خطاب الكراهية السوري

حسام ميرو

بدا لافتاً، في الآونة الأخيرة، زيادة حدّة خطاب الكراهية السوري، حتى أن كاتباً قريباً وموالياً للنظام تحدّث عن وجود نوعين من السوريين، الأول حضاري وإنساني ووطني، والثاني متطرّف دينياً ومحافظ اجتماعياً، وأن الأول لا يمكن له أن يتعايش مع الثاني، لتباعد وافتراق بين منظومتين من القيم، لا يمكن لهما التعايش والعمل معاً، وليس ما صرّح به هذا “الكاتب” بغريب أو جديد، فقد سبقه رأس “النظام السوري” إلى القول بما أسماه “سوريا المتجانسة”، في تلميح إلى أنّ خسارة جزء من الشعب السوري ليست خالية من الفوائد، فالسوريون الذين لجؤوا خارج البلاد هم السوريون الذين وقفوا في وجه النظام، ولهم قيم وثقافة وعادات تختلف عن قيم وثقافة وعادات الحاضنة الاجتماعية للنظام.
وأيضاً، على وقع الاجتياح التركي للجزيرة السورية، عادت إلى الواجهة بقوّة الاتهامات المتبادلة بين ناشطين عرب وأكراد، حملت كمّاً كبيراً من التخوين، حيث وجّه ناشطون كرد عدداً من التهم لأقرانهم العرب، من بينها أنهم “إسلاميون، دواعش، مؤيدون للخلافة”، في الوقت الذي اتّهم فيه ناشطون عرب أقرانهم الأكراد بأنهم “عملاء لأمريكا، انفصاليون، حاقدون على العرب، ملاحدة)، وليست هذه المرّة الأولى التي يتراشق فيها ناشطون كرد وعرب الاتهامات، فهي قد بدأت فعلياً مع دخول “فوات سوريا الديمقراطية” إلى مدينة الرقة، بعد تحريرها من تنظيم “داعش” الإرهابي.

مع تصاعد خطاب الكراهية السوري، لا بد لنا من أن نتذكّر أنه مع بداية الحراك السلمي السوري، قامت قوات من الأمن بمداهمة بيوت الناشطين في البلدات التي شهدت مظاهرات، وقامت بترويع سكانها، وإهانتهم لفظياً، وممارسة العنف ضدهم، والذي وصل في بعض الحالات إلى القتل، وهو ما يشير، بل يؤكد، أن ممارسات عناصر الأمن لم تكن ممكنة، لولا وجود حالة من الكراهية لديهم، ضدّ من يقتحمون بيوتهم، وهي الحالة التي استمرّت من قبل “النظام” ضد الشعب السوري، في العديد من المدن والبلدات، وما تزال، وتحمل في طياتها قدراً لا متناهياً من احتقار الآخر، وتجريده الكامل من إنسانيته.

يُعرّف خطاب الكراهية ((Hate speech بأنه إطلاق عبارات من شأنها التحريض ضد آخرين، ومن شأنها إلحاق الضرر بهم، كما أنه خطاب يتنافى مع حرية التعبير، ويتفق خبراء كثر، من بينهم خبراء الأمم المتحدة نفسها، على صعوبة ضبط هذا المصطلح، مع التأكيد بأنه أصبح ظاهرة عامّة مع الاستخدام العالمي المتزايد لمنصّات التواصل الاجتماعي، وفي الحالة السورية، فإن هذه المنصّات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حالة الصراع السوري برمّته، بما فيها بثّ خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والإثني والمناطقي، وهو ما يعكس فعلياً حالة الانقسام السوري، وتمزّق النسيج الوطني والاجتماعي.

يشكّل الخطاب بحسب الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل فوكو (1929-1984) سلطة بحدّ ذاته، وهو يعبر عن النظام السلطوي للمجتمع، ويخدم فعلياً المستفيدين من هذا النظام، ويعمل على ديمومة نفوذهم، من خلال عدد من المنطوقات، وهي في المجال السياسي مجموعة من الشعارات/القيم، التي تشكّل حدّاً على المختلف، وقد دأبت معظم الأنظمة السياسية المستبدّة على بلورة عدد من الشعارات التي تمنحها سلطة تجريد الآخرين من قيمهم وإنسانيتهم، بحجة خروجهم، ومروقهم، عن تلك الشعارات.

ومن هذا المنظور، فإن استخدام “النظام السوري” لخطاب الكراهية والتحريض ضد السوريين الذين ثاروا عليه كان خطاباً ممنهجاً، له غايات محددة، في مقدمتها شيطنة المحتجين عليه، وبالتالي تجريدهم من صفتي الوطنية والمواطنة، وتحويل الصراع من صراع وطني/ سياسي إلى صراع بين الشرعية والخارجين على الشرعية، والذين أصبح اسمهم في قاموسه “الإرهابيين”، و”المتطرفين”، و”العملاء”، وإلى آخر هذه المصفوفة، والتي تمنحه حقّ اعتقالهم وإبادتهم، لحماية المجتمع والوطن منهم.

ومع تحوّل الصراع الوطني من صراع يهدف إلى التغيير الديمقراطي إلى صراع مسلّح، قوامه العسكرة، وعنوانه الفصائلية، تبنّت جهات عديدة في هذا الصراع خطاب الكراهية، ولم يعد حكراً على “النظام السوري”، فقد أصبح هذا الخطاب سلاحاً من أسلحة المعركة، يهدف إلى تصليب الجماعات الطائفية أو الإثنية، في مواجهة المختلف، في ظل تراجع وحضور القوى السياسية العقلانية، التي فقدت قدرتها على التأثير كتيارات سياسية، وأصبحت مجرد رموز غير فاعلة.

في ظل تعقيدات الصراع السوري، وعلى وقع الاحتلالات العديدة، واستقواء كل طرف بحليف خارجي أو أكثر، بات من السهل اتهام البعض للأكراد جملة وتفصيلاً بأنهم انفصاليون، وأنهم يسعون إلى تأسيس كيان مستقل بهم، في شمال شرق سوريا، من دون النظر إلى التمايزات التي تحكم القوى السياسية الكردية، أو إلى الخلافات الكردية-الكردية نفسها، كما بات من السهل اتهام العرب والسُنّة بأنهم دواعش، وإرهابيون، وأتباع أردوغان، من دون النظر أيضاً إلى التمايزات بين القوى السياسية العربية، وإلى مستويات الصراع الفكري والسياسي في ما بينها.

إن البحث عن أسباب تصاعد حدّة خطاب الكراهية مسألة لا يمكن حصرها فقط في طبيعة النظام السياسي، بل أيضاً تكمن في صلب ما أسماه المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ “الفوات التاريخي”، حيث لم نشهد حركة تنوير قادرة على إحداث صدمة لدى البنى الاجتماعية، وهو الوضع الذي يمكن تعميمه، بهذه الدرجة أو تلك، على مختلف دول العالم العربي، وليست سوريا باستثناء في ذلك.

لكن خطاب الكراهية السوري، في وصوله إلى مستويات غير مسبوقة، يشير أيضاً إلى هزيمة مختلف الأطراف، والتي أصبحت تهرب عبر هذا الخطاب من الاعتراف بهزيمتها، وكما أن لهذا الأمر وجه قبيح، فإن من فوائده أنه يرفع من مستوى التحدّي لتجاوزه، خصوصاً أن عدداً من المعطيات غير السورية بدأت تطرح نفسها، ومنها ثورتي لبنان والعراق، حيث يتبلور خطاب وطني عابر للطوائف والمناطق، يكشف عن وعي جديد، على الرغم من أن النظامين السياسيين اللبناني والعراقي هما نظامان قاما على المحاصصة الطائفية.

مواجهة خطاب الكراهية السوري تستدعي إعادة النظر في طبيعة العمل الفكري والثقافي الوطني، والذي ينبغي أن يعاد تأسيسه من جديد، بعد أن بلغت أوهام كل الأطراف نهايتها، انطلاقاً من تأسيس مقومات جديدة للهوية الوطنية، تكون فيها الذات والآخر حاضرين على قاعدة قبول الاختلاف، وبناء خطاب عام غير سلطوي، لا يحمل استعلاءً أو دونية تجاه الآخر/ المختلف.

بروكار برس

اترك رد