جمال سليمان يرد على مقال: “حول سؤال المواطنة ومقترح الفيدرالية” للكاتب هوشنك أوسي.. بعيدا عن الـ D.N.A

جمال سليمان

في كل مرة تناولت أنا وغيري القضية الكردية في سياق المسألة الوطنية السورية كان هناك رد سريع ومباشر من أحد إخوتنا الكتاب الكرد وهذا – بصرف النظر عن مضمون الرد- شيء إيجابي لأنني ببساطة لا أعتبر ما أقوله ولا ما يقوله غيري في هذه المسألة شيئا مسلما به ولا يحتمل الرد. على العكس من ذلك، أؤمن بأنه لا بد من حوار صريح وعميق حول هذه المسألة التي تشكل إحدى المسائل الإشكالية في القضية الوطنية السورية، مسألة تحتاج منا جميعا أن نتفاعل معها بعمق ومسؤولية خارج نطاق الممنوع وخارج نطاق المفاهيم الجبرية الثابتة. البعض يعتقد أنها قضية مستحدثة في سياق ما تمر به سوريا من صراع استنزفها وأضعفها مما أعطى الفرصة لكثير من “أصوات النشاز” أن تتعالى بمطالب لم يكن لها مكان لولا ما تمر به البلاد من محنة. هذا كلام غير صحيح، وما كان مسكوتا عنه بفعل الاستبداد لا يعني أبدا أنه غير موجود. القضية الكردية كانت واحدة من المسكوت عنه في تاريخ سوريا السياسي المعاصر، واليوم أصبحت قضية بارزة يجب علينا جميعا كسوريين أن نتعاطى معها بذهنية مفتوحة ونقاش ديموقراطي– بعيدا عن التعصب القومي – يوصلنا جميعا إلى توافقات وطنية جامعة بدونها لن نستطيع أن نعيد بناء الدولة ولا أن نصنع مستقبلا كريما لنا جميعا.

وباعتباري مواطنا سوريا معارضا للنظام القائم، وباعتباري عضوا في مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، الذي ضم كتلا رئيسية من القوى السياسية الكردية وكذلك الشخصيات المستقلة، وباعتباري نائب رئيس هيئة التفاوض وعضوا في اللجنة الدستورية الموكل لها صياغة دستور جديد للبلاد، وباعتباري من المدافعين عن المسألة الكردية في سياق القضية الوطنية السورية في كل هذه المحافل بالطريقة التي أراها وبالصيغة التي أؤمن أنها في مصلحة الجميع، كنت وما زلت أرى أنه من واجبي أن أبين للرأي العام السوري بكل مكوناته رأيي في هذه المسألة، مع معرفتي الأكيدة أنه هناك من يعارض رأيي من الميمنة والميسرة (أقصد من القوميين العرب والقوميين الكرد). وكي أكون أكثر وضوحا فأنا لست عالم تاريخ، ولكنني أظن أنني أعرف عنه ومنه ما يكفي كي أكون ابن الحاضر وطامحا لمستقبل أراه بعيوني أنا لا بعيون التاريخ السحيق ولا بعيون علم الجينات.

أكثر من ذلك، أنا عربي بلغتي وثقافتي ومحيطي الحضاري، ولكنني لم أجر يوما فحصا لحمضي النووي كي أعرف من أي عرق جاء أجدادي، ولن أفعل ذلك لأنه أمر لا يهمني ولن تساهم نتيجته البتة في صياغة وجهة نظري في أي شأن عام. لذلك عندما أتحدث في الشأن الكردي أو أي شأن عام آخر فليس لخلفيتي الجينية أي دور في ذلك إلا بمقدار ما أعطتني من ملكات شخصية.
أقول ذلك لأنني أستغرب من ردود بعض الإخوة الكرد على وجهة نظري وغيري ممن ينظر إلى هذه المسألة بصورة لا تتوافق مع طروحاتهم وطموحاتهم. هؤلاء الأخوة لديهم تعبيرات مشتركة، قائمة على اتهامات متماثلة منها “الشمولية و المركزية” ومنها “أننا مشتقون من النظام ولسنا منشقون عنه” ومنها أننا “استمرار لفكر حزب البعث” وبعضهم يذهب أبعد من ذلك ليتهمنا “بالشوفينية ” وإلى آخره من صفات “مسبقة الصنع”. الحقيقة أنه لا يصح موضوعيا إلقاء هذه الاتهامات علينا لأننا ببساطة لسنا بعثيين ولسنا شموليين ولسنا مركزيين وبالتأكيد لسنا شوفينيين.

نحن مع تقديرنا للجميع لا نظن أن المركزية والشمولية ستصنع وطنا سوريا مزدهرا، ولا نظن أن التعصب القومي سيصنع عقدا اجتماعيا جديدا بدونه لن تتمكن البلاد من الانطلاق نحو المستقبل. ولكن عدم توافقنا مع المتشددين من العروبيين الذين لا يوافقون على الاعتراف الدستوري بالمكونات العرقية للشعب السوري لا يعني أبدا توافقنا مع القوميين الكرد الطامحين للانفصال، أو أولئك الذين يعتبرون الفيدرالية مكسبا مرحليا وخطوة تمهد لما بعدها إذا ما توفرت الظروف وهبت الرياح بما تتمناه السفن.

ليس الغرض من هذه السطور الرد على مقالة الأستاذ هوشنك أوسي في موقع “بروكار برس” والتي ردّ بها على موقفي المعارض لقيام الفيدرالية في سوريا في حوار أجريته في نفس الموقع المحترم. ليس ردا، ولكنه متابعة لنقاش هام كلنا معنيون به.
في معرض رده طرح الأستاذ هوشنك أفكارا جديرة بالاهتمام و النقاش منها أمثلة لبلاد تبنت بنجاح النظام الفيدرالي كبلجيكا وسويسرا وأمريكا والمانيا. أنا أتفق معه بأن النظام الفيدرالي في هذه الدول كان فعالا وسببا في استقرارها وازدهارها. ولكن أود أن ألفت نظر الأستاذ هوشنك أنه هناك بالمقابل عشرات الدول التي يعيش على أرضها أكثر من قومية ولكنها لم تتبن النظام الفيدرالي بل تبنت أشكالا من اللامركزية الإدارية التي تناسب طبيعتها وساهمت في استقرارها. لقد بينت في هذا اللقاء وفي غير مناسبة أنني من أنصار دستور يعتمد شكلا فعالا للامركزية يتجاوز قانون الإدارة المحلية المعمول به في سوريا الآن، يساعد البلاد والمجتمع على إعادة الإعمار وتنمية الاقتصاد، ويتيح شراكة واسعة في الممارسة الديموقراطية وإدارة الموارد وصنع القرار. لكني بالمقابل لا أظن أن النظام الفيدرالي لو تم اعتماده في سوريا سيعطينا بالضرورة نفس النتائج التي أعطاها في الأمثلة التي أوردها الأستاذ هوشنك الذي طالبني في إظهار البينة والدلائل على عدم فعالية النظام الفيدرالي في سوريا وهذا مطلب حق في سياق النقاش المطلوب.

أولا لن أدخل في السجال المتعلق بمتى جاء بعض أخوتنا الأكراد إلى شمال شرق سوريا وما هي ظروف هجرتهم ولا بمصداقية الإحصاءات التي قامت بها الدولة السورية في حقب مختلفة.فأنا أرى أن كل ذلك غير ضروري و يأسرنا في ماض غير سعيد، ويفرقنا في ركابه. ولكن إذا كان الهدف من مطلب الفيدرالية هو حل المشكلة القومية الكردية فهذا لن يحدث لأنه ليس هناك مساحة جغرافية واسعة متصلة ذات أغلبية سكانية كردية تقوم عليها الفيدرالية. بل إن الواقع الديموغرافي من عرب وكرد و أرمن وشركس وآثوريين متشابك إلى حد كبير.

ثانيا خلال السنوات المنصرمة شاهد الشعب السوري خرائط عدة غير متطابقة ترسم الفيدرالية المأمولة كرديا (بعضها يمتد من حدود العراق شرقا إلى البحر الأبيض المتوسط غربا وذلك كي تتمتع الفيدرالية المأمولة بميناء على المتوسط) وهذا يشير إلى خلاف كردي- كردي حول حدود هذه الفيدرالية، ناهيك عن الخلاف الذي سينشأ على مستوى سكان تلك الناطق من غير الأكراد، والخلاف الذي سيظهر على المستوى الوطني بشكل عام.

ثالثا كلنا نعلم أن أكثرية الإخوة الكرد لا يعيشون في منطقة “كردستان سوريا” كما يسميها بعض الإخوة الأكراد، بل يعيشون منذ مئات السنين في دمشق وحماة وحلب وباقي المدن السورية ولم أسمع أنهم من أنصار الفيدرالية.

رابعا الأمثلة التي أوردتها عن النظم الفيدرالية لم تتم بفرض مكون على المكونات الأخرى هذا النظام، وإنما كانت بتوافق وطني لا أظن أننا نملكه في سوريا.

خامسا وكي لا تكون سوريا فيدراليتين واحدة كردية صغيرة وأخرى عربية كبيرة طرح الأستاذ هوشنك تصورا فيدراليا يتجاوز المسألة العرقية، وتساءل ما الضير في أن يكون هناك فيدرالية علوية و أخرى درزية؟. هذا يعني تقسيما طائفيا مضافا لتقسيم عرقي. ولا أعرف إن كان الأستاذ هوشنك متأكدا أن السوريين يريدون ذلك حقا. ثم ماذا بشأن المسيحيين المنتشرين في كل أصقاع سوريا؟ الكل عنده فيدراليته و هم لا؟ لا مفر لنا كسوريين من أن نعتبر من تجربتين مرتين، واحدة على يميننا و الأخرى على يسارنا/ وهما العراق ولبنان، وها نحن نشهد اليوم ثورتين في كلا البلدين ضد التقسيمات الطائفية التي أخذت شكل العرف السياسي عندما لم تمتلك الاعتراف الدستوري.

سادسا لم يخف كثير من الساسة الأكراد رفضهم لخرائط المنطقة وحلمهم بإعادة رسمها كي تقوم الدولة الكردية. مع الأسف أن أيا من أجدادنا عربا و كردا لم يكن مدعوا لمشاركة السيدان سايكس وبيكو في تقرير مصير منطقتنا ورسم خرائطها التي أورثتنا الكثير من اللعنات التي علينا أن نتعايش معها بفكر معاصر و توافقي، لأن إعادة رسمها يعني حربا عالمية جديدة تبدأ بأربع دول هي سوريا وتركيا و العراق و إيران. إن مجرد المطالبة بإصلاح سياسي مستحق وواجب في سوريا كلف أكثر من سبعمئة ألف ضحية، فكم ستكلف إعادة رسم الخرائط؟

هذه هي الأسباب الرئيسة التي تجعلني من غير المؤمنين بالنظام الفيدرالي في سوريا. لكن هذا ليس نهاية الكلام، فسوريا كي تصنع السلام المستدام لشعبها وكي تكون دولة قوية وفاعلة، وكي يتم طي صفحة الماضي بكل مظالمه، لا بد من دستور يعترف ويقدر كل مكونات الشعب السوري بلغاتهم و ثقافتهم و تراثهم كشركاء متساوين في دولة ديموقراطية عادلة. ولابد للدستور الجديد أن ينص على شكل متوافق عليه من اللامركزية يتجاوز عقودا من فشل خطط التنميةالتي همشت وأفقرت شرائح واسعة من المجتمع السوري وحرمتهم من المشاركة السياسية الحقة لا الصورية التي تمثلت بالبهلوانات والأبواق. هذا ما نعنيه أستاذ هوشنك عندما نتحدث عن الضمانات التي سيعطيها بعضنا لبعض. إنه الدستور وليس “تبويس الشوارب كما افترضت”

مرة أخرى: المسألة الكردية إحدى أهم المسائل الوطنية السورية وعلينا أن نعترف بها ونتعامل معها وطنيا بصرف النظر عن البورصة السياسية الإقليمية والدولية، وبعيدا

D.N.A

بروكار برس

اترك رد