصالح أطرافها، وللمرّة الأولى تصاعدت سريعاً الدعوات الى انتخابات مبكرة معبّرة عن نبذ عميق لجميع من هم في السلطة، منفّذين ومشرّعين، ما يعطي مغزىً ومعنىً لشعار “إسقاط النظام”. أكثر ما تردّد في الشوارع والساحات أن الشعب يدافع عن “كرامته” ويريد استعادتها وإعادة الاعتبار لها، وليس هناك ما يمكن أن يكون أبلغ من هذا الحُكم على “المنظومة” وشخوصها.
في العراق يدرك المحتجّون أن ثمة مستقبلاً لبلدهم إذا توقف نهب أمواله وثرواته، أما في لبنان فيخشون مستقبلاً قاتماً لأن موارد البلد قليلة وتنهبها قلّة مستقوية. وفي الحالين أصبح الاتهام موجّهاً الى من يحتضن “منظومة الفساد” ويحميها، أي الى “النظام” الخاضع للهيمنة الإيرانية. لا يجهل العراقيون أن “منظومة الفساد” نشأت في ظل الاحتلال الأميركي الذي عوّل على تعاونها لإقامة “نظام ديموقراطي” لكنه ما لبث أن أورث العراق لإيران التي عبثت بتلك “الديموقراطية” واستهترت بكل ثوابت تعايشية بين العراقيين وأجبرت الدولة على تمويل الميليشيات. لم يكن هناك أي ودّ شعبي للمحتل الأميركي بل شعورٌ بأن هناك أملاً في “دولة”، وقد تجدّد هذا الشعور بعد تعزيز الاميركيين مكانة الجيش العراقي في سياق محاربة تنظيم “داعش”. في المقابل كان هناك تعاطف وتماهٍ مع الإيرانيين إلا أنهما تلاشيا شعبياً مع رؤية النتائج: مزيد من الاستلاب للدولة والتهميش للجيش والضغط على الاقتصاد والمأسسة للفساد والشحذ للطائفية، فضلاً عن الاستقطاب ضد المحيط العربي… كل ذلك، معطوفاً على الصعوبات المعيشية، اختُصر باندفاع الحشود الى سفارة إيران وقنصلياتها، وبالهتاف: “العراق حرّة حرّة… إيران برّا برّا”.
مَن صنع الأسباب التي قادت الى هذه الانتفاضة العراقية هو نظام الملالي وأتباعه، فهم يقدّمون أخطاءهم “هدية” ليستغلّها الاميركيون، لكن الطرفين يتشاركان في الانتهازية واللامبالاة. لذلك جاءت صرخة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني أخيراً بأن إرادة العراقيين في التغيير “لا يحق لأي طرف إقليمي أو دولي أن يصادرها”، وقد أرفقها بإعلان اليأس من منظومة الحكم فـ “ما يلزم من الإصلاح موكول الى اختيار الشعب العراقي بكل أطيافه من أقصى البلد الى أقصاه، وليس لأي شخص أو مجموعة أو جهة بتوجّه معيّن”.
سقط الحلّ الأمني الدموي في العراق على رغم أن أصحابه لا يزالون مصرّين عليه كبديل من حرب أهلية شيعية – شيعية. لم يُجرَّب هذا “الحلّ” بعد في لبنان مع أن الأمين العام لـ “حزب الله” يواصل التلويح بـ “الأوراق” التي لم يستخدمها حتى الآن، وأكثر ما يزعجه أن الانتفاضة عابرة للطوائف بما فيها طائفته. ليس عند إيران ما تدعم به “الأنظمة” التي استتبعتها وتراها تمرّ الآن بأزمة وجودية غير مسبوقة، ليس لديها غير السلاح لميليشياتها وحلفائها الذين تهتز الأرض تحت أقدامهم. العراق يحتاج الى مساعدات لإعادة الإعمار والاستقرار، ولبنان يحتاج الى مساعدات لوقف انهيار اقتصاده وعملته، لكن الوجود الإيراني يقف حاجزاً أمام تدفّق هذه المساعدات. وكما أن السلاح لا يصلح للتعامل مع الانتفاضتين فإن القمع الدموي لا يكفي لإبقاء النظامين على الحال التي تناسب طهران.

اترك رد