ظاهرة المنتديات والمجموعات السياسية السورية إلى أين؟

راتب شعبو

من جملة المساعي التي يعكف عليها السوريون اليوم، وهم يعيشون حالة انسداد آفاق وتداخل معقد في الخطوط والصراعات، تنظيم نشاط للتفكير والنقاش والمراجعة والبحث. ينظمون ندوات عبر وسائل التواصل التي وفرتها ثورة الاتصالات، (السكايب والواتس أب) أو برامج أخرى تستوعب مئات المشاركين (زوم أو فيوز). توجد اليوم منتديات سورية عديدة يقوم عليها أشخاص نبيلون في مساعيهم، يقدمون وقتهم وجهدهم، ويبحثون عن كل من يمكن أن يقدم فائدة في الموضوع المختار. وهو غالباً موضوع سوري أو ذو صلة بالموضوع السوري. يبحثون ويتواصلون مع القدرات السورية أينما كانت، ويتحملون أحياناً مشقة التعامل مع “أنوات” متضخمة، ويستعينون بقدرات أخرى غير سورية إذا احتاج الأمر. يديرون النقاشات ويسجلون الحوارات ويفرغونها على الورق أو يرفعون حصيلة هذا المنتوج الذهني على النت، ليكون في متناول الجميع.

الآفاق السورية التي تبدو معتمة أو مغلقة، بعد كل تضحيات السوريين وعذاباتهم، تحرض اليأس، ولكنها من جهة أخرى، تشكل دافعاً قوياً لإعادة النظر والمساءلة ومراجعة كل شيء. اليوم يتقدم البحث الجريء والمتحرر والتأسيسي، ويتراجع التيار أو النزوع المحافظ الذي يقول مثلاً إننا نُهزم لأننا تخلينا عن ثوابتنا. اليوم يتقدم نقد الذات، ويتداعى اليقين الفارغ، وتتشقق قشرة الرضى الذاتي أمام ثقل الشعور بالضعف وبالهزيمة. في هذا جانب من العملية العسيرة التي يمكن أن تطول والتي تستحق أن نسميها “الولادة السورية”. لأن في هذه العملية يتلمس السوريون المشاركون حدود ومحدودية أفكار سياسية حكمت ثم تحكمت بمسار حركات سياسية كاملة أكانت تستند إلى فكر قومي أو ديني أو طبقي، وفيها يتلمسون النسيج العميق الذي يمكنه وحده أن يشكل الأساس المتين “لمشروع وطن”، وهذا، بالمناسبة، اسم أحد هذه المنتديات التي أشرنا إليها.

بالمقابل، ليست الطريق ممهدة أمام هذا النزوع الجريء والمتحرر الذي يمكن له أن يعاق كلما قادنا الجبن أو حكم العادة أو المكابرة إلى لجم عقولنا عن النقد والتفكير الحر، وكلما تغلب فينا الماضي على المستقبل، ولكن المشروع الذي إذا انطلق بات من الصعب قتله، بعد أن وجد عناصر استمراره.

المسعى الآخر الملحوظ الذي ينخرط فيه أيضاً كثير من السوريين هو الانتظام في مجموعات تسمي نفسها سياسية أو مدنية وتجتهد في البحث عن مسارات وأنشطة تقود إلى استعادة شيء من السيطرة على المصير السوري الذي يتلاعب به الآخرون.

تنظيمات مخضرمة (أدركت الثورة وما قبل الثورة) تواجه اختبار الزمن المتغير، وكثير من المجموعات الصغيرة الحديثة العهد التي تتوالد وتسعى إلى فعل مؤثر، وفي سعيها هذا تجد ضرورة أن تلتقي وتتجمع لتزيد من وزنها وفاعليتها.

الواقع أن هذه المجموعات تواجه صعوبتين، الأولى في الموضوع، وهي صعوبة تحديد ما يمكن عمله وما يمكن أن يكون مجدياً في هذه الحال السورية التي يتداخل فيها الخارج والداخل بشكل يصعب الفصل فيه، وبعد أن راكم السوريون خيبات متوالية استنزفت طاقتهم، وباتوا يعيشون في أزمة ثقة عميقة في ما بينهم. والصعوبة الثانية تكمن في الذات (ذات المجموعات) وهي القدرة على تحقيق ما يمكن أن تتفق عليه، وما يمكن أن تجده سبيلاً ممكناً للفعل والتأثير، نظراً لضعف الإمكانات.

إلى هذا، هناك ثقل كبير ينيخ على كاهل هذه التجارب يتعلق بضعف تاريخ العمل الجماعي والمشترك. نلاحظ مثلاً أن المجموعة التي تتشكل سرعان ما تتحول إلى “أنا” لها عصبيتها الخاصة، وحدودها تجاه المجموعات الأخرى. وإذا كنا نشهد حالات بروز مجموعات جديدة (هي نسخ متشابهة إلى حد بعيد)، فإننا لم نشهد حالة اندماج، رغم التشابه الكبير في الطروحات، ورغم أن المراقب يرى أن ما يفرق بين مجموعة وأخرى لا يزيد عما يفرق بين الأعضاء في التنظيم الواحد. حتى حالات العمل المشترك، دع عنك الاندماج، تبقى متعثرة وركيكة ومسمومة بضعف ثقة مستبطن. وقد تجد جماعات تستغني عن توحيد الجهد لأنها، مثلاً، رأت في سلوك ما من الآخرين، قلة اعتبار لها.

نسبة جيدة من الفاعلين هم من أصحاب تجارب سياسية سابقة على الثورة (مخضرمين)، بعض هؤلاء يحمل حساسيات مرحلة سابقة، سواء في ما يتعلق بقوى سياسية محددة (مجايلة)، أو في ما يتعلق بخشية وحذر من نوايا الجماعات الأخرى، الأمر الذي ينعكس في المزيد من التدقيق والاشتراط، والتعامل مع مفردات التفاهمات كأنها ألغام مستورة. لكن الحال لا يبدو أفضل بكثير لدى الوافدين الجدد إلى العمل السياسي. هؤلاء دخلوا المجال في الثورة وتذوقوا السياسة في الميدان والفعل، ولا يجدون في هذا النشاط التنظيري الورقي البارد والبطيء والمقطوع عن الفعل الملموس المؤثر ما يشدهم، فيميلون إلى الاستقالة.

في كل حال يبقى الإحباط العام والشعور باللاجدوى المصدر الأول لتضعضع عمل هذه المجموعات، سواء عملها الذاتي أو عملها المشترك. التمعن في حال هذا النشاط يبين أنه يقوم على فعل مبادر من أفراد قلائل نشيطين  يقابله تلبية أو استجابة من بقية الأفراد الذين يميلون إلى الركود والانتظار. ينطبق هذا على النشاط داخل المجموعة الواحدة وعلى النشاط التجميعي بالدرجة نفسها. من الطبيعي دائماً أن يكون هناك مبادرون وناشطون، ولكن ما هو جدير بالتأمل أن العمل الذي نتناوله لا يمتلك زخمه الخاص المستقل عن التحريك والتحريض الدائم.

النشاط الفكري والفكري السياسي الذي نلحظه في المنتديات لا يشبه، في مثابرته وفي التلاؤم بين هدفه ووسيلته، العمل السياسي للجماعات. هنا نحن نفتقد إلى وضوح الرؤية ولهيب الحماس وهما العنصران الضروريان لأي عمل وبالأخص للعمل السياسي.

بروكار برس

اترك رد