ملف الدستور..أوهام اللجنة الدستورية ونتائجها المرتقبة (13)

فايز سارة

يستند تشكيل اللجنة الدستورية السورية إلى فكرة روسية أساسها أن الحل في سوريا، يتطلب إصدار دستور جديد. وقد ذهب الروس إلى أبعد من الاقتراح، حيث قدموا مشروع دستور مكتوب في كانون الثاني(ديسمبر)2017 إلى وفد المعارضة المسلحة المشارك في محادثات وقف إطلاق النار في آستانة على أمل أن يساهم في “تسريع المفاوضات السياسية لإنهاء الصراع” وفق ما قاله مبعوث الكرملين إلى آستانة حينها.

وأخذ المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان ديمستورا -بضغط من موسكو- الفكرة، فجعلها في واحدة من أربع سلال، هدفها تنفيذ القرار الدولي 2254 القائل بانتقال سياسي عبر “إنشاء حكم غير طائفي يضم الجميع” و”وضع مسودة دستور جديد”، و”إجراء انتخابات حرة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة” و”مكافحة الإرهاب”، وفي العامين الماضيين اختفت ثلاثة، وبقيت سلة وضع الدستور وحيدة، وتم تشكيل اللجنة وسط ربط هش بالقرار الدولي 2254 ومحادثات جنيف. وهو ما يؤكد أن اللجنة الدستورية الحالية، لا تتصل بسياق قوي بمباحثات جنيف وسلالها الأربعة المتصلة بتطبيق القرار الدولي 2254.

غير أن واقع اللجنة الدستورية الحالية يتعدى ما سبق إلى مشكلات أخرى، تمثل مجموعة معطيات وأوهام تحيط باللجنة الدستورية، وتجعل منها كارثة تضاف إلى كوارث، انصبت على السوريين، وعملت على تدميرهم وقضيتهم في الأعوام التسعة الماضية.

لقد أظهر المجتمع الدولي سواء من خلال مؤسساته -ولاسيما الأمم المتحدة- أم من خلال دبلوماسيات الدول المتابعة للقضية السورية اهتماماً ملحوظاً بتشكيل اللجنة الدستورية باعتبارها مدخلاً لفتح بوابات نحو حل القضية السورية. والحقيقة غير ذلك تماما، وهذا ما تعرفه الأوساط الدبلوماسية سواء في الأمم المتحدة أم في خارجيات الدول المهتمة والمتابعة للقضية السورية. فكلها تعرف أن طبيعة نظام الأسد بما هو نظام دكتاتوري مستبد وإجرامي، يرفض الحلول السياسية، ويصر على الحل العسكري- الأمني، هو المشكلة، وليس وضع دستور، بل إنهم يعرفون أن سوريا يمكن أن تحكم بـ “الدستور الحالي” الذي جرى إقراره على 2012 مع تعديلات بسيطة على نحو ما حدث في عام 2000 عندما جرى تعديل الدستور في دقائق، ليناسب عمر بشار الأسد، لإتمام ترشيحه لرئاسة الجمهورية.

ولأن الأوساط الدبلوماسية عاجزة -كما حال الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مثال أول- أو أنها لا ترغب -لسبب ما- في الذهاب إلى حل حقيقي للقضية السورية -كما هو حال روسيا والولايات المتحدة في المثال الثاني- فإنها تتوافق على تسويق وهم أن اللجنة الدستورية يمكن أن تشكل بوابة حل أو مدخلاً في هذا الاتجاه، ويسوق هؤلاء الوهم مقروناً برسالة يبعثونها إلى العالم ومنه السوريين، خلاصتها أن المجتمع الدولي مهتم ويشتغل على القضية ولا يهملها.

إن المجتمع الدولي، يعرف أن التحالف الروسي- الإيراني مع نظام الأسد، رفض على مدار الأعوام الماضية الحل الدولي للقضية السورية ولا سيما بيان جنيف 2012 ومفاوضات جنيف عام 2014 وجولاتها اللاحقة، وأصر على الحسم العسكري، وغطى إصراره بطروحات “سياسية” من طراز آستانة وسوتشي وإصدار دستور جديد للقضية السورية، فيما كان يراهن على كسب الوقت لتحطيم المعارضة، ودفع السوريين إلى الاستسلام، والمجتمع الدولي إلى الرضوخ.

وتتشارك المعارضة السورية المعارف السابقة، ولا سيما الائتلاف الوطني والهيئة العليا للمفاوضات، يعرفون أكثر عن تفاصيل طبيعة النظام وسلوكاته، كما عبر عنها في مفاوضات تواصلت في محطات متعددة منذ جنيف 2014، ولم تصل إلى إنجاز واحد على طريق وقف قتل السوريين، وليس حل القضية السورية.

غير أن ما تملكه المعارضة من معلومات وخبرات عن سياسة النظام وحلفائه ولا سيما الروس، لم يدفعها نحو موقف جدي في موضوع اللجنة الدستورية أو مسار عملها، فلم ترفض تشكيل اللجنة، ولا وضعت اشتراطات وقيود من شأنها تحسين الصيغة ومسار العمل على أمل الوصول إلى نتائج أفضل، بل سرعان ما رحبت بتشكيل اللجنة، وأظهرت حماساً لها في موقف بدا شديد التهافت، ولا يتناسب مع مكانة أصحابه في ادعاءاتهم تمثيل القضية السورية.

إن الأساس في الموقف المتهافت للمعارضة في موضوع اللجنة الدستورية ومسار عملها في خطواته الأولى، لا يكمن فقط، في ما هو متفق عليه في ضعف المعارضة السياسي والتنظيمي ومن حيث الأداء، بل هو نتيجة لعاملين اثنين إضافيين، تكثفا في الأعوام الأخيرة، أولهما تزايد حضور الشخصيات الهامشية في قيادة المعارضة، وهذا أمر واضح في الائتلاف الوطني وفي الهيئة العليا للمفاوضات، إضافة إلى تزايد عدد المرتبطين بأجندات وأجهزة أمنيه لدول مهتمة وذات صلة وتأثير في القضية السورية، وقد جرى دفع عدد من هؤلاء ليكونوا ضمن الوفد الذي يمثل المعارضة في اللجنة الدستورية.

ويتجاوز السوء والتردي واقع المعارضة في العلاقة مع اللجنة الدستورية إلى سوء وترد آخر، يتصل بتشكيل الوفد الممثل للمجتمع المدني الذي يبطن تفاهماً ضمنياً في اقتسامه أو تقسيمه بالمناصفة أو قريباً منها بين السلطة والمعارضة، والنصف القريب من الأخيرة، فيه ارتباكات لا تماثل ارتباكات وفد المعارضة من حيث هامشيتها وارتباطاتها فقط، بل تضيف إليه، وجود شخصيات لا ضوابط لها بعضها استعراضية وأخرى تناقض مواقف المعارضة، وثالثة جرى ضمها للوفد وفق مقاييس المبعوث الدولي وفريقه.

وعلى الرغم من كل مساوئ وفد المعارضة والمجتمع المدني، فإنها يمكن أن تكون أفضل مقارنة بما عليه حال وفد لنظام، وقد ترافق انعقاد الجلسة الأولى للدستورية بفضيحة وجود اثنين من ضباط مخابرات النظام بين أعضائه، ولكل منهما تاريخ أسود في اعتقال المعارضين السلميين وتعذيبهم، وهو أمر يتجاوز فكرة أن أعضاء وفد النظام هم من مؤيدي النظام.

وسط معطيات الصراع في سوريا وحولها، وما يحيط بتشكيل اللجنة الدستورية من ظروف ومعلومات وحقائق، وفي ظل طبيعة أعضاء اللجنة بوفودها الثلاثة، يطرح سؤال عما يمكن أن ننتظره من اللجنة. والجواب الأولي والبسيط هو اللاشيء. لكن مع بعض التدقيق سوف يأخذ الجواب اتجاهاً آخر جوهره أننا سوف ننتظر كارثة أخرى تحل بالسوريين بفعل هذه اللجنة. ليس بسبب إعطاء النظام وحلفائه مزيداً من الوقت لربح الصراع ضد السوريين. بل أيضا بإعطائهم فرصة تحقيق خروقات سياسية وتنظيمية في وفدي المعارضة والمجتمع المدني، ما سينعكس ضعفاً متزايداً على الأخيرين، وزيادة في قوة النظام في ميدان الصراع.

إن حسابات صغيرة وبعض الأوهام، تحيط بموضوع اللجنة الدستورية، توضح جوانب منها رسالة كتبتها عضو في اللجنة قالت “شاركتُ اليوم بالجلسة الافتتاحية لأعمال اللجنة الدستورية، ضمن مجموعة المجتمع المدني، واتسمت الجلسة بجو إيجابي عموماً وتركيز على مفاهيم المواطنة المتساوية والعدالة. مع إدراكي لكافة التحفظات التي تم تداولها والمتعلقة بالعملية الدستورية، فإن مشاركتي تنطلق من كونها خطوة في مسار الانتقال السياسي والتغيير الجذري في سوريا، والذي نعمل لأجله جميعنا بمقاربات قد تختلف مداخلها لكنها تفضي لهدف واحد بإنهاء حقبة الحكم الشمولي والقمعي والعبور لدولة القانون والمواطنة يستعيد فيها الإنسان السوري حقوقه على كافة الصعد، ويبني مستقبلا مستقرا ومزدهرا على قدر مسؤوليتنا تجاه الأجيال السورية القادمة”.

بروكار برس

اترك رد