سيرة جيل الانتفاضة وتجاربه الشبابية السابقة: تحطيم الأصنام

هو شاب من مواليد العام 1993 في الأشرفية. أسرته من الطبقة المتوسطة. أمه أرثوذكسية بترونية – طرابلسية،وتدرّس الرياضيات في جامعة القديس يوسف. والده أرثوذكسي من أصول فلسطينية – سورية، ومن سكان الأشرفية، ومهندس يعمل في تجارة الأدوات والمواد الطبية. خاله كان في الحرب الأهلية في حزب الوطنيين الأحرار. عمه مثقف يساري من شهداء “ثورة الأرز” عام 2005.

في طفولته البيتية تفتح وعيه الأول على حساسية اليمين المسيحي اللبناني في عائلة أمه وكلامها الناقم على السيطرة السورية على لبنان، وقبلها على المنظمات الفلسطينية المسلحة. أما في عائلة والده فكان الكلام السياسي قليلاً، ويظل خافتاً متحفظاً، نظراً لجذور العائلة الفلسطينية والسورية، وإقامتها في الأشرفية، منذ ما قبل الحرب. القيم أو الثقافة العلمانية، والإيمان المسيحي، هما السائدان في حياة أهله البيتية. وهو حتى اليوم علماني ومؤمن إيماناً شخصياً هادئاً، يحمله على القول إنه ليس ملحداً. عمه المثقف اليساري، وهو عرابه، هذّب تشربه بالنقمة على سوريا والسوريين في صباه الأول، وحمله على التمييز بين نظامها وشعبها، ومنه عرف شيئاً عن اليسارية.

أخبار السياسة وأحاديثها كانت حاضرة في البيت. وفي مدرسته الليسيه الفرنسية عند طرف الأشرفية، كان الكلام السياسي حاضراً في اليوميات المدرسية، ومداره الاحتلال السوري للبنان، حتى انفجر بقوة في العام 2005، وبعده. وجاء اغتيال عمه الذي ترك جرحاً بليغاً في العائلة، محفزاً أساسياً لبحثه عن سياق الحوادث ومعناها، ودفعه إلى تلمس بدايات وعيه السياسي معاني السياسة. سوى خاله، ليس في عائلته وأسرته من انتمى إلى حزب أو ناصر زعيماً سياسياً. وجماعات 14 آذار ومنظومتها وزعامتها نظرت العائلة إليها نظرة متحفظة وسلبية. لأن تلك المنظومة وزعاماتها خيّبت آمال شعب الانتفاضة وطموحه في الحرية والديموقراطية والاستقلال، وبناء دولة المساواة وتجديد الحياة السياسية، وإطلاق مبادرات الأجيال الشابة.

النادي العلماني
أثناء دراسته العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، انتسب إلى النادي العلماني الطلابي في الجامعة، وصار ناشطاً فيه مع مجموعة من أمثاله من الطلاب. وبعدما كانت أجواء انتفاضة 14 آذار 2005 بداية تفتحه السياسي في حياته العائلية والمدرسية، صار عمله في النادي الطلابي الجامعي إطار تفتحه ونشاطه الشخصيين والفرديين والشبابيين.

ومدار دعوة النادي العلماني وتطلعاته ونشاطه، الخروج على النظام الطائفي ومنظومة السلطة وزعاماتها، بل إسقاطها. وفي العام 2011 وموجة الثورات العربية، اندفع  طلاب النادي في تأييدهم هذه الثورات، وخصوصاً السورية، بلا التباس ولا غمغمة. وتفرّد النادي بين المجموعات والنوادي الطلابية في الجامعة الأميركية، باطلاقه حملة تعاطف وتأييد للسوريين وثورتهم في إطار “طلاب من أجل سورية حرة”. وتميز النادي أيضاً في وضوح حملته ضد منظومتي 14 و8 آذار وانقسامها العامودي. وطلاب النادي العلماني يتحدرون من أهل يساريين وشيوعيين سابقين، ومن علمانيي ولبراليي الفئات المتوسطة، ومتنوعين طائفياً ومناطقياً، ودخلوا إلى الجامعة الأميركية قادمين من مدارس نخبوية، كالليسيه الفرنسية، والآي. سي، والجمهور، والكرمل سان جوزيف، ولويز فيكمن. وشارك النادي بحماسة في حملة إسقاط النظام الطائفي اللبناني وتظاهراتها في بيروت عام 2011، تأثراً بالثورات العربية ونسجاً على منوالها في لبنان.

وتميز النادي العلماني بمشاركته النشيطة في حملة “المسيرة العلمانية” وتنظيمها. وهي مسيرة حاشدة تنطلق كل مرة من مكان معين، وبادر إلى تأسيسها راقص وراقصة في بيروت. وبين العامين 2012 و2013 شهد النادي قفزة جديدة في نشاطه ضد المنظومة السياسية اللبنانية المتحدرة من الحرب الأهلية، وتجديدها في الانقسام العامودي بين 14 و8 آذار. وصار النادي يجمع ما بين 200 و300 طالب وطالبة في الجامعة، وصار على صلة وثيقة بمجموعات وجمعيات المجتمع المدني، ومنها “الجمعية اللبنانية لديموقراطيات الانتخابات” (لادي)، وشارك في تظاهرات احتجاجية في وسط بيروت ضد التمديد للمجلس النيابي في العامين 2013 و2014. فراكم الطلاب المحتجون الغضب ضد البرلمان والمنظومة السياسية، واستطاع النادي حيازة منصب نائب الرئيس في الجامعة و3 أعضاء من أصل 17 عضواً في الحكومة الطلابية، وانتخاباتها في العام 2014.

أزمة النفايات
احتجاجات طلاب النادي وتظاهراتهم ومحاولتهم الدخول إلى مبنى البرلمان، ورشقهم سيارات النواب بالبيض والبندورة احتجاجاً على تمديد ولايتهم النيابية، مهدت لمشاركتهم الواسعة والحماسية في الحركة الاحتجاجية الواسعة على الإدارة الحكومية لجمع النفايات ومطامرها، وانتشارها الواسع والمقذّع في شوارع بيروت صيف 2015. كانت هذه الحركة مفصلية في نشاط شبان النادي العلماني الذين كانوا قد تخرجوا من الجامعة وصاروا عاملين في مهن ووظائف متنوعة، وظلوا على تواصل شبكي مصبه النشاطات الاحتجاجية واستمرارهم فيها، إلى جانب سواهم من المجموعات الشبابية الكثيرة. وفي 22 آب 2015 استخدمت القوى الأمنية العنف المفرط ضد شباب الحركة الاحتجاجية على إدارة النفايات وتراكمها في شوارع المدينة.

وكانت ساحة رياض الصلح المكان الأبرز الذي تعرض فيه المحتجون لحملة العنف الأمني، عندما كانوا حوالى 300 شاب وشابة في الساحة. مجموعة منهم اقترحت إقفال الطرق لساعتين أو ثلاث في بيروت في تلك الليلة، رداً على ذلك العنف. منهم من سار في تظاهرة عفوية انطلقت نحو شارع الحمراء، فاشتبكوا مع موكب الوزير رشيد درباس، ورمو النفايات وقطعوا الطريق أمام المصرف المركزي، وأمام منزل رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة في شارع بلس.

مهّدَ ما حصل في 22 آب للتظاهرة الضخمة التي جمعت نحو 50 ألف متظاهر بساحة رياض الصلح في 29 آب. وفي الأثناء ولد هتاف “كلن يعني كلن” من صفحة فيسبوكية باسم “إلى الشارع”، ونشرت الصفحة صورة السيد حسن نصرالله، باعتباره من المنظومة السلطوية. قبل ذلك كانت صورة محمد رعد تمثل حزب الله، من دون التجروء على “قدسية” حسن نصرالله، الذي أدى إبراز صورته وكسر هالته إلى الهجوم على الإعلامية ديما صادق التي كانت تبث حلقة تلفزيونية عن الاحتجاجات مباشرة من ساحة الشهداء.

استمرت الحركة الاحتجاجية ضد إدارة النفايات وأزمتها طوال أربعة أشهر. المجموعة الشبابية المتحدرة من النادي العلماني اختبرت في تلك الأشهر نشاطها الاحتجاجي الذي عاشته بفرح تهكمي غامر ومنتشٍ، غيّر نمط حياتها وعلاقاتها اليومية، وجعلها سيّالة ومندفعة في نشاطها التلقائي المباشر الذي بدأ ينحو نحو التنظيم في العمل والتأطير العنقودي أو الشبكي والأفقي، بلا قيادة ولا مراتب تنظيمية، وعلى مبادرات جماعية وفردية.

حملة بيروت مدينتي
انتهت تلك الحركة الاحتجاجية، فانخرطت المجموعات الشبابية المتحدرة من النادي العلماني في حملة “بيروت مدينتي” تمهيداً للانتخابات البلدية في بيروت 2015، فوظفت نشاطها وخبراتها في الحملة التي جمعت أساتذة جامعات ونقابيين وفاعليات بيروتية وناشطين في المجتمع المدني، فتشكلت لجان للتنظيم والتواصل مع المجتمع البيروتي وعائلاته.

استمرت حملة “بيروت مدينتي” ثلاثة أشهر، وكانت اختباراً جديداً للمجموعات الشبابية، وجاءت نتائجها مفاجئة بحصولها على 40 في المئة من أصوات المقترعين في انتخابات بلدية بيروت.

شبكة مدى
كانت فكرة إنشاء شبكة تضم مجموعة من طلاب الجامعات وخريجيها في لبنان، قائمة منذ العام 2013. ونشأت الفكرة بين مجموعات من طلاب الجامعتين الأميركية واليسوعية، يعتبرون أن الأجيال الطلابية والشبابية مهمشة، بل تعيش خارج الحياة السياسية والانتخابية التي تتصدرها أجيال تقليدية سابقة، تتحكم وحدها بتركيب السلطة والحياة السياسية منذ نهاية الحرب الأهلية. أما الجيل المولود ما بعد الحرب، والذي ورث هذه التركيبة في السلطة والعمل السياسي من دون أن يكون له مكان فيها، ويفضي به تعليمه الجامعي في الجامعات المرموقة (الأميركية، اليسوعية، واللبنانية الأميركية) إلى الهجرة، فيما يفضي التعليم بطلاب الجامعة اللبنانية إلى البطالة وطلب وظائف إدارية دنيا من زعماء التركيبة السياسية، فلا فاعلية سياسية واجتماعية لها في البلاد، سوى تجديد هذه التركيبة ومساوئها وترسيخها: خريجو الجامعات المرموقة المهاجرون والعاملون في الخارج، يرسلون إلى أهلهم وبلدهم حوالى 6 مليار دولار في السنة، تسد عجزاً في موازنات الدولة وفي حياة البلد الاقتصادية. أي أن هذه الهجرة ومردودها يعملان على ترسيخ السلطة السياسية الفاسدة في لبنان.

أدت هذه الأفكار الى نشوء شبكة مدى من الطلاب الجامعيين والخريجين، لكسر هذه الدوامة. وعرفت الشبكة نهضتها وتوسعها في العام 2017. وهي شبكة لتفعيل العمل والنشاط السياسيين خارج أطر التركيبة القائمة، على أسس وممارسات علمانية وديموقراطية، وبناءً على مبدأ المواطنة والمساواة الجندرية والاجتماعية، وضمت الشبكة مجموعات وافراداً، ونظمت عملها في شبكات أفقية مفتوحة.

روافد الثورة
شكلت هذه التجارب والروافد وسواها من أمثالها، سوابق انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 المفاجئة والمستمرة. وصاحب رواية تلك التجارب والاختبارات والروافد، لم يكن يتوقع أن يفضي الاحتجاج على قرار الضريبة على “الواتس أب” ألى ما أفضى إليه في تلك الليلة التي أعقبت بأيام عشر حرائق الأحراج الواسعة في مناطق لبنانية كثيرة، وسواها من المهاترات بين أركان السلطة في البلاد. كان يرى أن الأفق شبه مسدود، والقدرة على الاحتجاج والاعتراض ضعيفة.

لبى دعوة انطلقت على شبكة فيسبوك للتجمع على جسر الرينغ ليلة 17 تشرين الأول. بلا أمل بحدوث تحرك استثنائي وصل إلى الجسر وشارك نحو 300 شاباً وشابةً في الوقفة الاحتجاجية والصدام مع القوى الأمنية، قبل مغادرته إلى منزله، ليفاجأ بأخبار إطلاق موكب الوزير أكرم شهيب النار على متظاهرين في ساحة رياض الصلح التي سارع إليها، ليجد جمهرة من ثلاثة أو أربعة آلاف شخص من المحتجين الهاتفين، فتسلق إشارة سير وراح يصور المشهد ويبثه على شبكات التواصل. ومن رياض الصلح قام مع مجموعة من أصدقائه بجولة في شوارع بيروت، ففوجئ بمجموعات من الشبان تخرج من الزواريب والشوارع وتقطع الطرق بمستوعبات النفايات والحرائق.

كانت تلك المشاهد تنبئ أن ما يحصل كبير ولن يهدأ، وسيستمر أياماً قبل خفوته وانطفائه كالعادة. لكن الأيام توالت وشمل التحرك أحياء ونواحي كثيرة من بيروت، وتمدد إلى المناطق. إنها انتفاضة أو ثورة، إذاً، ولن تتوقف. واشتعلت وسائل التواصل الإلكتروني بالصور والشعارات والنداءات، واختلطت بصور وشهادات البث التلفزيوني المباشر. لبنان كله ينتفض ويثور. ولم يعد يقتصر الأمر على المجموعات الشبابية، التي اختلطت بجمهور شعبي من الفئات الاجتماعية الكثيرة التي راحت تنزع عنها ولاءاتها وانتماءاتها السابقة.

من ظواهر الانتفاضة، تلك الأقنعة المستلهمة والمستلة من بطل فيلم “جوكر” الذي كان يعرض في الصالات البيروتية. اختلطت صور الفيلم بمشاهد الحياة اليومية في بيروت. وصارت صور طرابلس وحشودها في ساحة النور تذكّر بثورة مدينة حمص السورية. والقرع على الطناجر في الأحياء في أوقات من النهارات، صار يذكر بما حدث في ثورة تشيلي. مشاهد لا تحصى في الانتفاضة تستدعي مشاهد أخرى من الثورات والانتفاضات العربية والعالمية الأخيرة.

شبان الانتفاضة وشاباتها أعاد الحدث الكبير وصلهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي بزملائهم وزميلاتهن على مقاعد الدراسة ما قبل الجامعية، وسائر النشاطات الاحتجاجية في الأندية والمجموعات الاحتجاجية أثناء حياتهم الطلابية الجامعية. العلاقات والاتصالات تتسع وتتشعب أفقياً وشبكياً، وسط التدفق الشعبي الميداني في الساحات والشوارع.

وسقطت الحكومة. وحواجز اجتماعية وسياسية بدأت تنكسر وتتلاشى، فيما الحماسة والشغف الجسورين ينطلقان إلى الأقاصي. لن يعود الشبان والناس إلى القمقم والتحاجز السابقين، ولا إلى الشرانق الاجتماعية والسياسية التي سجنوا أنفسهم سجنتهم فيها المنظومة السياسية. لقد انفتح الأفق الذي كان مقفلاً. والرأي العام التقليدي والسائد انقلب على المنظومة السياسية، وصار إلى جانب الشبان والشابات الناشطين الذين/اللواتي ينتظرون من سنين هذه الفرصة المفاجئة. ولم تعد المنظومة السياسية التي خرجوا منها، تستطيع ابتزازهم وابتزاز الناس في الشوراع والساحات، لإعادتهم إلى تلك الشرانق المقفلة.

المدن

اترك رد